التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم ذكر - سبحانه - مكيدة أخرى من مكايد المشركين، وهى محاولتهم إخراج النبى ﷺ من بلده، لكى يعكفوا على عبادة آلهتهم الباطلة دون أن ينهاهم عن ذلك أحد، فقال - تعالى - :﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا...﴾.
قال الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : قيل نزلت فى اليهود إذ أشاروا على النبى ﷺ بسكنى الشام، بلاد الأنبياء وترك سكنى المدينة وهذا القول ضعيف لأن هذه الآية مكية وسكنى المدينة كان بعد ذلك...
ثم قال : وقيل نزلت فى كفار قريش، حين هموا بإخراج الرسول ﷺ من بين أظهرهم، فتوعدهم الله - تعالى - بهذه الآية : وأنهم لو أخرجوه لما لبثوا بعده بمكة إلا زمنًا يسيرا....
وما ذهب إليه ابن كثير - رحمه الله - من أن الآية مكية، هو الذى تسكن إليه النفس. فيكون المعنى :﴿وإن كادوا﴾ أى : كفار مكة ﴿لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ﴾ أى : ليزعجونك ويحملونك على الخروج من الأرض التى على ترابها ولدت وفيها نشأت، وهى أرض مكة.
وقوله :﴿وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ بيان لسوء مصيرهم إذا ما أخرجوه ﷺ من مكة.
أى : ولو أنهم استفزوك وأجبروك على الخروج إجباراً، لما لبثوا ﴿خلافك﴾ أى : بعد خروجك إلا زمناً قليلاً، ثم يصيبهم ما يصيبهم من الهلاك والنقم.
ومع أن الرسول ﷺ قد خرج من مكة مهاجراً بأمر ربه إلا أنه - سبحانه - قد مكن نبيه ﷺ وأصحابه من مشركى مكة فى غزوة بدر، فقتلوا منهم سبعين، وأسروا نحو ذلك، وكانت المدة بين هجرته ﷺ وبين غزوة بدر تقل عن سنتين.
وهكذا حقق الله - تعالى - وعده لنبيه ﷺ وأنزل وعيده بأعدائه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى