زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرض﴾ في سبب نزولها قولان :
أحدهما : أن رسول الله ﷺ لما قدم المدينة، حسدته اليهود على مقامه بالمدينة، وكرهوا قربه، فأتوه، فقالوا : يا محمد أنبي أنت ؟ قال : نعم، قالوا : فوالله لقد علمت ما هذه بأرض الأنبياء، وإن أرض الأنبياء الشام، فإن كنت نبياً فائت الشام، فنزلت هذه الآية، قاله أبو صالح عن ابن عباس. وقال سعيد بن جبير : هم رسول الله ﷺ أن يشخص عن المدينة، فنزلت هذه الآية. وقال عبد الرحمن بن غنم : لما قالت له اليهود هذا، صدق ما قالوا، وغزا غزوة تبوك لا يريد إلا الشام، فلما بلغ تبوك، نزلت هذه الآية.
والثاني : أنهم المشركون أهل مكة هموا بإخراج رسول الله ﷺ من مكة، فأمره الله بالخروج، وأنزل هذه الآية إخباراً عما همّوا به، قاله الحسن، ومجاهد. وقال قتادة : هم أهل مكة بإخراجه من مكة، ولو فعلوا ذلك ما نوظروا، ولكن الله كفهم عن إخراجه حتى أمره بالخروج. وقيل : ما لبثوا بعد ذلك حتى بعث الله عليهم القتل ببدر. فعلى القول الأول، المشار إليهم : اليهود، والأرض : المدينة. وعلى الثاني : هم المشركون، والأرض : مكة. وقد ذكرنا معنى " الاستفزاز " آنفا [الإسراء: ٦٤]، وقيل : المراد به هاهنا : القتل، ليخرجوه من الأرض كلها ؛ روي عن الحسن.
قوله تعالى :﴿وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ﴾ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وأبو بكر عن عاصم :﴿خلافك﴾. وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم :" خلافك ". قال الأخفش " خلافك " في معنى خلفك، والمعنى : لا يلبثون بعد خروجك ﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي : لو أخرجوك لاستأصلناهم بعد خروجك بقليل، وقد جازاهم الله على ما هموا به، فقتل صناديد المشركين ببدر، وقتل من اليهود بني قريظة، وأجلى النضير. وقال ابن الأنباري : معنى الكلام، لا يلبثون على خلافك ومخالفتك، فسقط حرف الخفض. وقرأ أبو رزين، وأبو المتوكل :" خلافك " بضم الخاء، وتشديد اللام، ورفع الفاء.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى