اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ الآية.
يحتمل أن يكون " مدخل " مصدراً، وأن يكون ظرف مكانٍ، وهو الظاهر، والعامة على ضمِّ الميم فيهما ؛ لسبقهما بفعل رباعيٍّ، وقرأ(١) قتادة، وأبو حيوة، وإبراهيم بن أبي عبلة، وحميدٌ بفتح الميم فيهما : إمَّا لأنهما [ مصدران على حذف الزوائد ؛ ك﴿أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأرض نَبَاتاً﴾ [نوح: ١٧] ؛ وإمَّا لأنهما ] منصوبان بمقدر موافق لهما، تقديره : فادخل مدخل، واخرج مخرج، وقد تقدَّم هذا مستوفًى في قراءةِ نافع في سورة النساء [ الآية : ٣١ ]، وأنه قرأ كذلك في سورة الحجِّ [ الآية : ٥٩ ].
و " مُدخلَ صِدقٍ "، و " مُخرجَ صِدقٍ " من إضافة التبيين، وعند الكوفيين من إضافة الموصوف لصفته ؛ لأنه يوصف به مبالغة.
و " سلطاناً " هو المفعول الأول للجعلِ، والثاني أحدُ الجارَّين المتقدمين، والآخر متعلِّقٌ باستقراره، وقوله " نَصِيراً " يجوز أن يكون محولاً من " فاعلٍ " للمبالغة، وأن يكون بمعنى مفعول.
قد تقدَّم في قوله :﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرض﴾ [الإسراء: ٧٦] قولان :
أحدهما : أن يكون المراد منه سعي كفَّار مكَّة في إخراجه منها.
والثاني : المراد منه اليهود ؛ قالوا له : الأولى أن تخرج من المدينة إلى الشَّام، ثم قال :" أقم الصَّلاة " واشتغل بعبادة الله تعالى، ولا تلتفت إلى هؤلاء الجهَّال، فإنَّ الله تعالى يعينك، ثمَّ عاد بعد هذا الكلام إلى شرح تلك الواقعة من أن كفَّار مكَّة أرادوا إخراجه، فأراد الله تعالى هجرته إلى المدينة، وقال له :﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾، وهو المدينة، ﴿وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾، وهو مكَّة، وهذا قول ابن عبَّاس، والحسن، وقتادة(٢).
وعلى التفسير الثاني، وهو أنَّ المراد منها أن اليهود حملوه على الخروج من المدينة والذَّهاب إلى الشَّام، فخرج رسول الله ﷺ، ثمَّ أمر بأن يرجع إليها، فلمَّا عاد إلى المدينة، قال :" ربِّ أدخلْنِي مُدخلَ صدقٍ " وهي المدينة، " وأخْرِجنِي مُخرجَ صِدقٍ " يعني : إلى مكة ؛ [ بالفتح ]، أي : افتحها(٣).
وقال الضحاك(٤) :" أدْخلنِي مُدخلَ صِدْقٍ " ظاهراً على مكة بالفتح " وأخْرِجنِي مُخرجَ صِدْقٍ " من مكة، آمناً من المشركين.
وقال مجاهد(٥) : أدخلني في أمرك الذي أرسلتني به من النبوة، والقيام بمهمات أداء شريعتك، " وأخْرِجْنِي " من الدنيا، وقد قمت بما وجب عليَّ من حقِّها " مُخرجَ صِدقٍ " أي : إخراجاً لا يبقى عليَّ منها تبعةٌ.
وعن الحسن :" أدْخلنِي مُدخلَ صِدْقٍ " الجنة، " وأخْرِجنِي مُخرجَ صِدْقٍ " أي : إخراجاً لا يبقى عليَّ منها تبعةٌ من مكة(٦).
وقيل : أدخلني في طاعتك، وأخرجني من المناهي.
وقيل : أدخلني القبر مدخل صدقٍ، وأخرجني منه مخرج صدقٍ، وقيل : أدخلني حيثُ ما أدخلتني بالصِّدق، وأخرجني بالصِّدق، أي : لا تجعلني ممَّن يدخل بوجهٍ، ويخرج بوجهٍ، فإنَّ ذا الوجهين لم يكن عند الله وجيهاً.
ووصف الإدخال والإخراج بالصِّدقِ ؛ لما يئول إليه الدُّخولُ والخروج من النصر، والعزِّ، ودولة الدِّين، كما وصف القدم بالصِّدق ؛ فقال :﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢] ﴿واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا﴾
قال مجاهد(٧) : حجة بينة ظاهرة تنصرني بها على جميع من خالفني، وقال الحسن(٨) : ملكا قويا تنصرني به على من عاداني، وعزا ظاهرا أقيم به دينك، وقد أجاب الله تعالى دعاءه، وأعلمه أنه يعصمه من الناس ؛ فقال :﴿والله يعصمك من الناس﴾ [المائدة: ٦٧].
وقال :﴿أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الله هُمُ المفلحون﴾ [المجادلة: ٢٢].
وقال :﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣].
يحتمل أن يكون " مدخل " مصدراً، وأن يكون ظرف مكانٍ، وهو الظاهر، والعامة على ضمِّ الميم فيهما ؛ لسبقهما بفعل رباعيٍّ، وقرأ(١) قتادة، وأبو حيوة، وإبراهيم بن أبي عبلة، وحميدٌ بفتح الميم فيهما : إمَّا لأنهما [ مصدران على حذف الزوائد ؛ ك﴿أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأرض نَبَاتاً﴾ [نوح: ١٧] ؛ وإمَّا لأنهما ] منصوبان بمقدر موافق لهما، تقديره : فادخل مدخل، واخرج مخرج، وقد تقدَّم هذا مستوفًى في قراءةِ نافع في سورة النساء [ الآية : ٣١ ]، وأنه قرأ كذلك في سورة الحجِّ [ الآية : ٥٩ ].
و " مُدخلَ صِدقٍ "، و " مُخرجَ صِدقٍ " من إضافة التبيين، وعند الكوفيين من إضافة الموصوف لصفته ؛ لأنه يوصف به مبالغة.
و " سلطاناً " هو المفعول الأول للجعلِ، والثاني أحدُ الجارَّين المتقدمين، والآخر متعلِّقٌ باستقراره، وقوله " نَصِيراً " يجوز أن يكون محولاً من " فاعلٍ " للمبالغة، وأن يكون بمعنى مفعول.
فصل في معنى " مُدخَلَ صِدقٍ " و " مُخْرَجَ صِدْقٍ "
قد تقدَّم في قوله :﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرض﴾ [الإسراء: ٧٦] قولان :
أحدهما : أن يكون المراد منه سعي كفَّار مكَّة في إخراجه منها.
والثاني : المراد منه اليهود ؛ قالوا له : الأولى أن تخرج من المدينة إلى الشَّام، ثم قال :" أقم الصَّلاة " واشتغل بعبادة الله تعالى، ولا تلتفت إلى هؤلاء الجهَّال، فإنَّ الله تعالى يعينك، ثمَّ عاد بعد هذا الكلام إلى شرح تلك الواقعة من أن كفَّار مكَّة أرادوا إخراجه، فأراد الله تعالى هجرته إلى المدينة، وقال له :﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾، وهو المدينة، ﴿وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾، وهو مكَّة، وهذا قول ابن عبَّاس، والحسن، وقتادة(٢).
وعلى التفسير الثاني، وهو أنَّ المراد منها أن اليهود حملوه على الخروج من المدينة والذَّهاب إلى الشَّام، فخرج رسول الله ﷺ، ثمَّ أمر بأن يرجع إليها، فلمَّا عاد إلى المدينة، قال :" ربِّ أدخلْنِي مُدخلَ صدقٍ " وهي المدينة، " وأخْرِجنِي مُخرجَ صِدقٍ " يعني : إلى مكة ؛ [ بالفتح ]، أي : افتحها(٣).
وقال الضحاك(٤) :" أدْخلنِي مُدخلَ صِدْقٍ " ظاهراً على مكة بالفتح " وأخْرِجنِي مُخرجَ صِدْقٍ " من مكة، آمناً من المشركين.
وقال مجاهد(٥) : أدخلني في أمرك الذي أرسلتني به من النبوة، والقيام بمهمات أداء شريعتك، " وأخْرِجْنِي " من الدنيا، وقد قمت بما وجب عليَّ من حقِّها " مُخرجَ صِدقٍ " أي : إخراجاً لا يبقى عليَّ منها تبعةٌ.
وعن الحسن :" أدْخلنِي مُدخلَ صِدْقٍ " الجنة، " وأخْرِجنِي مُخرجَ صِدْقٍ " أي : إخراجاً لا يبقى عليَّ منها تبعةٌ من مكة(٦).
وقيل : أدخلني في طاعتك، وأخرجني من المناهي.
وقيل : أدخلني القبر مدخل صدقٍ، وأخرجني منه مخرج صدقٍ، وقيل : أدخلني حيثُ ما أدخلتني بالصِّدق، وأخرجني بالصِّدق، أي : لا تجعلني ممَّن يدخل بوجهٍ، ويخرج بوجهٍ، فإنَّ ذا الوجهين لم يكن عند الله وجيهاً.
ووصف الإدخال والإخراج بالصِّدقِ ؛ لما يئول إليه الدُّخولُ والخروج من النصر، والعزِّ، ودولة الدِّين، كما وصف القدم بالصِّدق ؛ فقال :﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢] ﴿واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا﴾
قال مجاهد(٧) : حجة بينة ظاهرة تنصرني بها على جميع من خالفني، وقال الحسن(٨) : ملكا قويا تنصرني به على من عاداني، وعزا ظاهرا أقيم به دينك، وقد أجاب الله تعالى دعاءه، وأعلمه أنه يعصمه من الناس ؛ فقال :﴿والله يعصمك من الناس﴾ [المائدة: ٦٧].
وقال :﴿أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الله هُمُ المفلحون﴾ [المجادلة: ٢٢].
وقال :﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣].
١ ينظر: الإتحاف ٢/٢٠٣، والبحر المحيط ٦/٧٢..
٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/ ١٣٥ ـ ١٣٦) عن ابن عباس وقتادة والحسن.
وأثر قتادة ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٤/٣٥٩). وعزاه إلى الحاكم وصححه والبيهقي في "الدلائل"..
٣ ينظر: المصدر السابق..
٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/١٣٧) وذكره البغوي في "تفسيره" (٣/١٣٢)..
٥ ينظر: المصدر السابق..
٦ ينظر: المصدر السابق..
٧ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/١٣٧) وذكره البغوي في "تفسيره" (٣/١٣٢)..
٨ ينظر: المصدر السابق..
٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/ ١٣٥ ـ ١٣٦) عن ابن عباس وقتادة والحسن.
وأثر قتادة ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٤/٣٥٩). وعزاه إلى الحاكم وصححه والبيهقي في "الدلائل"..
٣ ينظر: المصدر السابق..
٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/١٣٧) وذكره البغوي في "تفسيره" (٣/١٣٢)..
٥ ينظر: المصدر السابق..
٦ ينظر: المصدر السابق..
٧ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/١٣٧) وذكره البغوي في "تفسيره" (٣/١٣٢)..
٨ ينظر: المصدر السابق..