التفسير البسيط — الواحدي

عن الكتاب
٨٠ - قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ الآية. روى قابوس (١) عن أبيه عن ابن عباس قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-بمكة، ثم أُمر (٢) بالهجرهَ، وأُنزل عليه هذه الآية (٣)، فعلى هذا يريد ﴿أَدْخِلْنِي﴾: المدينهَ واصرفني من مكة، وهذا قول الحسن وقتادة (٤).
وقال الكلبي: هذا حين خرج من المدينة يريد الشام لقول اليهود،
= النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة" أخرجه أحمد ٣/ ٣٥٤، والبخاري (٦١٤): الأذان، الدعاء عند النداء، والنسائي: الأذان، الدعاء عند الأذان ٢/ ٢٧، سنن البيهقي: الصلاة، ما يقول إذا فرغ من ذلك ١/ ٤١٠.
(١) قابوس بن أبي ظِبْيان بالكسر والفتح، وأبو ظبيان والده هو حُصين بن جُنْدب الجَنْبي الكوفي، ضعيف الحديث، قال أبو حاتم: لين يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال ابن حبان: كان رديء الحفظ؛ ينفرد عن أبيه بما لا أصل له، وربما رفع المراسيل وأسند الموقوف، روى عنه الثوري وجرير، مات سنة (١٢٩ هـ).
انظر: "المجروحين" لابن حبان ٢/ ٢١٥، و"الجرح والتعديل" ٧/ ١٤٥، و"الكاشف" ٢/ ١٢٦، و"ميزان الاعتدال" ٤/ ٢٨٧، و"تقريب التهذيب" (٤٤٩).
(٢) في (د): (أمرنا).
(٣) أخرجه الترمذي (٣١٣٩): التفسير، الإسراء ٥/ ٣٠٤ وقال: حديث حسن صحيح، و"الطبري" ١٥/ ١٤٨ - ١٤٩ بنصه (طريق ضعيفة لضعف قابوس)، وورد عند الثعلبي ٧/ ١١٨ ب بمعناه، و"الطوسي" ٦/ ٥١٢ بمعناه، وأورده المصنف في "أسباب النزول" ص ٢٩٨ بلا سند عن الحسن، وورد في "لباب النقول" ص ١٣٩.
(٤) أخرجه "عبد الرزاق" ٢/ ٣٨٩، بنحوه عن قتادة، و"الطبري" ١٥/ ١٤٩، بنحوه عنهما، وورد بنحوه في "معاني القرآن" للنحاس ٤/ ١٨٥، عنهما، و"تفسير السمرقندي" ٢/ ٢٨١، عن الحسن، و"الثعلبي" ٧/ ١١٨ ب، عنهما، و"الماوردي" ٣/ ٢٦٦، عن قتادة، و"الطوسي" ٦/ ٥١٢، بنحوه عنهما.
وقد ذكرنا القصة (١)، فقال الله له: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ يعنى المدينة، ﴿وَأَخْرِجْنِي﴾: (منها إلى مكة) (٢)، ﴿مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾، أي: افتحها، واختار الفراء هذا القول (٣).
وقال مجاهد: أدخلني في أمرك الذي أرسلتني به من النبوة مُدْخل صدق، وأخرجني منه مُخْرج صدق (٤)، ومُدخل بضم الميم مصدر الإدخال؛ يقال: أدخلته مُدخلاً، كما قال: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا﴾ [المؤمنون: ٢٩]، ومعنى إضافة المدخل والمخرج إلى الصدق: مزجهما؛ كأنه سأل الله تعالى إدخالًا حسنًا لا يرى فيه ما يكره، وكذلك الإخراج.
قال الليث: يقال: هذا رجل صدق، مضافٌ، بكسر الصاد، معناه: نِعْم الرجل هو، وامرأة صدق؛ كذلك (٥).
وذكرنا فيما تقدم أن موضوع (ص د ق) للصحة والكمال، فكأنه سأل الله أن يخرجه من مكة إخراجًا لا يلتفت إليها قلبُه، ويدخله المدينة إدخالًا يطمئن فيها قلبُه، ولذلك كان يدعو فيقول: "اللهم حبب إلينا المدينة كلما حببت إلينا مكة" (٦)، وكل شيء أضفت إلى الصدق، فقد مدحته وجودته.
(١) عند آية [٧٦].
(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).
(٣) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ١٢٩، وهو ما رجحه "الطبري" ١٥/ ١٥٠ وأيّده بالسياق.
(٤) "تفسير مجاهد" ص ٤٤١، بنحوه، أخرجه "الطبري" ١٥/ ١٤٩، بنحوه من طريقين، وورد في "معاني القرآن" للنحاس ٤/ ١٨٦ بمعناه، و"تفسير السمرقندي" ٢/ ٢٨١، بنحوه، و"الثعلبي" ٧/ ١١٨ ب، بنصه، و"الماوردي" ٣/ ٢٦٦، بنحوه.
(٥) ورد في "تهذيب اللغة" (صدق) ٢/ ١٩٩٠، بنصه.
(٦) أخرجه أحمد ٦/ ٥٦، والبخاري (١٨٨٩): فضائل المدينة، كراهية النبي -صلى الله عليه وسلم- أن تُعْرَى المدينة، ومسلم (١٣٧٦): الحج، الترغيب في سكنى المدينة واللفظ له، =
وقوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ قال ابن عباس ومجاهد: أي حُجَّة بينة تنصرني بها على جميع من خالفني (١).
وقال الحسن وقتادة: ملكًا قويًا تنصرني به على من ناوأني، وعزًا ظاهرًا أقيم به دينك (٢)، وهذا معنى قول الحسن: اجعلني أقيم الحدود (٣)، وعلى هذا القول: سأل الله تعالى سلطان القدرة، وعلى القول الأول: سأل الحجة. وقد جمع بينهما أبو إسحاق فقال: أي اجعل نصرتي من عندك تسليطي بالقدرة والحجة.
وقد أجاب الله دعاءه وأعلمه أنه يعصمه من الناس فقال: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، وقال: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦]، وقال: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ (٤) [الصف: ٩]، وذهب
= والبيهقي: الجنائز، قول العائد للمريض: كيف نجدك ٣/ ٣٨٢، والبيهقي في "الدلائل" ٢/ ٥٦٦، والبغوي في "شرح السنة" ٧/ ٣١٧، وكلهم عن عائشة، وكلهم -إلا مسلم- بلفظ: "اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة.. ".
(١) "تفسير مجاهد" ١/ ٣٦٨ مختصرًا، وأخرجه "الطبري" ١٥/ ١٥١ مختصرًا عن مجاهد من طريقين، وورد مختصرًا عن مجاهد في "معاني القرآن" للنحاس ٤/ ١٨٦، عن مجاهد، و"تفسير هود الهواري" ٢/ ٤٣٨، و"الثعلبي" ٧/ ١١٨ ب، و"الماوردي" ٣/ ٢٦٧، و"الطوسي" ٦/ ٥١٢
(٢) أخرجه " الطبري" ١٥/ ١٥١ بمعناه عنهما، وورد في "معاني القرآن" للنحاس ٤/ ١٨٦ بمعناه عن الحسن، و"تفسير الثعلبي" ٧/ ١١٨ ب بنصه عن الحسن، و"الماوردي" ٣/ ٢٦٧ بمعناه عن قتادة، و"الطوسي" ٦/ ٥١٢ بمعناه عنهما، انظر: "تفسير البغوي" ٥/ ١٢٢ بنصه عن الحسن.
(٣) ورد في "تفسر الماوردي" ٣/ ٢٦٧ بمعناه، انظر: "تفسير أبي حيان" ٦/ ٧٣، وفييما تقيد إقامة الحدود على المنافقين، وفيه نظر!
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ٢٥٧، بنصه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى