جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :﴿أَوْ تُسْقِطَ السّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً﴾.


اختلفت القرّاء في قراءة قوله : كِسَفا فقرأته عامّة قرّاء الكوفة والبصرة بسكون السين، بمعنى : أو تسقط السماء كما زعمت علينا كِسفا، وذلك أن الكِسْف في كلام العرب : جمع كِسْفة، وهو جمع الكثير من العدد للجنس، كما تجمع السّدْرة بسِدْر، والتمرة بتمر، فحُكي عن العرب سماعا : أعطني كِسْفة من هذا الثوب : أي قطعة منه، يقال منه : جاءنا بثريد كِسْف : أي قطع خبز. وقد يحتمل إذا قرىء كذلك «كِسْفا » بسكون السين أن يكون مرادا به المصدر من كسف. فأما الكِسَفُ بفتح السين، فإنه جمع ما بين الثلاث إلى العشر، يقال : كِسَفة واحدة، وثلاث كِسَف، وكذلك إلى العشر. وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل المدينة وبعض الكوفيين كِسَفا بفتح السين بمعنى : جمع الكِسْفة الواحدة من الثلاث إلى العشر، يعني بذلك قِطَعا : ما بين الثلاث إلى العشر.
وأولى القراءتين في ذلك بالصواب عندي قراءة من قرأه بسكون السين، لأن الذين سألوا رسول الله ﷺ ذلك، لم يقصدوا في مسألتهم إياه ذلك أن يكون بحدّ معلوم من القطع، إنما سألوا أن يُسقط عليهم من السماء قِطَعا، وبذلك جاء التأويل أيضا عن أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله كِسْفا قال : السماء جميعا.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
قال ابن جريج : قال عبد الله بن كثير، عن مجاهد، قوله كمَا زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفا قال : مرّة واحدة، والتي في الروم ويَجْعَلُهُ كِسَفا قال : قطعا، قال ابن جريج : كسفا لقول الله : إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفا مِنَ السّماءِ.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة أوْ تُسْقِطَ السّماءَ كمَا زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفا قال : أي قطعا.
حدثنا عليّ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : كِسَفا يقول : قطعا.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة كِسَفا قال : قطعا.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله أوْ تُسْقِطَ السّماءَ كمَا زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفا يعني قِطَعا.

القول في تأويل قوله : أوْ تَأْتِيَ باللّهِ وَالمَلائِكَةِ قَبِيلاً : يقول تعالى ذكره عن قيل المشركين لنبيّ الله ﷺ : أو يأتي بالله يا محمد والملائكة قبيلاً.


واختلف أهل التأويل في معنى القبيل في هذا الموضع، فقال بعضهم : معناه : حتى يأتي الله والملائكة كلّ قبيلة منا قبيلة قبيلة، فيعاينونهم. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : وَالمَلائِكَةِ قَبِيلاً قال : على حدتنا، كلّ قبيلة.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله أوْ تَأْتِي باللّهِ وَالمَلائِكَةِ قَبِيلاً قال : قبائل على حدتها كلّ قبيلة.
وقال آخرون : معنى ذلك : أوْ تأتي بالله والملائكة عيانا نقابلهم مقابلة، فنعاينهم معاينة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة أوْ تَأْتيَ باللّهِ وَالمَلائِكَةِ قَبِيلاً نعاينهم معاينة.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج أوْ تَأْتيَ باللّهِ وَالمَلائِكَةِ قَبِيلاً فنعاينهم.
ووجّهه بعض أهل العربية إلى أنه بمعنى الكفيل من قولهم : هو قَبيلُ فلان بما لفلان عليه وزعيمه.
وأشبه الأقوال في ذلك بالصواب، القول الذي قاله قتادة من أنه بمعنى المعاينة، من قولهم : قابلت فلانا مقابلة، وفلان قبيل فلان، بمعنى قبالته، كما قال الشاعر :
نُصَالِحُكُمْ حتى تَبُوءُوا بِمِثْلِهاكصَرْخَةِ حُبْلَى يَسّرَتْها قَبِيلُها
يعني قابِلَتها. وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة يقول : إذا وصفوا بتقدير فعيل من قولهم قابلت ونحوها، جعلوا لفظ صفة الاثنين والجميع من المؤنث والمذكر على لفظ واحد، نحو قولهم : هذه قبيلي، وهما قبيلي، وهم قبيلي، وهن قبيلي.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى