الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي

عن الكتاب
وقوله سبحانه :﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ﴾ الآيَة : تسليةٌ للنَّبِيِّ ﷺ أي : لا تَهْتَمَّ بأمر الكَفَرَةِ من أجل إعراضهم عن الإيمان، وقوله :﴿إلهه هَوَاهُ﴾ إشارة إلى الأصنام ؛ إذ كانوا يعبدون ما يَهْوَوْنَ من الحجارة، وقال قتادة : المعنى : لا يَهْوَى شيئاً إلا رَكِبَهُ، لا يخافُ اللَّه ؛ فهذا كما يقال : الهوى إله مَعْبُودٌ، وهذه الآية وإنْ كانت نزلَتْ في هَوَى الكُفْر ؛ فهِي مُتَنَاوِلَةٌ جميعَ هوى النفس الأَمَّارَةِ ؛ قال النبيُّ ﷺ :" وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وتمنى عَلَى اللَّهِ "، وقال سَهْلٌ التُّسْتَرِيُّ : هَوَاكَ دَاؤُكَ ؛ فَإنْ خَالَفْتَهُ فَدَوَاؤُك، وقال وهْبٌ : إذا عَرَضَ لك أمران، وشككْتَ في خَيْرِهِمَا، فانظر أَبْعَدَهُمَا مِنْ هَوَاكَ فَأْتِهِ ؛ ومن الحكمة في هذا قول القائل :
إذَا أَنْتَ لَمْ تَعْصِ الهوى قَادَكَ الهوىإلى كُلِّ مَا فيهِ عَلَيْكَ مَقَالُ
قال الشيخ ابن أبي جَمْرَةَ : قولُهُ ﷺ :" فَيُقَالُ : مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئاً فَلِيَتْبَعْهُ " شيئاً يعم جَمِيعَ الأشياء، مُدْرَكَةً كانَتْ أو غَيْرَ مُدْرَكَةٍ، فالمُدْرَكُ : كالشمس والقمر، وَغَيْرُ المُدْرَكِ، مِثْلُ : الملائكة والهوى ؛ لقوله عزَّ وجَلَّ :﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ﴾، وما أشبه ذلك، انتهى. قال القُشَيْرِيُّ في رسالته : وحُكِيَ عن أبي عمران الواسطيِّ قال : انكسرت بنا السفينةُ، فَبَقِيتُ أنا وامرأتي على لَوْحٍ، وقد وَلَدَتْ في تِلْكَ الحَالِ صَبِيَّة، فصَاحَتْ بي، وقالت : يَقْتُلُنِي العَطَشُ، فقلْتُ : هو ذا يرى حالَنَا، فرفعتُ رَأْسِي، فإذا رجُلٌ في الهواء جالِسٌ في يده سِلْسِلَةٌ من ذَهَبٍ، وفيها كُوزٌ من ياقُوتٍ أَحْمَرَ، فقال : هَاكَ، اشربا، قال : فأخذتُ الكُوزَ فَشَرِبْنَا منه، فإذا هو أطيبُ مِنَ المِسْكِ، وأبردُ مِنَ الثَّلْجِ، وأحلى من العَسَلِ، فقلت : مَنْ أَنْتَ رَحِمَكَ اللَّه ؟ فقال : عبدٌ لمولاكَ، فقلْتُ له : بِمَ وَصَلْتَ إلى هذا ؟ فقال : تركْتُ هَوَايَ لمَرْضَاتِهِ، فأجلَسَنِي في الهواء، ثُمَّ غَابَ عَنِّي، ولم أره، انتهى.
وقوله تعالى :﴿على عِلْمٍ﴾ قال ابن عباس : المعنى : على عِلْمٍ من اللَّه تعالى سَابِقٍ، وقالت فرقة : أي : على عِلْمٍ من هذا الضَّالِّ بتَرْكِهِ للحَقِّ وإعراضِهِ عنه، فتكُونُ الآية على هذا التأويل من آيات العِنَادِ ؛ من نحو قوله :﴿وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتها أَنفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤].
وقوله تعالى :﴿وَخَتَمَ على سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ على بَصَرِهِ غشاوة﴾ استعاراتٌ كُلُّهَا.
وقوله :﴿مِن بَعْدِ الله﴾ فِيهِ حَذْفُ مضافٍ، تقديره : مِنْ بعدِ إضلالِ اللَّهِ إيَّاه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى