المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿أفرأيت﴾ سهل بعض القراء الهمزة وخففها قوم، وكذلك هي في مصحف ابن مسعود مخففة، وفي مصحف أبي بن كعب :«أفرايت » دون همز. وهذه الآية تسلية لمحمد ﷺ عن المعرضين عن الإيمان، أي لا تعجل بهم ولا تهتم بأمرهم، فليس فيهم حيلة لبشر، لأن الله تعالى أضلهم. وقال ابن جبير : قوله :﴿إلهه هواه﴾ إشارة إلى الأصنام إذ كانوا يعبدون ما يهوون من الحجارة. وقال قتادة المعنى : لا يهوى شيئاً إلا ركبه، لا يخاف الله، وهذا كما يقال : الهوى إله معبود.
وقرأ الأعرج وابن جبير :«آلهة هواه » على التأنيث في «آلهة ».
وهذه الآية وإن كانت نزلت في هوى الكفر فهي متناولة جميع هوى النفس الأمارة، قال ابن عباس : ما ذكر الله هوى إلا ذمه. وقال الشعبي : سمي هوى لهويه بصاحبه. وقال النبي عليه السلام :«والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله »(١) وقال سهل التستري : هواك داؤك، فإن خالفته فدواؤك. وقال سهل : إذا شككت في خير أمرين، فانظر أبعدهما من هواك فأته. ومن حكمة الشعر في هذا قول القائل :
إذا أنت لم تعص الهوى قادك ال. . . هوى إلى كل ما فيه عليك مقال(٢)
وقوله تعالى :﴿على علم﴾ قال ابن عباس المعنى : على علم من الله تعالى سابق. وقالت فرقة : أي على علم من هذا الضال بأن الحق هو الذي يترك ويعرض عنه، فتكون الآية على هذا من آيات العناد من نحو قوله :﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم﴾(٣) [النمل: ١٤] وعلى كلا التأويلين : ف ﴿على علم﴾، حال.
وقوله تعالى :﴿وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة﴾ استعارة كلها، إذ هو الضال لا ينفعه ما يسمع ولا ما يفهم ولا ما يرى، فكأنه بهذه الأوصاف المذكورة، وهذه الآية لا حجة للجبرية فيها، لأن التكسب فيها منصوص عليه في قوله :﴿اتخذ﴾ وفي قوله :﴿على علم﴾ على التأويل الأخير فيه، ولو لم ينص على الاكتساب لكان مراداً في المعنى.
وقرأ أكثر القراء «غِشاوة » بكسر الغين. وقرأ عبد الله بن مسعود :«غَشاوة » بفتح الغين وهي لغة ربيعة، وحكي عن الحسن وعكرمة :«غُشاوة » بضم الغين وهي لغة عكل، وقرأ حمزة والكسائي :«غَشْوة » بفتح الغين وإسكان الشين.
و قرأ الأعمش وابن مصرف بكسر الغين دون ألف.
وقوله :﴿من بعد الله﴾ فيه حذف مضاف تقديره : من بعد إضلال الله إياه.
وقرأ عاصم وأراه الجحدري :«تذكرون » بتخفيف الذال. وقرأ جمهور الناس :«تذّكرون » على الخطاب أيضاً بتشديد الذال. وقرأ الأعمش :«تتذكرون » بتاءين.
١ أخرجه الترمذي في القيامة، وابن ماجه في الزهد، وأحمد في مسنده(٤-١٢٤)، عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله)..
٢ هذا البيت قاله هشام بن عبد الملك، ولم يقل غيره، قال ذلك صاحب كتاب "عيون الأخبار".
والهوى: ما تريده النفس وتحبه، وإذا أطلق كان مذموما حتى يوصف بما يجعله حسنا، والمقال: قالة السوء عليه، يقول الشاعر: إذا لم تخالف رغبات نفسك وشهواتها قادك هواك إلى الخطأ فيتقول الناس عليك وينسبون لك كل قبيح مرذول..

٣ من الآية(١٤) من سورة (النمل)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى