تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية ٣٥ [ وقوله تعالى :﴿ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هُزُوًا﴾ ](١) أخبر أن بعض ذلك الذي أصابهم، ونزل بهم، إنما كان بما ذكر من اتخاذهم آيات الله هُزوا بها وسخريا بالرسل عليهم السلام.
ثم آيات الله تحتمل ما ذكرنا من آيات وحدانيته وألوهيته وآيات سلطانه وقدرته على البعث أو آيات رسالة الرسول عليه السلام.
وقوله تعالى :﴿وغرّتكم الحياة الدنيا﴾ قد ذكرنا في ما تقدم معنى نسبة التغرير إلى الحياة الدنيا وإضافته إليها، وإن لم يكن منها على التحقيق تغرير وخداع، وهو أنهم إنما اغتروا بها، فنُسب فعل التغرير إليها، كأنها هي غرّتهم.
وقد يُنسب إلى السبب الذي به صار ذلك، وإن لم يكن منه حقيقة ذلك، نحو قوله تعالى :﴿والنهار مُبصِرا﴾ [يونس: ٦٧] أي يبصر به، وذلك كثير في اللغة.
أو يقال : إن ما كان منهما، لو كان ذلك مما يحتمل التغرير، ويملك ذلك، كان تغريرا، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿فاليوم لا يُخرجون منها ولا هم يُستعتبون﴾ اختُلف في قوله :﴿ولا هم يُستعتبون﴾ : قال بعضهم : إنهم يُعاتَبون إلى أن يُدخلوا النار : إنكم فعلتم كذا، وتركتم كذا، ولم فعلتم كذا ؟ فإذا أُدخلوا النار يُترك العتاب، ويُجعل كالشيء المنسيّ فيها، والله أعلم.
وقال بعضهم :﴿ولا هم يُستعتبون﴾ أي لا يُسترجعون إلى ما يطلبون من العود والرجوع إلى العمل الصالح لقولهم :﴿ربّنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل﴾ الآية [فاطر: ٣٧].
ثم في قوله :﴿إن نظن إلا ظنا﴾ وقوله :﴿ورأى المجرمون النار فظنّوا﴾ الآية [الكهف: ٥٣] وقوله :﴿الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم﴾ [البقرة: ٤٦] دلالة ألا يجب أن يُفهم على ظاهر ما خرج الخطاب أنه ذُكر الظن في المؤمنين، والمراد به الإيقان لا ظاهر الظن، وذُكر في الكافرين الظن، وأريد به الحقيقة.
ولا يجوز أن يُفهم من الظن في الفريقين معنى واحد، بل يُفهم من هذا غير الذي فُهِم من الآخر، والله أعلم.
١ في الأصل وم: ثم..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى