الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
وقرأ العامَّةُ :﴿الرُّشْدِ﴾ : بضمة وسكونٍ وابن عمر بضمِّهما، وعنه أيضاً فَتْحُهما، وتَقَدَّم هذا في الأعراف.
قوله :﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ : قرأ الأخَوان وابن عامر وحفص بفتح " أنَّ " وما عُطِف عليها بالواو في اثنتي عشرة كلمةً، والباقون بالكسرة. وقرأ ابنُ عامر وأبو بكرٍ " وإنه لَمَّا قام " بالكسرة، والباقون بالفتح، واتفقوا على الفتحِ في قوله :﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ وتلخيص هذا : أن " أنَّ " المشددةَ في هذه السورةِ على ثلاثةِ أقسامٍ : قسمٍ ليس معه واوُ العطفِ، فهذا لا خلاف بين القُرَّاءِ في فتحِه أو كسرِه. على حسبِ ما جاءَتْ به التلاوةُ واقْتَضَتْه العربيةُ، كقولِه :﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ لا خلافَ في فتحِه لوقوعِه موقعَ المصدرِ وكقوله :﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً﴾
[الجن: ١] لا خلافَ في كسرِه لأنه محكيٌّ بالقول.
القسم الثاني أَن يقترنَ بالواوِ، وهو أربعَ عشرةَ كلمةً، إحداها : لا خلاف في فتحِها وهي : قولُه تعالى :﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: ١٨] ـ وهذا هو القسم الثالث ـ والثانية :﴿وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ﴾ [الجن: ١٩] كَسَرَها ابنُ عامرٍ وأبو بكر، وفتحها الباقون. والاثنتا عشرةَ الباقيةُ : فَتَحها الأخوان وابن عامرٍ وحفص، وكسرها الباقون، كما تقدَّم تحريرُ ذلك كلِّه. والاثنتا عشرةَ هي قولُه :﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾، ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ﴾ [الجن: ٤] ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ﴾ [الجن: ٥] ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ﴾ [الجن: ٦] ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ﴾ [الجن: ٧] ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا﴾ [الجن: ٨] ﴿وَأَنَّا كُنَّا﴾ [الجن: ٩] ﴿وَأَنَّا لاَ نَدْرِي﴾ [الجن: ١٠] ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ﴾ [الجن: ١١] ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ﴾ [الجن: ١٢]
﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا﴾ [الجن: ١٣] ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ﴾ [الجن: ١٤]. وإذا عَرَفْتَ ضَبْطَها من حيث القراءاتُ فالتفِتْ إلى توجيهِ ذلك.
وقد اختلف الناسُ/ في ذلك فقال أبو حاتم في الفتح :" هو معطوفٌ على مرفوعِ " أُوْحِيَ " فتكونُ كلُّها في موضعِ رفعٍ لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه ". وهذا الذي قاله قد رَدَّه الناسُ عليه : مِنْ حيث إنَّ أَكثرَها لا يَصِحُّ دخولُه تحت معمولِ " أُوْحِي " ألا ترى أنه لو قيل : أوُحي إليِّ أنَّا لَمَسْنا السماءَ، وأنَّا كُنَّا، وأنَّا لا نَدْري، وأنَّا منَّا الصالحون، وأنَّا لمَّا سَمِعْنا، وأنَّا مِنَّا المسلمون لم يَسْتَقِمْ معناه. وقال مكي :" وعَطْفُ " أنَّ " على ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ [الجن: ٢] أتَمُّ في المعنى مِنْ العطفِ على " أنَّه استمعَ " لأنك لو عَطَفْتَ ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ﴾ [الجن: ٥] ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا﴾ [الجن: ١٣]
﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ﴾ [الجن: ٦] ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا﴾ [الجن: ٨]، وشِبْهَ ذلك على ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ [الجن: ١] لم يَجُزْ ؛ لأنه ليس مِمَّا أُوْحِي، إليه، إنما هو أمرٌ أو خبر، وأنه عن أنفسهم، والكسرُ في هذا أَبْينُ، وعليه جماعة مِنْ القُراءِ.
الثاني : أنَّ الفتحَ في ذلك عَطْفٌ على مَحَلِّ " به " مِنْ " آمَنَّا به ". قال الزمخشري :" كأنه قال : صَدَّقْناه وصَدَّقْناه أنه تعالى جَدُّ رَبَّنا، وأنَّه كان يقولُ سفيهُنا، وكذلك البواقي "، إلاَّ أنَّ مكيَّاً ضَعَّفَ هذا الوجهَ فقال : والفتحُ في ذلك على الحَمْلِ على معنى " آمَنَّا به " وفيه بُعْدٌ في المعنى ؛ لأنهم لم يُخْبِروا أنهم آمنوا بأنَّهم لَمَّا سَمِعوا الهدى آمنوا به، ولم يُخْبِروا أنهم آمنوا أنه كان رجالٌ، إنما حكى اللَّهُ عنهم أنهم قالوا ذلك مُخْبِرين به عن أنفسِهم لأصحابِهم، فالكسرُ أَوْلى بذلك " وهذا الذي قاله غيرُ لازمٍ ؛ فإنَّ المعنى على ذلك صحيحٌ.
وقد سَبَق الزمخشريَّ إلى هذا التخريجِ الفَرَّاءُ والزجَّاجُ. إلاَّ أنَّ الفَرَّاء استشعر إشكالاً وانفصل عنه، فإنه قال :" فُتِحَتْ " أنَّ " لوقوع الإِيمانِ عليها، وأنت تجدُ الإِيمانَ يَحْسُنُ في بعضِ ما فُتحَ دونَ بعضٍ، فلا يُمْنَعُ من إمضائِهنَّ على الفتح، فإنه يَحْسُنُ فيه ما يُوْجِبُ فَتْحَ " أنَّ " نحو : صَدَقْنا وشَهِدْنا، كما قالت العربُ :
فنصَبَ " العيونَ " لإِتباعِها الحواجبَ، وهي لا تُزَجَّجُ. إنما تُكَحَّلُ، فأضمر لها الكُحْلَ " انتهى. فأشار إلى شيءٍ مِمَّا ذكرَه مكيٌّ وأجاب عنه. وقال الزجَّاج :" لكنَّ وجهَه أَنْ يكونَ محمولاً على معنى " آمنَّا به " ؛ لأنَّ معنى " آمَنَّا به " صَدَّقْناه وعَلِمْناه، فيكون المعنى : صَدَّقْنا أنه تعالى جَدُّ ربِّنا ".
الثالث : أنه معطوفٌ على الهاء به " به "، أي : آمنَّا به وبأنه تعالى جَدُّ ربِّنا، وبأنه كان يقولُ، إلى آخره، وهو مذهب الكوفيين. وهو وإن كان قوياً من حيث المعنى إلاَّ أنَّه ممنوعٌ مِنْ حيث الصناعةُ، لِما عَرَفْتَ مِنْ أنَّه لا يُعْطَفُ على الضميرِ المجرورِ إلاَّ بإعادةِ الجارِّ. وقد تقدَّم تحقيقُ هذَيْن القولَيْن مستوفىً في سورةِ البقرة عند قولِه :
﴿وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧] على أنَّ مكِّيَّاً قد قَوَّى هذا لمَدْرَكٍ آخرَ وهو حَسَنٌ جداً، قال رحمه الله :" وهو ـ يعني العطفَ على الضميرِ المجرورِ دونَ إعادةِ الجارِّ ـ في " أنَّ " أجوَدُ منه في غيرها، لكثرةِ حَذْفِ حرفِ الجرِّ مع " أنَّ ".
ووجهُ الكسرِ العطفُ على قوله :﴿إِنَّا سَمِعْنَا﴾ [الجن: ١] فيكون الجميعُ معمولاً للقولِ، أي : فقالوا : إنَّا سَمِعْنا، وقالوا : إنَّه تعالى جَدُّ ربِّنا إلى آخرِه. وقال بعضُهم : الجملتان مِنْ قولِه تعالى :﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ﴾ [الجن: ٦]
﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ﴾ [الجن: ٧] معترضتان بين قولِ الجنِّ، وهما مِنْ كلامِ الباري تعالى، والظاهرُ أنَّهما مِنْ كلامِهم، قاله بعضُهم لبعضٍ. ووجهُ الكسرِ والفتحِ في قولِه :﴿وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ [الجن: ١٩] ما تقدَّم. ووَجْهُ إجماعِهم على فتح ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ﴾ [الجن: ١٨] وجهان، أحدُهما : أنَّه معطوفٌ على ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ [الجن: ١] فيكونُ مُوْحى أيضاً. والثاني : أنه على حَذْفِ حرفِ الجرِّ، وذلك الحرفُ متعلِّقٌ بفعل النهي، أي : فلا تَدْعوا مع اللَّهِ أحداً ؛ لأنَّ المساجدَ للَّهِ، ذكرهما أبو البقاء.
قال الزمخشري :" أنه استمع " بالفتح ؛ لأنَّه فاعلُ " أُوْحي " و ﴿إِنَّا سَمِعْنَا﴾ [الجن: ١] بالكسرِ ؛ لأنَّه مبتدأٌ مَحْكِيٌّ بعد القولِ، ثم تحملُ عليهما البواقي، فما كان مِنَ الوحي فُتِحَ، وما كان مِنْ قَوْل الجِنِّ كُسِرَ، وكلُّهُنَّ مِنْ قولِهم إلاَّ/ الثِّنْتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ وهما :﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ﴾ [الجن: ١٨] ﴿وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ [الجن: ١٩]. ومَنْ فتح كلَّهن فعَطْفاً على مَحَلِّ الجارِّ والمجرور في ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ [الجن: ٢]، أي : صَدَّقْناه، وصَدَّقْنا أنه ".
قوله :﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ : فيه وجهان، أحدُهما : أنَّ " دونَ " بمعنى " غير "، أي : ومِنَّا غيرُ الصالحين، وهو مبتدأٌ، وإنما فُتِحَ لإِضافتِه إلى غيرِ متمكِّنٍِ، كقوله :﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] فيمَنْ نَصَبَ على أحدِ الأقوالِ، وإلى هذا نحا الأخفشُ. والثاني : أنَّ " دونَ " على بابِها من الظرفية، وأنها صفةٌ لمحذوفٍ تقديرُه : ومنا فريقٌ أو فوجٌ دونَ ذلك وحَذْفُ الموصوفِ مع " مِنْ " التبعيضيَّةِ يَكْثرُ كقولِهم : منا ظَعَنَ ومنَّا أقام، أي : مِنَّا فريقٌ. والمعنى : ومِنَّا صالحون دونَ أولئك في الصَّلاح.
قوله :﴿كُنَّا طَرَآئِقَ﴾ فيه أوجهٌ، أحدُها : أنَّ التقديرَ : كنَّا ذوي طرائقَ، أي : ذوي مذاهبَ مختلفةٍ. الثاني : أنَّ التقدير : كُنَّا في اختلاف أحوالِنا مثلَ الطرائقِ المختلفةِ. الثالث : أنَّ التقدير : كُنَّا في طرائقَ مختلفةٍ كقولِه :
٤٣٥٣. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** كما عَسَل الطريقَ الثَّعْلَبُ
الرابع : أنَّ التقديرَ : كانَتْ طرائقُنا قِدَداً، على حَذْفِ المضاف الذي هو الطرائقُ، وإقامةِ الضميرِ المضافِ إليه مُقامَه، قاله الزمخشري، فقد جَعَلَ في ثلاثة أوجهٍ مضافاً محذوفاً ؛ لأنَّه قَدَّرَ في الأول : ذوي، وفي الثاني : مِثْلَ، وفي الثالث : طرائقنا. ورَدَّ عليه الشيخ قولَه : كُنَّا في طرائق كقولِه :. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** كما عَسَلَ الطريقَ الثعلبُ
بأنَّ هذا لا يجوزُ إلاَّ في ضرورةٍ أو نُدورٍ، فلا يُخْرَّج القرآن عليه، يعني تَعَدِّيَ الفعلِ بنفسِه إلى ظرفِ المكانِ المختصِّ.
والقِدَدُ : جمعُ قِدَّة، والمرادُ بها الطريقة، وأصلُها السيرةُ يقال : قِدَّةُ فلانٍ حسنةٌ أي : سِيرتُه وهو مِنْ قَدَّ السَّيْرَ أي : قَطَعَه على استواءٍ/ فاسْتُعير للسِّيرةِ المعتدلةِ قال :
وقال آخر :
قوله :﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ : قرأ الأخَوان وابن عامر وحفص بفتح " أنَّ " وما عُطِف عليها بالواو في اثنتي عشرة كلمةً، والباقون بالكسرة. وقرأ ابنُ عامر وأبو بكرٍ " وإنه لَمَّا قام " بالكسرة، والباقون بالفتح، واتفقوا على الفتحِ في قوله :﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ وتلخيص هذا : أن " أنَّ " المشددةَ في هذه السورةِ على ثلاثةِ أقسامٍ : قسمٍ ليس معه واوُ العطفِ، فهذا لا خلاف بين القُرَّاءِ في فتحِه أو كسرِه. على حسبِ ما جاءَتْ به التلاوةُ واقْتَضَتْه العربيةُ، كقولِه :﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ لا خلافَ في فتحِه لوقوعِه موقعَ المصدرِ وكقوله :﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً﴾
[الجن: ١] لا خلافَ في كسرِه لأنه محكيٌّ بالقول.
القسم الثاني أَن يقترنَ بالواوِ، وهو أربعَ عشرةَ كلمةً، إحداها : لا خلاف في فتحِها وهي : قولُه تعالى :﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: ١٨] ـ وهذا هو القسم الثالث ـ والثانية :﴿وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ﴾ [الجن: ١٩] كَسَرَها ابنُ عامرٍ وأبو بكر، وفتحها الباقون. والاثنتا عشرةَ الباقيةُ : فَتَحها الأخوان وابن عامرٍ وحفص، وكسرها الباقون، كما تقدَّم تحريرُ ذلك كلِّه. والاثنتا عشرةَ هي قولُه :﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾، ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ﴾ [الجن: ٤] ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ﴾ [الجن: ٥] ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ﴾ [الجن: ٦] ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ﴾ [الجن: ٧] ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا﴾ [الجن: ٨] ﴿وَأَنَّا كُنَّا﴾ [الجن: ٩] ﴿وَأَنَّا لاَ نَدْرِي﴾ [الجن: ١٠] ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ﴾ [الجن: ١١] ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ﴾ [الجن: ١٢]
﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا﴾ [الجن: ١٣] ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ﴾ [الجن: ١٤]. وإذا عَرَفْتَ ضَبْطَها من حيث القراءاتُ فالتفِتْ إلى توجيهِ ذلك.
وقد اختلف الناسُ/ في ذلك فقال أبو حاتم في الفتح :" هو معطوفٌ على مرفوعِ " أُوْحِيَ " فتكونُ كلُّها في موضعِ رفعٍ لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه ". وهذا الذي قاله قد رَدَّه الناسُ عليه : مِنْ حيث إنَّ أَكثرَها لا يَصِحُّ دخولُه تحت معمولِ " أُوْحِي " ألا ترى أنه لو قيل : أوُحي إليِّ أنَّا لَمَسْنا السماءَ، وأنَّا كُنَّا، وأنَّا لا نَدْري، وأنَّا منَّا الصالحون، وأنَّا لمَّا سَمِعْنا، وأنَّا مِنَّا المسلمون لم يَسْتَقِمْ معناه. وقال مكي :" وعَطْفُ " أنَّ " على ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ [الجن: ٢] أتَمُّ في المعنى مِنْ العطفِ على " أنَّه استمعَ " لأنك لو عَطَفْتَ ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ﴾ [الجن: ٥] ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا﴾ [الجن: ١٣]
﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ﴾ [الجن: ٦] ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا﴾ [الجن: ٨]، وشِبْهَ ذلك على ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ [الجن: ١] لم يَجُزْ ؛ لأنه ليس مِمَّا أُوْحِي، إليه، إنما هو أمرٌ أو خبر، وأنه عن أنفسهم، والكسرُ في هذا أَبْينُ، وعليه جماعة مِنْ القُراءِ.
الثاني : أنَّ الفتحَ في ذلك عَطْفٌ على مَحَلِّ " به " مِنْ " آمَنَّا به ". قال الزمخشري :" كأنه قال : صَدَّقْناه وصَدَّقْناه أنه تعالى جَدُّ رَبَّنا، وأنَّه كان يقولُ سفيهُنا، وكذلك البواقي "، إلاَّ أنَّ مكيَّاً ضَعَّفَ هذا الوجهَ فقال : والفتحُ في ذلك على الحَمْلِ على معنى " آمَنَّا به " وفيه بُعْدٌ في المعنى ؛ لأنهم لم يُخْبِروا أنهم آمنوا بأنَّهم لَمَّا سَمِعوا الهدى آمنوا به، ولم يُخْبِروا أنهم آمنوا أنه كان رجالٌ، إنما حكى اللَّهُ عنهم أنهم قالوا ذلك مُخْبِرين به عن أنفسِهم لأصحابِهم، فالكسرُ أَوْلى بذلك " وهذا الذي قاله غيرُ لازمٍ ؛ فإنَّ المعنى على ذلك صحيحٌ.
وقد سَبَق الزمخشريَّ إلى هذا التخريجِ الفَرَّاءُ والزجَّاجُ. إلاَّ أنَّ الفَرَّاء استشعر إشكالاً وانفصل عنه، فإنه قال :" فُتِحَتْ " أنَّ " لوقوع الإِيمانِ عليها، وأنت تجدُ الإِيمانَ يَحْسُنُ في بعضِ ما فُتحَ دونَ بعضٍ، فلا يُمْنَعُ من إمضائِهنَّ على الفتح، فإنه يَحْسُنُ فيه ما يُوْجِبُ فَتْحَ " أنَّ " نحو : صَدَقْنا وشَهِدْنا، كما قالت العربُ :
| ٤٣٤٧ـ....................... | وزَجَّجْنَ الحواجبَ والعُيونا |
الثالث : أنه معطوفٌ على الهاء به " به "، أي : آمنَّا به وبأنه تعالى جَدُّ ربِّنا، وبأنه كان يقولُ، إلى آخره، وهو مذهب الكوفيين. وهو وإن كان قوياً من حيث المعنى إلاَّ أنَّه ممنوعٌ مِنْ حيث الصناعةُ، لِما عَرَفْتَ مِنْ أنَّه لا يُعْطَفُ على الضميرِ المجرورِ إلاَّ بإعادةِ الجارِّ. وقد تقدَّم تحقيقُ هذَيْن القولَيْن مستوفىً في سورةِ البقرة عند قولِه :
﴿وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧] على أنَّ مكِّيَّاً قد قَوَّى هذا لمَدْرَكٍ آخرَ وهو حَسَنٌ جداً، قال رحمه الله :" وهو ـ يعني العطفَ على الضميرِ المجرورِ دونَ إعادةِ الجارِّ ـ في " أنَّ " أجوَدُ منه في غيرها، لكثرةِ حَذْفِ حرفِ الجرِّ مع " أنَّ ".
ووجهُ الكسرِ العطفُ على قوله :﴿إِنَّا سَمِعْنَا﴾ [الجن: ١] فيكون الجميعُ معمولاً للقولِ، أي : فقالوا : إنَّا سَمِعْنا، وقالوا : إنَّه تعالى جَدُّ ربِّنا إلى آخرِه. وقال بعضُهم : الجملتان مِنْ قولِه تعالى :﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ﴾ [الجن: ٦]
﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ﴾ [الجن: ٧] معترضتان بين قولِ الجنِّ، وهما مِنْ كلامِ الباري تعالى، والظاهرُ أنَّهما مِنْ كلامِهم، قاله بعضُهم لبعضٍ. ووجهُ الكسرِ والفتحِ في قولِه :﴿وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ [الجن: ١٩] ما تقدَّم. ووَجْهُ إجماعِهم على فتح ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ﴾ [الجن: ١٨] وجهان، أحدُهما : أنَّه معطوفٌ على ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ [الجن: ١] فيكونُ مُوْحى أيضاً. والثاني : أنه على حَذْفِ حرفِ الجرِّ، وذلك الحرفُ متعلِّقٌ بفعل النهي، أي : فلا تَدْعوا مع اللَّهِ أحداً ؛ لأنَّ المساجدَ للَّهِ، ذكرهما أبو البقاء.
قال الزمخشري :" أنه استمع " بالفتح ؛ لأنَّه فاعلُ " أُوْحي " و ﴿إِنَّا سَمِعْنَا﴾ [الجن: ١] بالكسرِ ؛ لأنَّه مبتدأٌ مَحْكِيٌّ بعد القولِ، ثم تحملُ عليهما البواقي، فما كان مِنَ الوحي فُتِحَ، وما كان مِنْ قَوْل الجِنِّ كُسِرَ، وكلُّهُنَّ مِنْ قولِهم إلاَّ/ الثِّنْتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ وهما :﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ﴾ [الجن: ١٨] ﴿وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ [الجن: ١٩]. ومَنْ فتح كلَّهن فعَطْفاً على مَحَلِّ الجارِّ والمجرور في ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ [الجن: ٢]، أي : صَدَّقْناه، وصَدَّقْنا أنه ".
قوله :﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ : فيه وجهان، أحدُهما : أنَّ " دونَ " بمعنى " غير "، أي : ومِنَّا غيرُ الصالحين، وهو مبتدأٌ، وإنما فُتِحَ لإِضافتِه إلى غيرِ متمكِّنٍِ، كقوله :﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] فيمَنْ نَصَبَ على أحدِ الأقوالِ، وإلى هذا نحا الأخفشُ. والثاني : أنَّ " دونَ " على بابِها من الظرفية، وأنها صفةٌ لمحذوفٍ تقديرُه : ومنا فريقٌ أو فوجٌ دونَ ذلك وحَذْفُ الموصوفِ مع " مِنْ " التبعيضيَّةِ يَكْثرُ كقولِهم : منا ظَعَنَ ومنَّا أقام، أي : مِنَّا فريقٌ. والمعنى : ومِنَّا صالحون دونَ أولئك في الصَّلاح.
قوله :﴿كُنَّا طَرَآئِقَ﴾ فيه أوجهٌ، أحدُها : أنَّ التقديرَ : كنَّا ذوي طرائقَ، أي : ذوي مذاهبَ مختلفةٍ. الثاني : أنَّ التقدير : كُنَّا في اختلاف أحوالِنا مثلَ الطرائقِ المختلفةِ. الثالث : أنَّ التقدير : كُنَّا في طرائقَ مختلفةٍ كقولِه :
٤٣٥٣. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** كما عَسَل الطريقَ الثَّعْلَبُ
الرابع : أنَّ التقديرَ : كانَتْ طرائقُنا قِدَداً، على حَذْفِ المضاف الذي هو الطرائقُ، وإقامةِ الضميرِ المضافِ إليه مُقامَه، قاله الزمخشري، فقد جَعَلَ في ثلاثة أوجهٍ مضافاً محذوفاً ؛ لأنَّه قَدَّرَ في الأول : ذوي، وفي الثاني : مِثْلَ، وفي الثالث : طرائقنا. ورَدَّ عليه الشيخ قولَه : كُنَّا في طرائق كقولِه :. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** كما عَسَلَ الطريقَ الثعلبُ
بأنَّ هذا لا يجوزُ إلاَّ في ضرورةٍ أو نُدورٍ، فلا يُخْرَّج القرآن عليه، يعني تَعَدِّيَ الفعلِ بنفسِه إلى ظرفِ المكانِ المختصِّ.
والقِدَدُ : جمعُ قِدَّة، والمرادُ بها الطريقة، وأصلُها السيرةُ يقال : قِدَّةُ فلانٍ حسنةٌ أي : سِيرتُه وهو مِنْ قَدَّ السَّيْرَ أي : قَطَعَه على استواءٍ/ فاسْتُعير للسِّيرةِ المعتدلةِ قال :
| القابِضُ الباسِطُ الهادِيْ بطاعتِه | في فِتْنة الناسِ إذا أهواؤُهم قِدَدُ |
| جَمَعْتَ بالرأيِ مِنهم كلَّ رافضةٍ | إذ هم طرائقُ في أهوائِهم قِدَدُ |