البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿حتى إذا رأوا﴾ : حتى هنا حرف ابتداء، أي يصلح أن يجيء بعدها جملة الابتداء والخبر، ومع ذلك فيها معنى الغاية.
قال الزمخشري : فإن قلت : بم تعلق حتى وجعل ما بعده غاية له ؟ قلت : بقوله ﴿يكونون عليه لبداً﴾، على أنهم يتظاهرون عليه بالعداوة ويستضعفون أنصاره ويستقلون عددهم ﴿حتى إذا رأوا ما يوعدون﴾ من يوم بدر، وإظهار الله له عليهم، أو من يوم القيامة، ﴿فسيعلمون﴾ حينئذ أنهم ﴿أضعف ناصراً وأقل عدداً﴾.
ويجوز أن يتعلق بمحذوف دلت عليه الحال من استضعاف الكفار له واستقلالهم لعدده، كأنه لا يزالون على ما هم عليه ﴿حتى إذا رأوا ما يوعدون﴾.
قال المشركون : متى يكون هذا الموعد إنكاراً له ؟ فقيل : قل إنه كائن لا ريب فيه فلا تنكروه، فإن الله قد وعد ذلك، وهو لا يخلف الميعاد.
وأما وقته فلا أدري متى يكون، لأن الله لم يبينه لما رأى في إخفاء وقته من المصلحة. انتهى.
وقوله : بم تعلق إن ؟ عنى تعلق حرف الجر، فليس بصحيح لأنها حرف ابتداء، فما بعدها ليس في موضع جر خلافاً للزجاج وابن درستوية، فإنهما زعما أنها إذا كانت حرف ابتداء، فالجملة الابتدائية بعدها في موضع جر ؛ وإن عنى بالتعلق اتصال ما بعدها بما قبلها، وكون ما بعدها غاية لما قبلها، فهو صحيح.
وأما تقديره أنها تتعلق بقوله :﴿يكونون عليه لبداً﴾، فهو بعيد جداً لطول الفصل بينهما بالجمل الكثيرة.
وقال التبريزي : حتى جاز أن تكون غاية لمحذوف، ولم يبين ما المحذوف.
وقيل : المعنى دعهم حتى إذا رأوا ما يوعدون من الساعة، ﴿فسيعلمون من أضعف ناصراً وأقل عدداً﴾، أهم أم أهل الكتاب ؟ والذي يظهر لي أنها غاية لما تضمنته الجملة التي قبلها من الحكم بكينونة النار لهم، كأنه قيل : إن العاصي يحكم له بكينونة النار لهم، والحكم بذلك هو وعيد حتى إذا رأوا ما حكم بكينونته لهم فسيعلمون.
فقوله :﴿فأن له نار جهنم﴾ هو وعيد لهم بالنار، ومن أضعف مبتدأ وخبر في موضع نصب لما قبله، وهو معلق عنه لأن من استفهام.
ويجوز أن تكون من موصولة في موضع نصب بسيعلمون، وأضعف خبر مبتدأ محذوف.
والجملة صلة لمن، وتقديره : هو أضعف، وحسن حذفه طول الصلة بالمعمول وهو ناصراً.
قال مكحول : لم ينزل هذا إلا في الجن، أسلم منهم من وفق وكفر من خذل كالإنس، قال : وبلغ من تابع النبي ﷺ ليلة الجن سبعين ألفاً، وفزعوا عند انشقاق الفجر.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى