تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية٧ : وقوله تعالى :﴿وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا﴾ فجائز أن يكونوا نفوا القدرة عن الله تعالى[ على البعث ](١) لما لم يشاهدوا البعث، ورأوه أمرا خارجا عن طوقهم وقواهم، فظنوا أن القدرة لا تنتهي إلى هذا، لا أن يكونوا نفوا خروج البعث عن حد الحكمة لأنهم لو أرادوا به نفي البعث لكانوا يقتصرون على قولهم :﴿لن يبعث الله﴾ تعالى، فلما وصلوا به الكلام الذي يتكلم به للتأكيد، وهو قوله :﴿أحدا﴾ دل أنهم نفوا القدرة.
وجائز أن يكونوا ظنوا﴿أن لن يبعث الله أحدا﴾ لأنه أمر خارج عن الحكمة ؛ إذ ليس من الحكمة أن يهلك، ثم يعاد، بل إن أريد الإبقاء فلن يفنى حتى لا يحاج(٢) إلى الإعادة.
ثم هذا الكلام ليس بحكاية عن الجن، بل الله تعالى[ قال ](٣) : إن الجن ظنت أن لا بعث كما ظننتم أنتم. وقوله تعالى :﴿ظننتم﴾ في الظاهر إشارة إلى الإنس جملة مسلمهم وكافرهم. ومعلوم بأن المسلمين لم يكونوا يظنون ذلك بل قد أيقنوا بالبعث، ولكن معناه أن الكفرة من الجن ظنت أن لا بعث كما ظنت الكفرة منكم أيها الإنس في هذه الآية إبانة أنهم كانوا يقولون : لا بعث بالظن، ليس بالعلم.
والذي حملهم على الظن إعراضهم عن السبب الذي يوجب القول بالبعث، وكل يأنف بالطبع أن يلزم الظنون، ففيه دعاء وترغيب في النظر إلى حجج البعث وترك الاعتماد على الظنون.
ثم ذكر النحويون أن كان ابتداؤه بالكسر في هذه السورة أعني حرف﴿أن﴾ فهو حكاية عن الجن نحو قوله :﴿فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا﴾ وما كان فيه من الحكاية لا عن الجن، فحقه أن يقرأ بالنصب، فاختاروا النصب في قوله عز وجل :﴿وأنهم ظنوا كما ظننتم﴾ لما ليس هو بحكاية عن قول الجن، والله أعلم.
١ في الأصل و م: بالبعث..
٢ في الأصل و م: يحوج..
٣ ساقطة من الأصل و م..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى