البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿مقاعد﴾ جمع مقعد، وقد فسر رسول الله ﷺ صورة قعود الجن أنهم كانوا واحداً فوق واحد، فمتى أحرق الأعلى طلع الذي تحته مكانه، فكانوا يسترقون الكلمة فيلقونها إلى الكهان ويزيدون معها، ثم يزيد الكهان الكلمة مائة كذبة.
﴿فمن يستمع الأن﴾، الآن ظرف زمان للحال، ويستمع مستقبل، فاتسع في الظرف واستعمل للاستقبال، كما قال :
سأسعى الآن إذ بلغت اناها. . .
فالمعنى : فمن يقع منه استماع في الزمان الآتي، ﴿يجد له شهاباً رصداً﴾ : أي يرصده فيحرقه، هذا لمن استمع.
وأما السمع فقد انقطع، كما قال تعالى :﴿إنهم عن السمع لمعزولون﴾ والرجم كان في الجاهلية، وذلك مذكور في أشعارهم، ويدل عليه الحديث " حين رأى عليه الصلاة والسلام نجماً قد رمي به، قال :«ما كنتم تقولون في مثل هذا في الجاهلية » ؟ قالوا : كنا نقول : يموت عظيم أو يولد عظيم "
قال أوس بن حجر :
وانقض كالدري يتبعهنقع يثور بحالة طنبا
وقال عوف بن الجزع :
فرد علينا العير من دون إلفهأو الثور كالدري يتبعه الدم
وقال بشر بن أبي حازم :
والعير يرهقها الغبار وجحشهاينقض خلفهما انقضاض الكوكب
قال التبريزي : وهؤلاء الشعراء كلهم جاهليون ليس فيهم محضرم، وقال معمر : قلت للزهري : أكان يرمي بالنجوم في الجاهلي ؟ قال : نعم، قلت : أرأيت قوله :﴿وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع﴾ ؟ فقال : غلظت وشدد أمرها حين بعث رسول الله ﷺ.
وقال الجاحظ : القول بالرمي أصح لقوله :﴿فوجدناها ملئت﴾، وهذا إخبار عن الجن أنه زيد في حرس السماء حتى امتلأت، ولما روى ابن عباس وذكر الحديث السابق.
وقال الزمخشري : تابعاً للجاحظ، وفي قوله دليل على أن الحرس هو الملء والكثرة، فلذلك ﴿نقعد منها مقاعد﴾ : أي كنا نجد فيها بعض المقاعد خالية من الحرس والشهب، والآن ملئت المقاعد كلها. انتهى.
وهذا كله يبطل قول من قال : إن الرجم حدث بعد مبعث رسول الله ﷺ، وهو إحدى آياته.
والظاهر أن رصداً على معنى : ذوي شهاب راصدين بالرجم، وهم الملائكة الذين يرجمونهم بالشهب ويمنعونهم من الاستماع.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى