تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
يعاتب تبارك وتعالى على ما كان وقع من الانصراف عن الخطبة يوم الجمعة إلى التجارة التي قدمت المدينة يومئذ، فقال تعالى :﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ أي : على المنبر تخطب. هكذا ذكره غير واحد من التابعين، منهم : أبو العالية، والحسن، وزيد بن أسلم، وقتادة.
وزعم مقاتل بن حيان : أن التجارة كانت لدحية بن خليفة قبل أن يسلم، وكان معها طبل، فانصرفوا إليها وتركوا رسول الله ﷺ قائمًا على المنبر إلا القليل منهم. وقد صَحّ بذلك الخبر، فقال الإمام أحمد :
حدثنا ابن إدريس، عن حُصَين، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر قال : قَدمَت عيرٌ المدينة، ورسول الله ﷺ يخطب، فخرج الناس وبقي اثنا عشر رجلا فنزلت :﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾
أخرجاه في الصحيحين، من حديث سالم، به(١)
وقال الحافظ أبو يعلى : حدثنا زكريا بن يحيى، حدثنا هُشَيم، عن حُصَين، عن سالم بن أبي الجعد وأبي سفيان، عن جابر بن عبد الله قال : بينما النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة، فقدمت عيرٌ إلى المدينة، فابتدرها أصحابُ رسول الله ﷺ، حتى لم يبق مع رسول الله ﷺ إلا اثنا عشر رجلا فقال رسول الله ﷺ :" والذي نفسي بيده، لو تتابعتم حتى لم يبق منكم أحد، لسال بكم الوادي نارًا " ونزلت هذه الآية :﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ وقال : كان في الاثني عشر الذين ثَبَتُوا مع رسول الله ﷺ : أبو بكر، وعمر، رضي الله عنهما(٢).
وفي قوله :﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ دليل على أن الإمام يخطب يوم الجمعة قائما. وقد رَوَى مسلم في صحيحه عن جابر بن سَمُرَة قال : كانت للنبي ﷺ خطبتان يجلس بينهما، يقرأ القرآن ويذكر الناس.
ولكن هاهنا شيء ينبغي أن يُعلَم وهو : أن هذه القصة قد قيل : إنها كانت لما كان رسول الله ﷺ يقدّم الصلاة يوم الجمعة على الخطبة، كما رواه أبو داود في كتاب المراسيل : حدثنا محمود بن خالد، عن الوليد، أخبرني أبو معاذ بُكَير بن مَعروف، أنه سمع مُقَاتل بن حَيَّان يقول :" كان رسول الله ﷺ يصلي يوم الجمعة قبل الخطبة مثل العيدين، حتى إذا كان يوم والنبي ﷺ يخطب، وقد صلى الجمعة، فدخل رجل فقال : إن دحيةَ بن خليفة قد قدمَ بتجارة (٣) يعني : فانفضوا، ولم يبق معه إلا نفر يسير.
وقوله :﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي : الذي عند الله من الثواب في الدار الآخرة ﴿خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ أي : لمن توكل عليه، وطلب الرزق في وقته.
١ - (٤) المسند (٣/٣١٣) وصحيح البخاري برقم (٤٨٩٩) وصحيح مسلم برقم (٨٦٣)..
٢ - (١) مسند أبي يعلى (٣/٤٦٨)..
٣ - (٢) المراسيل برقم (٦٢)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى