جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضّوَاْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً قُلْ مَا عِندَ اللّهِ خَيْرٌ مّنَ اللّهْوِ وَمِنَ التّجَارَةِ وَاللّهُ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾.
يقول تعالى ذكره : وإذا رأى المؤمنون عير تجارة أو لهوا انْفَضّوا إلَيْها يعني أسرعوا إلى التجارة وَتَركُوكَ قائما يقول للنبيّ ﷺ : وتركوك يا محمد قائما على المنبر وذلك أن التجارة التي رأوها فانفضّ القوم إليها، وتركوا النبيّ ﷺ قائما كانت زيتا قدم به دحية بن خليفة من الشام. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حُمَيد، قال : حدثنا مهران، عن سفيان، عن إسماعيل السديّ، عن أبي مالك، قال : قدم دحية بن خليفة بتجارة زيت من الشام، والنبيّ ﷺ يخطب يوم الجمعة، فلما رأوه قاموا إليه بالبقيع خشوا أن يسبقوا إليه، قال : فنزلت وَإذَا رَأَوْا تِجارَةً أوْ لَهْوا انْفَضّوا إلَيْها وَتَرَكُوكَ قائما.
حدثنا أبو كُرَيب، قال : حدثنا ابن يمان، قال : حدثنا سفيان، عن السديّ، عن قرة إذَا نُودِيَ للصّلاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ قال : جاء دحية الكلبي بتجارة والنبيّ ﷺ قائم في الصلاة يوم الجمعة، فتركوا النبيّ ﷺ وخرجوا إليه، فنزلت وَإذَا رَأَوْا تِجارَةً أوْ لَهْوا انْفَضّوا إلَيْها وَتَرَكُوكَ قائما حتى ختم السورة.
حدثني أبو حصين عبد الله بن أحمد بن يونس، قال : حدثنا عبثر، قال : حدثنا حصين، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر بن عبد الله، قال : كنا مع رسول الله ﷺ في الجمعة، فمرّت عير تحمل الطعام، قال : فخرج الناس إلا اثني عشر رجلاً، فنزلت آية الجمعة.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، قال : قال الحسن : إن أهل المدينة أصابهم جوع وغلاء سعر، فقدمت عير والنبيّ ﷺ يخطب يوم الجمعة، فسمعوا بها، فخرجوا والنبيّ ﷺ قائم، كما قال الله عزّ وجلّ.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله وَإذَا رَأَوْا تِجارَةً أوْ لَهْوا انْفَضّوا إلَيْها وَتَرَكُوكَ قائما قال : جاءت تجارة فانصرفوا إليها، وتركوا النبيّ ﷺ قائما وإذا رأوا لهوا ولعبا قُلْ ما عِنْدَ اللّهِ خَيْرٌ مِنَ اللّهْوِ وَمِنَ التّجارَةِ وَاللّهُ خَيْرُ الرازِقينَ.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله : وإذَا رَأَوْا تجارَةً أوْ لَهْوا انْفَضّوا إلَيْها قال : رجال كانوا يقومون إلى نواضحهم وإلى السفر يبتغون التجارة.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : بينما رسول الله ﷺ يخطب الناس يوم الجمعة، فجعلوا يتسللون ويقومون حتى بقيت منهم عصابة، فقال : كم أنتم ؟ فعدّوا أنفسهم فإذا اثنا عشر رجلاً وامرأة ثم قام في الجمعة الثانية فجعل يخطبهم قال سفيان : ولا أعلم إلا أن في حديثه ويعظهم ويذكرهم، فجعلوا يتسللون ويقومون حتى بقيت عصابة، فقال : كم أنتم، فعدّوا أنفسهم، فإذا اثنا عشر رجلاً وامرأة ثم قام في الجمعة الثالثة فجعلوا يتسللون ويقومون حتى بقيت منهم عصابة، فقال كم أنتم ؟ فعدّوا أنفسهم، فإذا اثنا عشر رجلاً وامرأة، فقال :«وَالّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوِ اتّبَعَ آخِرُكمْ أوّلكمْ لالْتَهَبَ عَلَيْكُمُ الوَادي نارا » وأنزل الله عزّ وجلّ : وَإذَا رَأَوْا تِجارَةً أوْ لَهْوا انْفَضّوا إلَيْها وَتَركُوكَ قائما ».
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله انْفَضوا إلَيْها وَتَركُوكَ قَائما قال : لو اتبع آخرهم أوّلهم لالتهب عليهم الوادي نارا.
قال : ثنا ابن ثور، قال معمر، قال قتادة : لم يبق مع النبيّ ﷺ يومئذ إلا اثنا عشر رجلاً وامرأة معهم.
حدثنا محمد بن عمارة الرازي، قال : حدثنا محمد بن الصباح، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا حصين، عن سالم وأبي سفيان، عن جابر، في قوله وَتَرَكُوكَ قائما قال : قدمت عير فانفضّوا إليها، ولم يبق مع النبيّ ﷺ إلا اثنا عشر رجلا.
حدثنا عمرو بن عبد الحميد الآملي، قال : حدثنا جرير، عن حصين، عن سالم، عن جابر أن النبيّ ﷺ كان يخطب قائما يوم الجمعة، فجاءت عير من الشام، فانفتل الناس إليها حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلاً، قال : فنزلت هذه الآية في الجمعة وَإذَا رَأَوْا تِجارَةَ أوْ لَهْوا انْفَضّوا إلَيْها وَتَركُوكَ قائما.
وأما اللهو، فإنه اختُلف من أيّ أجناس اللهو كان، فقال بعضهم : كان كَبَرا ومزامير. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن سهل بن عسكر، قال : حدثنا يحيى بن صالح، قال : حدثنا سليمان بن بلال، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، قال : كان الجواري إذا نكحوا كانوا يمرّون بالكبر والمزامير ويتركون النبيّ ﷺ قائما على المنبر، وينفضون إليها، فأنزل الله وَإذَا رَأَوْا تِجارَةَ أوْ لَهْوا انْفَضّوا إلَيْها.
وقال آخرون : كان طبلاً. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال : اللهو : الطبل.
حدثني الحارث، قال : حدثنا الأشيب، قال : حدثنا ورقاء، قال : ذكر عبد الله بن أبي نجيح، عن إبراهيم بن أبي بكير، عن مجاهد أن اللهو : هو الطبل.
والذي هو أولى بالصواب في ذلك الخبر الذي رويناه عن جابر، لأنه قد أدرك أمر القوم ومشاهدهم.
وقوله : قُلْ ما عِنْدَ اللّهِ خَيْرٌ مِنَ اللّهْوِ وَمِنَ التّجارَةِ يقول جلّ ثناؤه لنبيه محمد ﷺ : قل لهم يا محمد الذي عند الله من الثواب، لمن جلس مستمعا خطبة رسول الله ﷺ وموعظته يوم الجمعة إلى أن يفرغ رسول الله ﷺ منها، خير له من اللهو ومن التجارة التي ينفضون إليها وَاللّهُ خَيْرُ الرازِقِينَ يقول : والله خير رازق، فإليه فارغبوا في طلب أرزاقكم، وإياه فأسألوا أن يوسع عليكم من فضله دون غيره.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى