البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
السفر : الكتاب المجتمع الأوراق منضدة.
﴿مثل الذين حملوا التوراة﴾ : هم اليهود المعاصرون للرسول ﷺ، كلفوا القيام بأوامرها ونواهيها، ولم يطيقوا القيام بها حين كذّبوا الرسول ﷺ، وهي ناطقة بنبوته.
وقرأ الجمهور : حملوا مشدداً مبنياً للمفعول ؛ ويحيى بن يعمر وزيد بن عليّ : مخففاً مبنياً للفاعل.
شبه صفتهم بصفة الحمار الذي يحمل كتباً، فهو لا يدري ما عليه، أكتب هي أم صخر وغير ذلك ؟ وإنما يدرك من ذلك ما يلحقه من التعب بحملها.
وقال الشاعر في نحو ذلك :
زوامل للأشعار لا علم عندهمبجيدها إلا كعلم الأباعر
لعمرك ما يدري البعير إذا غدىبأوساقه أو راح ما في الغرائر
وقرأ عبد الله : حمار منكراً ؛ والمأمون بن هارون : يحمل بشد الميم مبنياً للمفعول.
والجمهور : الحمار معرفاً، ويحمل مخففاً مبنياً للفاعل، ويحمل في موضع نصب على الحال.
قال الزمخشري : أو الجر على الوصف، لأن الحمار كاللئيم في قوله :
ولقد أمر على اللئيم يسبني. . .
انتهى.
وهذا الذي قاله قد ذهب إليه بعض النحويين، وهو أن مثل هذا من المعارف يوصف بالجمل، وحملوا عليه
﴿وآية لهم الليل نسلخ منه النهار﴾ وهذا وأمثاله عند المحققين في موضع الحال، لا في موضع الصفة.
ووصفه بالمعرفة ذي اللام دليل على تعريفه مع ما في ذلك المذهب من هدم ما ذكره المتقدمون من أن المعرفة لا تنعت إلا بالمعرفة، والجمل نكرات.
﴿بئس مثل القوم﴾.
قال الزمخشري : بئس مثلاً مثل القوم. انتهى.
فخرجه على أن يكون التمييز محذوفاً، وفي بئس ضمير يفسره مثلاً الذي ادعى حذفه.
وقد نص سيبويه على أن التمييز الذي يفسره الضمير المستكن في نعم وبئس وما أجري مجراهما لا يجوز حذفه.
وقال ابن عطية : والتقدير بئس المثل مثل القوم. انتهى.
وهذا ليس بشيء، لأن فيه حذف الفاعل، وهو لا يجوز.
والظاهر أن ﴿مثل القوم﴾ فاعل ﴿بئس﴾، والذين كفروا هو المخصوص بالذم على حذف مضاف، أي مثل الذين كذبوا بآيات الله، وهم اليهود، أو يكون ﴿الذين كذبوا﴾ صفة للقوم، والمخصوص بالدم محذوف، التقدير : بئس مثل القوم المكذبين مثلهم، أي مثل هؤلاء الذين حملوا التوراة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى