تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ) أي : لصلاة الجمعة من يوم الجمعة، وسمي اليوم جمعة ؛ لأنه جمع في هذا اليوم خلق آدم. وقد روى بعضهم هذا مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه و سلم(١).
وقوله تعالى :( فاسعوا إلى ذكر الله ) قرأ عمر وابن مسعود وابن الزبير :" فامضوا إلى ذكر الله ". قال ابن مسعود : لو قرأت :" فاسعوا إلى ذكر الله " لسعيت حتى يسقط ردائي. والمعروف :" فاسعوا " وقد روي عن بعض التابعين أنهم كانوا يعدون. قال ثابت البناني : كنت عند أنس بن مالك : فنودي لصلاة الجمعة فقال : قم نسع. والصحيح أن السعي هاهنا بمعنى العمل والفعل، قاله مجاهد وغيره، وحكي ذلك عن الشافعي، واستشهد بقوله تعالى :( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ) أي : إلا ما عمل، وكذلك قوله تعالى :( إن سعيكم لشتى )(٢) وأمثال هذا. وقد قال الشاعر :
أسعى على جل بني مالككل امرئ في شأنه ساعي
فالسعي هاهنا بمعنى العمل والتصرف. وعن الحسن وقتادة : أن المراد من قوله :( فاسعوا ) هو النية بالقلب والإرادة لها. وقال عبد الله بن الصامت : كنت أمشي مع أبي ذر إلى الجمعة فسمعنا النداء للصلاة، فرفعت في مشي، فجذبني جذبة، وقال : ألسنا نسعى. وقوله :( إلى ذكر الله ) فيه قولان : أحدهما : أنه الخطبة، والآخر : أنه الصلاة. وهو الأصح.
وقوله تعالى :( وذروا البيع ) أي : واتركوا البيع. ويقال المراد منه : إذا دخل وقت الصلاة وإن لم يؤذن لها بعد، ويقال : إنه بعد سماع النداء. والأول أحسن. ومن قال بالثاني، قال : النداء هو الآذان إذا جلس الإمام على المنبر وهو الذي كان في زمان رسول الله صلى الله عليه و سلم وأما الآذن الأول أحدثه عثمان رضي الله عنه حين كثر الناس. والمراد من قوله :( وذروا البيع ) أي : البيع والشراء وكل ما يشغل عن الجمعة. واختلف العلماء أنه لو باع هل يجوز ذلك البيع ؟ فذهب أكثرهم إلى أن البيع جائز، والنهي عنه كراهة. وذهب مالك وأحمد إلى أن البيع لا يجوز أصلا. وحكى بعضهم عن مالك أنه رجع من التحريم إلى الكراهة، والقول الأول أولى ؛ لأن الله تعالى قال :( ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ) جعل ترك البيع خيرا، وهذا يشير إلى الكراهة في الفعل دون التحريم، ولأن النهي عن العقد للاشتغال عن الجمعة لا لعين العقد.
١ - رواه أحمد (٥/ ٤٣٩)، و الطبراني في الكبير (٦/ ٢٣٧ رقم ٦٠٨٩ )، و الحاكم ( ١/ ٢٧٧ )، صححه، كلهم من حدبث سليمان مرفوعا به. وزاد السبوطي في الدر( ٦/٢٣٩ ) نسبته لسعيد بن منصور و النسائي، و ابن أبي حاتم، و ابن مرودية..
٢ - النجم : ٣٩.
.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى