روح المعاني — الألوسي
عن الكتاب
﴿يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ إِذَا نُودِيَ للصلاة﴾ أي فعل النداء لها أي الأذان، والمراد به على ما حكاه في الكشاف الأذان عند قعود الإمام على المنبر. وقد كان لرسول الله ﷺ مؤذن واحد فكان إذا جلس على المنبر أذن على باب المسجد فإذا نزل عليه الصلاة والسلام أقام الصلاة، ثم كان أبو بكر. وعمر على ذلك حتى إذا كان عثمان وكثر الناس وتباعدت المنازل زاد مؤذناً آخر فأمر بالتأذين الأول على داره التي تسمى زوراء فإذا جلس على المنبر أذن المؤذن الثاني فإذا نزل أقام الصلاة فلم يعب ذلك عليه.
وفي حديث الجماعة إلا مسلماً فلما كان عثمان وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء، وفي رواية للبخاري. ومسلم زاد النداء الثاني، والكل بمعنى، وتسمية ما يفعل من الأذان أولاً ثانياً باعتبار أنه لم يكن على عهد رسول الله ﷺ وإنما كان بعد، وتسميته ثالثاً لأن الإقامة تسمى أذاناً كما في الحديث " بين كل أذانين صلاة " وقال مفتي الحنفية في دار السلطنة السنية الفاضل سعد الله جلبي : المعتبر في تعلق الأمر يعني قوله تعالى الآتي :﴿فاسعوا﴾ هو الأذان الأول في الأصح عندنا لأن حصول الإعلام به لا الأذان بين يدي المنبر، ورد بأن الأول لم يكن على عهد النبي ﷺ كما سمعت فكيف يقال : المراد الأول في الأصح، وأما كون الثاني لا إعلام فيه فلا يضر لأن وقته معلوم تخميناً ولو أريد ما ذكر وجب بالأول السعي وحرم البيع وليس كذلك.
وفي كتاب الأحكام روي عن ابن عمر. والحسن في قوله تعالى :﴿إِذَا نُودِيَ﴾ الخ قال : إذا خرج الإمام وأذن المؤذن فقد نودي للصلاة انتهى، وهو التفسير المأثور فلا عبرة بغيره كذا قال الخفاجي.
وفي كتب الحنفية خلافه ففي الكنز وشرحه : ويجب السعي وترك البيع بالأذان الأول لقوله تعالى :﴿يا أيها الذين ءامَنُواْ إِذَا نُودِي للصلاة﴾ الآية وإنما اعتبر لحصول الإعلام به، وهذا القول هو الصحيح في المذهب، وقيل : العبرة للأذان الثاني الذي يكون بين يدي المنبر لأنه لم يكن في زمنه إلا هو وهو ضعيف لأنه لو اعتبر في وجوب السعي لم يتمكن من السنة القبلية ومن الاستماع بل ربما يخشى عليه فوات الجمعة انتهى، ونحوه كثير لكن الاعتراض عليه قوي فتدبر ﴿مِن يَوْمِ الجمعة﴾ أي فيه كما في قوله تعالى :﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الأرض﴾ [فاطر: ٤٠] أي فيها، وجوز أبو البقاء أيضاً كون ﴿مِنْ﴾ للتبعيض، وفي «الكشاف » هي بيان لإذا وتفسير له، والظاهر أنه أراد البيان المشهور فأورد عليه أن شرط ﴿مِنْ﴾ البيانية أن يصح حمل ما بعدها على المبين قبلها وهو منتف هنا لأن الكل لا يحمل على الجزء واليوم لا يصح أن يراد به هنا مطلق الوقت لأن يوم الجمعة علم لليوم المعروف لا يطلق على غيره في العرف ولا قرينة عليه هنا ؛ وقيل : أراد البيان اللغوي أي لبيان أن ذلك الوقت في أي يوم من الأيام إذ فيه إبهام فيجامع كونها بمعنى في، وكونها للتبعيض وهو كما ترى.
والجمعة بضم الميم وهو الأفصح، والأكثر الشائع، وبه قرأ الجمهور. وقرأ ابن الزبير. وأبو حيوة. وابن أبي عبلة. وزيد بن علي. والأعمش بسكونها، وروي عن أبي عمرو وهو لغة تميم وجاء فتحها ولم يقرأ به، ونقل بعضهم الكسر أيضاً، وذكروا أن الجمعة بالضم مثل الجمعة بالإسكان. ومعناه المجموع أي يوم الفوج المجموع كقولهم : ضحكة للضحوك منه، وأما الجمعة : بالفتح فمعناه الجامع أي يوم الوقت الجامع كقولهم : ضحكة لكثير الضحك، وقال أبو البقاء : الجمعة بضمتين وبإسكان الميم مصدر بمعنى الاجتماع.
وقيل : في المسكن هو بمعنى المجتمع فيه كرجل ضحكة أي كثير الضحك منه انتهى، وقد صار يوم الجمعة علماً على اليوم المعروف من أيام الأسبوع، وظاهر عبارة أكثر اللغويين أن الجمعة وحدها من غير يوم صارت علماً له ولا مانع منه، وإضافة العام المطلق إلى الخاص جائزة مستحسنة فيما إذا خفي الثاني كما هنا لأن التسمية حادثة كما ستعلمه إن شاء الله تعالى فليست قبيحة كالإضافة في إنسان زيد، وكانت العرب على ما قال غير واحد تسمى يوم الجمعة عروبة، قيل : وهو علم جنس يستعمل بأن وبدونها ؛ وقيل : أل لازمة، قال الخفاجي : والأول أصح.
وفي النهاية لابن الأثير عروبة اسم قديم للجمعة، وكأنه ليس بعربي يقال : يوم عروبة. ويوم العروبة، والأفصح أن لا يدخلها الألف واللام انتهى، وما ظنه من أنه ليس بعربي جزم به مختصر كتاب التذييل والتكميل مما استعمل من اللفظ الدخيل لجمال الدين عبد الله بن أحمد الشهير بالشيشي فقال : عروبة منكراً ومعرفاً هو يوم الجمعة اسم سرياني معرب، ثم قال : قال السهيلي : ومعنى العروبة الرحمة فيما بلغنا عن بعض أهل العلم انتهى وهو غريب فليحفظ.
وأول من سماه جمعة قيل : كعب بن لؤي، وأخرج عبد الرزاق. وعبد بن حميد. وابن المنذر عن ابن سيرين قال : جمع أهل المدينة قبل أن يقدم النبي ﷺ وقبل أن تنزل الجمعة قالت الأنصار : لليهود يوم يجتمعون فيه بكل سبعة أيام. وللنصارى مثل ذلك فهلم فلنجعل لنا يوماً نجتمع فيه فنذكر الله تعالى ونشكره، فقالوا : يوم السبت لليهود. ويوم الأحد للنصارى فاجعلوه يوم العروبة، وكانوا يسمون يوم الجمعة بذلك فاجتمعوا إلى أسعد بن زرارة فصلى بهم يومئذٍ ركعتين وذكرهم فسموه الجمعة حين اجتمعوا إليه فذبح لهم شاة فتغذوا وتعشوا منها وذلك لعامتهم ؛ فأنزل الله تعالى في ذلك بعد ﴿تَعْمَلُونَ يا أيها الذين ءامَنُواْ إِذَا نُودِيَ للصلاة﴾ الآية، وكون أسعد هذا أول من جمع مروى عن غير ابن سيرين أيضاً، أخرج أبو داود.
وابن ماجه. وابن حبان. والبيهقي عن عبد الرحمن بن كعب أن أباه كان إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحم على أسعد بن زرارة فقلت : يا أبتاه أرأيت استغفارك لأسعد بن زرارة كلما سمعت الأذان للجمعة ما هو ؟ قال : لأنه أول من جمع بنا في نقيع الخضمات من حرة بني بياضة قلت : كم كنتم يومئذٍ ؟ قال : أربعون رجلاً، وظاهر قول ابن سيرين : فأنزل الله تعالى في ذلك بعد ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الذين كَفَرُواْ﴾ الخ أن أسعد أقام الجمعة قبل أن تفرض، وكذا قوله : جمع أهل المدينة قبل أن يقدم النبي ﷺ وقبل أن تنزل الجمعة، وفي «فتح القدير » التصريح بذلك، وقال العلامة ابن حجر في «تحفة المحتاج » : فرضت يعني صلاة الجمعة بمكة ولم نقم بها لفقد العدد، أو لأن شعارها الإظهار، وكان ﷺ بها مستخفياً، وأول من أقامها بالمدينة قبل الهجرة أسعد بن زرارة بقرية على ميل من المدينة انتهى، فلعلها فرضت ثم نزلت الآية كالوضوء للصلاة فإنه فرض أولاً بمكة مع الصلاة ثم نزلت آيته لكن يعكر على هذا ما أخرجه ابن ماجه عن جابر أن رسول الله ﷺ خطب فقال :" إن الله افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا في يومي هذا في شهري هذا في عامي هذا إلى يوم القيامة فمن تركها استخفافاً بها أو جحوداً بها فلا جمع الله شمله ولا بارك له في أمره ألا ولا صلاة له ولا زكاة له ولا حج له ولا صوم له ولا بر له حتى يتوب فمن تاب تاب الله عليه " فإن الظاهر أن هذه الخطبة كانت في المدينة بل ظاهر الخبر أنها بعد الهجرة بكثير إذ ظاهر قوله عليه الصلاة والسلام فيه :" لا حج له " أن الحج كان مفروضاً إذا ذاك، وهو وإن اختلف في وقت فرضه فقيل : فرض قبل الهجرة، وقيل : أول سنيها، وقيل : ثانيها، وهكذا إلى العاشرة لكن قالوا : إن الأصح أنه فرض في السنة السادسة فإما أن يقدح في صحة الحديث، وإما أن يقال : مفاده افتراض الجمعة إلى يوم القيامة أي بهذا القيد، ويقال : إن الحاصل قبل افتراضها غير مقيد بهذا القيد ثم ما تقدم من كون أسعد أول من جمع بالمدينة يخالفه ما أخرج الطبراني عن أبي مسعود الأنصاري قال : أول من قدم من المهاجرين المدينة مصعب ابن عمير، وهو أول من جمع بها يوم الجمعة جمع بهم قبل أن يقدم رسول الله ﷺ وهم اثنا عشر رجلاً.
وأخرج البخاري على ما نقله السيوطي نحوه وكان ذلك بأمره عليه الصلاة والسلام، فقد أخرج الدارقطني عن ابن عباس قال : أذن النبي عليه الصلاة والسلام بالجمعة قبل أن يهاجر ولم يستطع أن يجمع بمكة فكتب إلى مصعب بن عمير : أما بعد فانظر اليوم الذي تجهر فيه اليهود بالزبور فأجمعوا نساءكم وأبناءكم فإذا مال النهار عن شطره عند الزوال من يوم الجمعة فتقربوا إلى الله تعالى بركعتين قال : فهو أول من جمع حتى قدم النبي ﷺ المدينة فجمع عند الزوال من الظهر وأظهر ذلك فلعل ما يدل على كون أسعد أول من جمع أثبت من هذه الأخبار أو يجمع بأن أسعد أول من أقامها بغير أمر منه ﷺ كما يدل عليه خبر ابن سيرين، وصرح به ابن الهمام. ومصعباً أول من أقامها بأمره عليه الصلاة والسلام، أو بأن مصعباً أول من أقامها في المدينة نفسها وأسعد أول من أقامها في قرية قرب المدينة، وقولهم : في المدينة تسامح، وقال الحافظ ابن حجر : يجمع بين الحديثين بأن أسعد كان أميراً، ومصعباً كان إماماً وهو كما ترى، ولم يصرح في شيء من الأخبار التي وقفت عليها فيمن أقامها قبل الهجرة بالمدينة بالخطبة التي هي أحد شروطها، وكأن في خبر ابن سيرين رمزاً إليها بقوله : وذكرهم، وقد يقال : إن صلاة الجمعة حقيقة شرعية في الصلاة المستوفية للشروط، فمتى قيل : إن فلاناً أول من صلى الجمعة كان متضمناً لتحقق الشروط لكن يبعد كل البعد كون ما وقع من أسعد رضي الله تعالى عنه إن كان قبل فرضيتها مستوفياً لما هو معروف اليوم من الشروط، ثم إني لا أدري هل صلى أسعد الظهر ذلك اليوم أم اكتفي بالركعتين اللتين صلاهما عنها ؟ وعلى تقدير الاكتفاء كيف ساغ له ذلك بدون أمره عليه الصلاة والسلام ؟ا وقصارى ما يظن أن الأنصار علموا فرضية الجمعة بمكة وعلموا شروطها وإغناءها عن صلاة الظهر فأرادوا أن يفعلوها قبل أن يؤمروا بخصوصهم فرغب خواصهم عوامهم على أحسن وجه وجاءوا إلى أسعد فصلى بهم وهو خلاف الظاهر جداً فتدبر والله تعالى الموفق.
وأما ما كان من صلاته عليه الصلاة والسلام إياها فقد روي أنه عليه الصلاة والسلام لما قدم المدينة مهاجراً نزل قباً على بني عمرو بن عوف وأقام بها يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وأسس مسجدهم ثم خرج يوم الجمعة إلى المدينة فأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن واد لهم فخطب وصلى الجمعة وهو أول جمعة صلاها عليه الصلاة والسلام، وقال بعضهم : إنما سمي هذا اليوم يوم الجمعة لأن آدم عليه السلام اجتمع فيه مع حواء في الأرض، وقيل : لأن خلق آدم عليه السلام جمع فيه وهو نحو ما أخرجه سعيد بن منصور.
وابن مردويه عن أبي هريرة قال : قلت :«يا نبي الله لأي شيء سمي يوم الجمعة ؟ فقال : لأن فيها جمعت طينة أبيكم آدم عليه السلام » الخبر، ويشعر ذلك بأن التسمية كانت قبل كعب بن لؤي ويسميه الملائكة يوم القيامة يوم المزيد لما أن الله تعالى يتجلى فيه لأهل الجنة فيعطيهم ما لم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر كما في حديث رواه ابن أبي شيبة عن أنس مرفوعاً وهو من أفضل الأيام، وفي خبر رواه كثيرون منهم الإمام أحمد. وابن ماجه عن أبي لبابة بن عبد المنذر مرفوعا
وفي حديث الجماعة إلا مسلماً فلما كان عثمان وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء، وفي رواية للبخاري. ومسلم زاد النداء الثاني، والكل بمعنى، وتسمية ما يفعل من الأذان أولاً ثانياً باعتبار أنه لم يكن على عهد رسول الله ﷺ وإنما كان بعد، وتسميته ثالثاً لأن الإقامة تسمى أذاناً كما في الحديث " بين كل أذانين صلاة " وقال مفتي الحنفية في دار السلطنة السنية الفاضل سعد الله جلبي : المعتبر في تعلق الأمر يعني قوله تعالى الآتي :﴿فاسعوا﴾ هو الأذان الأول في الأصح عندنا لأن حصول الإعلام به لا الأذان بين يدي المنبر، ورد بأن الأول لم يكن على عهد النبي ﷺ كما سمعت فكيف يقال : المراد الأول في الأصح، وأما كون الثاني لا إعلام فيه فلا يضر لأن وقته معلوم تخميناً ولو أريد ما ذكر وجب بالأول السعي وحرم البيع وليس كذلك.
وفي كتاب الأحكام روي عن ابن عمر. والحسن في قوله تعالى :﴿إِذَا نُودِيَ﴾ الخ قال : إذا خرج الإمام وأذن المؤذن فقد نودي للصلاة انتهى، وهو التفسير المأثور فلا عبرة بغيره كذا قال الخفاجي.
وفي كتب الحنفية خلافه ففي الكنز وشرحه : ويجب السعي وترك البيع بالأذان الأول لقوله تعالى :﴿يا أيها الذين ءامَنُواْ إِذَا نُودِي للصلاة﴾ الآية وإنما اعتبر لحصول الإعلام به، وهذا القول هو الصحيح في المذهب، وقيل : العبرة للأذان الثاني الذي يكون بين يدي المنبر لأنه لم يكن في زمنه إلا هو وهو ضعيف لأنه لو اعتبر في وجوب السعي لم يتمكن من السنة القبلية ومن الاستماع بل ربما يخشى عليه فوات الجمعة انتهى، ونحوه كثير لكن الاعتراض عليه قوي فتدبر ﴿مِن يَوْمِ الجمعة﴾ أي فيه كما في قوله تعالى :﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الأرض﴾ [فاطر: ٤٠] أي فيها، وجوز أبو البقاء أيضاً كون ﴿مِنْ﴾ للتبعيض، وفي «الكشاف » هي بيان لإذا وتفسير له، والظاهر أنه أراد البيان المشهور فأورد عليه أن شرط ﴿مِنْ﴾ البيانية أن يصح حمل ما بعدها على المبين قبلها وهو منتف هنا لأن الكل لا يحمل على الجزء واليوم لا يصح أن يراد به هنا مطلق الوقت لأن يوم الجمعة علم لليوم المعروف لا يطلق على غيره في العرف ولا قرينة عليه هنا ؛ وقيل : أراد البيان اللغوي أي لبيان أن ذلك الوقت في أي يوم من الأيام إذ فيه إبهام فيجامع كونها بمعنى في، وكونها للتبعيض وهو كما ترى.
والجمعة بضم الميم وهو الأفصح، والأكثر الشائع، وبه قرأ الجمهور. وقرأ ابن الزبير. وأبو حيوة. وابن أبي عبلة. وزيد بن علي. والأعمش بسكونها، وروي عن أبي عمرو وهو لغة تميم وجاء فتحها ولم يقرأ به، ونقل بعضهم الكسر أيضاً، وذكروا أن الجمعة بالضم مثل الجمعة بالإسكان. ومعناه المجموع أي يوم الفوج المجموع كقولهم : ضحكة للضحوك منه، وأما الجمعة : بالفتح فمعناه الجامع أي يوم الوقت الجامع كقولهم : ضحكة لكثير الضحك، وقال أبو البقاء : الجمعة بضمتين وبإسكان الميم مصدر بمعنى الاجتماع.
وقيل : في المسكن هو بمعنى المجتمع فيه كرجل ضحكة أي كثير الضحك منه انتهى، وقد صار يوم الجمعة علماً على اليوم المعروف من أيام الأسبوع، وظاهر عبارة أكثر اللغويين أن الجمعة وحدها من غير يوم صارت علماً له ولا مانع منه، وإضافة العام المطلق إلى الخاص جائزة مستحسنة فيما إذا خفي الثاني كما هنا لأن التسمية حادثة كما ستعلمه إن شاء الله تعالى فليست قبيحة كالإضافة في إنسان زيد، وكانت العرب على ما قال غير واحد تسمى يوم الجمعة عروبة، قيل : وهو علم جنس يستعمل بأن وبدونها ؛ وقيل : أل لازمة، قال الخفاجي : والأول أصح.
وفي النهاية لابن الأثير عروبة اسم قديم للجمعة، وكأنه ليس بعربي يقال : يوم عروبة. ويوم العروبة، والأفصح أن لا يدخلها الألف واللام انتهى، وما ظنه من أنه ليس بعربي جزم به مختصر كتاب التذييل والتكميل مما استعمل من اللفظ الدخيل لجمال الدين عبد الله بن أحمد الشهير بالشيشي فقال : عروبة منكراً ومعرفاً هو يوم الجمعة اسم سرياني معرب، ثم قال : قال السهيلي : ومعنى العروبة الرحمة فيما بلغنا عن بعض أهل العلم انتهى وهو غريب فليحفظ.
وأول من سماه جمعة قيل : كعب بن لؤي، وأخرج عبد الرزاق. وعبد بن حميد. وابن المنذر عن ابن سيرين قال : جمع أهل المدينة قبل أن يقدم النبي ﷺ وقبل أن تنزل الجمعة قالت الأنصار : لليهود يوم يجتمعون فيه بكل سبعة أيام. وللنصارى مثل ذلك فهلم فلنجعل لنا يوماً نجتمع فيه فنذكر الله تعالى ونشكره، فقالوا : يوم السبت لليهود. ويوم الأحد للنصارى فاجعلوه يوم العروبة، وكانوا يسمون يوم الجمعة بذلك فاجتمعوا إلى أسعد بن زرارة فصلى بهم يومئذٍ ركعتين وذكرهم فسموه الجمعة حين اجتمعوا إليه فذبح لهم شاة فتغذوا وتعشوا منها وذلك لعامتهم ؛ فأنزل الله تعالى في ذلك بعد ﴿تَعْمَلُونَ يا أيها الذين ءامَنُواْ إِذَا نُودِيَ للصلاة﴾ الآية، وكون أسعد هذا أول من جمع مروى عن غير ابن سيرين أيضاً، أخرج أبو داود.
وابن ماجه. وابن حبان. والبيهقي عن عبد الرحمن بن كعب أن أباه كان إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحم على أسعد بن زرارة فقلت : يا أبتاه أرأيت استغفارك لأسعد بن زرارة كلما سمعت الأذان للجمعة ما هو ؟ قال : لأنه أول من جمع بنا في نقيع الخضمات من حرة بني بياضة قلت : كم كنتم يومئذٍ ؟ قال : أربعون رجلاً، وظاهر قول ابن سيرين : فأنزل الله تعالى في ذلك بعد ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الذين كَفَرُواْ﴾ الخ أن أسعد أقام الجمعة قبل أن تفرض، وكذا قوله : جمع أهل المدينة قبل أن يقدم النبي ﷺ وقبل أن تنزل الجمعة، وفي «فتح القدير » التصريح بذلك، وقال العلامة ابن حجر في «تحفة المحتاج » : فرضت يعني صلاة الجمعة بمكة ولم نقم بها لفقد العدد، أو لأن شعارها الإظهار، وكان ﷺ بها مستخفياً، وأول من أقامها بالمدينة قبل الهجرة أسعد بن زرارة بقرية على ميل من المدينة انتهى، فلعلها فرضت ثم نزلت الآية كالوضوء للصلاة فإنه فرض أولاً بمكة مع الصلاة ثم نزلت آيته لكن يعكر على هذا ما أخرجه ابن ماجه عن جابر أن رسول الله ﷺ خطب فقال :" إن الله افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا في يومي هذا في شهري هذا في عامي هذا إلى يوم القيامة فمن تركها استخفافاً بها أو جحوداً بها فلا جمع الله شمله ولا بارك له في أمره ألا ولا صلاة له ولا زكاة له ولا حج له ولا صوم له ولا بر له حتى يتوب فمن تاب تاب الله عليه " فإن الظاهر أن هذه الخطبة كانت في المدينة بل ظاهر الخبر أنها بعد الهجرة بكثير إذ ظاهر قوله عليه الصلاة والسلام فيه :" لا حج له " أن الحج كان مفروضاً إذا ذاك، وهو وإن اختلف في وقت فرضه فقيل : فرض قبل الهجرة، وقيل : أول سنيها، وقيل : ثانيها، وهكذا إلى العاشرة لكن قالوا : إن الأصح أنه فرض في السنة السادسة فإما أن يقدح في صحة الحديث، وإما أن يقال : مفاده افتراض الجمعة إلى يوم القيامة أي بهذا القيد، ويقال : إن الحاصل قبل افتراضها غير مقيد بهذا القيد ثم ما تقدم من كون أسعد أول من جمع بالمدينة يخالفه ما أخرج الطبراني عن أبي مسعود الأنصاري قال : أول من قدم من المهاجرين المدينة مصعب ابن عمير، وهو أول من جمع بها يوم الجمعة جمع بهم قبل أن يقدم رسول الله ﷺ وهم اثنا عشر رجلاً.
وأخرج البخاري على ما نقله السيوطي نحوه وكان ذلك بأمره عليه الصلاة والسلام، فقد أخرج الدارقطني عن ابن عباس قال : أذن النبي عليه الصلاة والسلام بالجمعة قبل أن يهاجر ولم يستطع أن يجمع بمكة فكتب إلى مصعب بن عمير : أما بعد فانظر اليوم الذي تجهر فيه اليهود بالزبور فأجمعوا نساءكم وأبناءكم فإذا مال النهار عن شطره عند الزوال من يوم الجمعة فتقربوا إلى الله تعالى بركعتين قال : فهو أول من جمع حتى قدم النبي ﷺ المدينة فجمع عند الزوال من الظهر وأظهر ذلك فلعل ما يدل على كون أسعد أول من جمع أثبت من هذه الأخبار أو يجمع بأن أسعد أول من أقامها بغير أمر منه ﷺ كما يدل عليه خبر ابن سيرين، وصرح به ابن الهمام. ومصعباً أول من أقامها بأمره عليه الصلاة والسلام، أو بأن مصعباً أول من أقامها في المدينة نفسها وأسعد أول من أقامها في قرية قرب المدينة، وقولهم : في المدينة تسامح، وقال الحافظ ابن حجر : يجمع بين الحديثين بأن أسعد كان أميراً، ومصعباً كان إماماً وهو كما ترى، ولم يصرح في شيء من الأخبار التي وقفت عليها فيمن أقامها قبل الهجرة بالمدينة بالخطبة التي هي أحد شروطها، وكأن في خبر ابن سيرين رمزاً إليها بقوله : وذكرهم، وقد يقال : إن صلاة الجمعة حقيقة شرعية في الصلاة المستوفية للشروط، فمتى قيل : إن فلاناً أول من صلى الجمعة كان متضمناً لتحقق الشروط لكن يبعد كل البعد كون ما وقع من أسعد رضي الله تعالى عنه إن كان قبل فرضيتها مستوفياً لما هو معروف اليوم من الشروط، ثم إني لا أدري هل صلى أسعد الظهر ذلك اليوم أم اكتفي بالركعتين اللتين صلاهما عنها ؟ وعلى تقدير الاكتفاء كيف ساغ له ذلك بدون أمره عليه الصلاة والسلام ؟ا وقصارى ما يظن أن الأنصار علموا فرضية الجمعة بمكة وعلموا شروطها وإغناءها عن صلاة الظهر فأرادوا أن يفعلوها قبل أن يؤمروا بخصوصهم فرغب خواصهم عوامهم على أحسن وجه وجاءوا إلى أسعد فصلى بهم وهو خلاف الظاهر جداً فتدبر والله تعالى الموفق.
وأما ما كان من صلاته عليه الصلاة والسلام إياها فقد روي أنه عليه الصلاة والسلام لما قدم المدينة مهاجراً نزل قباً على بني عمرو بن عوف وأقام بها يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وأسس مسجدهم ثم خرج يوم الجمعة إلى المدينة فأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن واد لهم فخطب وصلى الجمعة وهو أول جمعة صلاها عليه الصلاة والسلام، وقال بعضهم : إنما سمي هذا اليوم يوم الجمعة لأن آدم عليه السلام اجتمع فيه مع حواء في الأرض، وقيل : لأن خلق آدم عليه السلام جمع فيه وهو نحو ما أخرجه سعيد بن منصور.
وابن مردويه عن أبي هريرة قال : قلت :«يا نبي الله لأي شيء سمي يوم الجمعة ؟ فقال : لأن فيها جمعت طينة أبيكم آدم عليه السلام » الخبر، ويشعر ذلك بأن التسمية كانت قبل كعب بن لؤي ويسميه الملائكة يوم القيامة يوم المزيد لما أن الله تعالى يتجلى فيه لأهل الجنة فيعطيهم ما لم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر كما في حديث رواه ابن أبي شيبة عن أنس مرفوعاً وهو من أفضل الأيام، وفي خبر رواه كثيرون منهم الإمام أحمد. وابن ماجه عن أبي لبابة بن عبد المنذر مرفوعا