الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي
عن الكتاب
﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ أي في يوم الجمعة كقوله سبحانه
﴿مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الأَرْضِ﴾ [فاطر: ٤٠] أي في الأرض وأراد بهذا النداء الآذان عند قعود الإمام على المنبر للخطبة، يدل عليه ما أخبرنا محمد بن عبد الله بن حمدون قال : أخبرنا أحمد بن الحسن قال : حدّثنا محمد بن يحيى قال : حدّثنا أحمد بن خالد الوهبي قال : حدّثنا محمد بن إسحاق عن الزهري عن السائب بن يزيد قال : كان لرسول الله ﷺ مؤذن واحد بلال لم يكن له مؤذن آخر غيره، فكان إذا جلس رسول الله ﷺ على المنبر أذّن على باب المسجد فإذا نزل أقام الصلاة، ثم كان أبو بكر كذلك وعمر كذلك حتى إذا كان عثمان فكثر الناس وتباعدت المنازل زاد أذاناً فأمر بالتأذين الأوّل على دار له بالسوق يقال لها الزوراء، فكان يؤذن له عليها، فأذا جلس عثمان على المنبر أذن مؤذنه الأوّل، فإذا نزل أقام للصلاة فلم يُعب ذلك عليه.
وقراءة العامة ( الْجُمُعَةِ ) بالضم الميم، وقرأ الأعمش مخففة بجزم الميم وهما لغتان وجمعها : جُمع وجمعات.
أخبرنا محمد بن نعيم قال : أخبرنا أبا الحسن بن أيوب قال : أخبرنا علي بن عبد العزيز قال : أخبرنا القاسم بن سلام قال : سمعت الكسائي يخبر عن سليمان عن الزهري قال : قال ابن عباس : نزل القرآن بالتثقيل والتفخيم قال الفرّاء وأبو عبيد : التخفيف حسن وهو [. . . . . . . . ] في مذهب العربية مثل غرفة وغرف وطرفة وطرف وحجرة وحجر. وقال الفراء : وفيها لغة أخرى ثالثة : جمعة بالفتح كقولك رجل ضحكة وهمزة ولمزة وهي لغة بني عقيل، وقيل : هي لغة النبي ﷺ وإنما سمي هذا اليوم جمعة لما أخبرنا الحسن قال : حدّثنا الكندي قال : حدّثنا محمد بن مخلد العطّار قال : حدّثنا محمد بن عيسى بن أبي موسى قال : حدّثنا عبد الله بن عمرو بن أبي أُمية قال : حدّثنا قيس الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن قرثع الضبي عن سليمان قال : قال رسول الله ﷺ " إنَّما سميت الجمعة لأن آدم جمع فيها خلقه " وقيل : لأنّ الله سبحانه فرغ فيه من خلق الأشياء فأجتمعت فيه المخلوقات.
وقيل : يجمع الجماعات فيها، وقيل : لاجتماع الناس فيه للصلاة، وقيل : أوّل من سماها جمعة كعب بن لؤي.
أخبرنا ابن فنجويه قال : حدّثنا ابن حفصويه قال : حدّثنا الحسن بن أحمد بن حفص الحلواني قال : حدّثنا إبراهيم بن إسحاق قال : حدّثنا إبراهيم بن المنذر قال : حدّثنا عبد العزيز عن محمد بن عبد العزيز عن أبيه عن أبي سلمة قال : أول من قال : أما بعد كعب بن لؤي، وكان أول من سمى الجمعة الجمعة وكان يقال للجمعة : العروبة، وقيل : أوّل من سماها جمعة الأنصار.
أخبرني الحسين قال : حدّثنا ابن حمدان قال : حدّثنا إبراهيم بن سهلويه قال : حدّثنا سلمة ابن شيب قال : حدّثنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال : جمع أهل المدينة قبل أن يقدم النبي ﷺ المدينة وقبل أن ينزل الجمعة وهم الذين سمّوها الجمعة، قالت الأنصار : لليهود يوم يجمعون فيه كل سبعة أيام وللنصارى يوم أيضاً مثل ذلك، فهلموا فلنجعل يوماً يجمع فيه فيذكر الله عزّ وجلّ ونصلّي ونشكره أو كما قالوا.
فقالوا : يوم السبت لليهود ويوم الأحد للنصارى فاجعلوه يوم العروبة، وكانوا يسمّون يوم الجمعة يوم العروبة واجتمعوا الى أسعد بن زرارة فصلّى بهم يومئذ ركعتين وذكرهم فسمّوه يوم الجمعة حين أجتمعوا إليه فذبح لهم أسعد بن زرارة شاة فتغدوا وتعشوا من شاة واحده وذلك لقلتهم، فأنزل الله سبحانه في ذلك بعد ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ الآية، فهذه أول جمعة جمعت في الإسلام.
فأما أول جمعة جمعها رسول الله ﷺ بأصحابه فقال أهل السير والتواريخ : قدم رسول الله ﷺ مهاجراً حتى نزل قباء على بني عمرو بن عوف وذلك يوم الأثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول حين أشتد الضحى فأقام ﷺ بقباء يوم الأثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء ويوم الخميس وأسس مسجدهم ثم خرج بين أظهرهم يوم الجمعة عامداً المدينة فأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن واد لهم قد اتخذ اليوم في ذلك الموضع مسجد وكانت هذه الجمعة أول جمعة.
وقال : الحسن هي مستحبة وليست بفرض، وقال سعيد : جمعها رسول الله ﷺ في الإسلام فخطب في هذه الجمعة وهي أوّل خطبة خطبها بالمدينة فيما قيل، وقال ﷺ " الحمد لله أحمده وأستعينه واستغفره وأستهديه وأؤمن به ولا أكفره وأعادي من يكفره وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله أرسله بالهدى والنور والموعظة على فترة من الرسل وقلّة من العلم وضلالة من الناس وإنقطاع من الزمان ودنو من الساعة، وقرب من الأجل، من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصيهما فقد غوى وفرط وضل ضلالا بعيداً، وأوصيكم بتقوى الله فأنه خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضه على الآخرة وان يأمره بتقوى الله فاحذروا ما حذركم الله من نفسه وأن تقوى الله لمن عمل به على وجل ومخافة من ربّه عون وصدق على ما تبغون من أمر الآخرة، ومن يصلح الذي بينه وبين الله من أمره في السرِّ والعلانية لاينوي بذلك إلاّ وجه الله يكن له ذكراً في عاجل أمره، وذخراً فيما بعد الموت حين يفتقر المرء الى ما قدم، وما كان من سوء تودّ لو أنَّ بينها وبينه أمداً بعيداً، ويحذركم الله نفسه والله روؤف بالعباد، والذي صدق قوله ونجز وعده لا خلق لذلك فأنه يقول ما يبدلّ القول لديَّ وما أنا بظلام للعبيد، واتقوا الله في عاجل أمركم وآجله في السرِّ والعلانية فإنه من يتّق الله كفر عنه سيئاته، ويعظم له أجراً، ومن يتق الله فقد فاز فوزاً عظيماً، وان تقوى الله توقي مقته وتوقي عقوبته وتوقي سخطه، وأن تقوى الله تبيض الوجوه وترضي الرب وترفع الدرجة خذوا بحظّكم ولا تفرطوا في جنب الله فقد علّمكم الله كتابه ونهج لكم سبيله ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين، فأحسنوا كما أحسن الله إليكم، وعادوا أعداءه، وجاهدوا في سبيل الله حقّ جهاده، هو اجتباكم وسماكم المسلمين، ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حيى عن بيّنة ولا حول ولا قوة إلاّ بالله، وأكثروا ذكر الله واعملوا لما بعد اليوم، فأنه من يصلح ما بينه وبين الله يكفيه الله ما بينه وبين الناس، وذلك بأن الله يقضي على الناس ولا يقضون عليه، ويملك الناس ولا يملكون منه، الله أكبر ولا قوّة إلاّ بالله العظيم ".
فلهذا صارت الخطبة شرطاً في إنعقاد الجمعة وهو قول جمهور العلماء، وقال الحسن : هي مستحبة وليست بفرض، وقال سعيد بن جبير : هي بمنزلة الركعتين من الظهر فإذا تركها وصلّى الجمعة فقد صلى الركعتين من الظهر، وأقلّ ما يجزي من الخطبة أن يحمد الله ويصلّي على نبيّه ويوصي بتقوى الله سبحانه ويقرأ آية من القرآن في الخطبة الأولى ويجب في الثانية أربع كالأولى إلاّ إن الواجب بدل قراءة الآية الدعاء، هذا قول أكثر العلماء والفقهاء، وقال أبو حنيفة : لو أقتصر على التحمد أو التسبيح أو التكبير أجزاه، وقال أبو يوسف ومحمد : الواجب ما يتناوله أسم الخطبة.
ثم القيام شرط في صحة الخطبة مع القدرة عليه في قول عامّة الفقهاء إلاّ أبا حنيفة فأنه لم يشرطه فيها، والدليل على أن القيام شرط في الخطبة قوله سبحانه :﴿وَتَرَكُوكَ قَآئِماً﴾. وحديث ابن عمر : ما كان رسول الله ﷺ يخطب خطبتين إلاّ وهو قائم.
وللشافعي قولان في الطهارة في حال الخطبة فقال في الجديد : هي شرط في الخطبة، وقال في القديم : ليست بشرط، وهو مذهب أبي حنيفة رحمة الله.
فهذا بيان القول في أول جمعة جمعت في الإسلام، وأول جمعة جمعها رسول الله ﷺ وأول خطبة خطبها فيها في المدينة، فأمّا أول جمعة جمعت بعدها بالمدينة فقال ابن عباس : أول جمعة جمعت في الإسلام بعد الجمعة بالمدينة بقرية يقال لها جُواثا من قرى البحرين.
قوله :﴿فَاسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي أمضوا إليه واعملوا له.
أخبرنا عبد الله بن حامد قال : أخبرنا مكّي قال : حدّثنا عبد الله بن هاشم قال : حدّثنا يحيى بن حنظلة قال : سمعت سالماً قال : قال ابن عمر : سمعت ﷺ يقرأ فأمضوا الى ذكر الله.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ في آخرين قالوا : حدّثنا محمد بن يعقوب قال : أخبرنا الربيع ابن سليمان قال : أخبرنا الشافعي قال : أخبرنا سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه قال : ما سمعت عمر قط يقرأها إلاّ وأمضوا الى ذكر الله.
وأخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن جعفر الكلمواني قال : حدثنا أبو بكر محمد بن محمد بن حفص قال : حدثنا السري بن خزيمة قال : حدّثنا أبو نعيم قال : حدّثنا سفيان عن حنظلة عن سالم عن عمر أنه كان يقرأها فأمضوا الى ذكر الله، وروى الأعمش عن إبراهيم قال : كان عبد الله يقرأها فأمضوا الى ذكر الله ويقول : لو قرأها فاسعوا لسعيت حتى يسقط ردائي، وهي قراءة أبي العالية أيضاً، وقال الحسن : أما والله ما هو بالسعي على الأقدام، ولقد نهوا أن يأتوا الصلاة إلاّ وعليهم السكينة والوقار ولكن بالقلوب والنيّة والخشوع.
وأنبأني عبد الله بن حامد قال : أخبرنا محمد بن يعقوب قال : حدّثنا يحيى بن أبي طالب قال : أخبرنا عبد الوهاب قال : سئل سعيد عن فضل الجمعة فأخبرنا عن قتادة أنه كان يقول في هذه الآية ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ﴾ فالسعي أن تسعى بقلبك وعملك وهو المشي إليها قال : وكان يتأوّل هذه الآية
﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ [الصافات: ١٠٢] يقول فلما مشى معه، وقال : الكلبي فلما عمل مثله عمله.
وأخبرنا محمد بن حمدويه قال : حدّثنا محمد بن يعقوب قال : أخبرنا الربيع قال : قال الشافعي : السعي في هذا الموضع هو العمل، قال الله سبحانه وتعالى
﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل: ٤] وقال سبحانه :
﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] وقال تعالى :
﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا﴾ [البقرة: ٢٠٥] وقال زهر : سعى بعدهم قوم لكي يدركوهم فلم يدركوهم ولم يلاقوا ولم يألوا الى ذكر الله يعني الصلاة.
وأخبرنا عبد الله بن حامد قال : أخبرنا محمد بن جعفر قال : حدّثنا علي بن حرب وليع قال : حدّثنا منصور بن دينار عن موسى بن أبي كثير عن سعيد بن المسيب ﴿فَاسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قال : موعظة الإمام ﴿وَذَرُواْ الْبَيْعَ﴾ يعني البيع والشراء لأنَّ البيع يتناول المعنيين جميعاً ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم
" البيّعان بالخيار ما لم يتفرقا " أراد البائع والمشتري، وقال الأخطل :
يريد بالأول البيع وبالآخر الابتيا
﴿مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الأَرْضِ﴾ [فاطر: ٤٠] أي في الأرض وأراد بهذا النداء الآذان عند قعود الإمام على المنبر للخطبة، يدل عليه ما أخبرنا محمد بن عبد الله بن حمدون قال : أخبرنا أحمد بن الحسن قال : حدّثنا محمد بن يحيى قال : حدّثنا أحمد بن خالد الوهبي قال : حدّثنا محمد بن إسحاق عن الزهري عن السائب بن يزيد قال : كان لرسول الله ﷺ مؤذن واحد بلال لم يكن له مؤذن آخر غيره، فكان إذا جلس رسول الله ﷺ على المنبر أذّن على باب المسجد فإذا نزل أقام الصلاة، ثم كان أبو بكر كذلك وعمر كذلك حتى إذا كان عثمان فكثر الناس وتباعدت المنازل زاد أذاناً فأمر بالتأذين الأوّل على دار له بالسوق يقال لها الزوراء، فكان يؤذن له عليها، فأذا جلس عثمان على المنبر أذن مؤذنه الأوّل، فإذا نزل أقام للصلاة فلم يُعب ذلك عليه.
وقراءة العامة ( الْجُمُعَةِ ) بالضم الميم، وقرأ الأعمش مخففة بجزم الميم وهما لغتان وجمعها : جُمع وجمعات.
أخبرنا محمد بن نعيم قال : أخبرنا أبا الحسن بن أيوب قال : أخبرنا علي بن عبد العزيز قال : أخبرنا القاسم بن سلام قال : سمعت الكسائي يخبر عن سليمان عن الزهري قال : قال ابن عباس : نزل القرآن بالتثقيل والتفخيم قال الفرّاء وأبو عبيد : التخفيف حسن وهو [. . . . . . . . ] في مذهب العربية مثل غرفة وغرف وطرفة وطرف وحجرة وحجر. وقال الفراء : وفيها لغة أخرى ثالثة : جمعة بالفتح كقولك رجل ضحكة وهمزة ولمزة وهي لغة بني عقيل، وقيل : هي لغة النبي ﷺ وإنما سمي هذا اليوم جمعة لما أخبرنا الحسن قال : حدّثنا الكندي قال : حدّثنا محمد بن مخلد العطّار قال : حدّثنا محمد بن عيسى بن أبي موسى قال : حدّثنا عبد الله بن عمرو بن أبي أُمية قال : حدّثنا قيس الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن قرثع الضبي عن سليمان قال : قال رسول الله ﷺ " إنَّما سميت الجمعة لأن آدم جمع فيها خلقه " وقيل : لأنّ الله سبحانه فرغ فيه من خلق الأشياء فأجتمعت فيه المخلوقات.
وقيل : يجمع الجماعات فيها، وقيل : لاجتماع الناس فيه للصلاة، وقيل : أوّل من سماها جمعة كعب بن لؤي.
أخبرنا ابن فنجويه قال : حدّثنا ابن حفصويه قال : حدّثنا الحسن بن أحمد بن حفص الحلواني قال : حدّثنا إبراهيم بن إسحاق قال : حدّثنا إبراهيم بن المنذر قال : حدّثنا عبد العزيز عن محمد بن عبد العزيز عن أبيه عن أبي سلمة قال : أول من قال : أما بعد كعب بن لؤي، وكان أول من سمى الجمعة الجمعة وكان يقال للجمعة : العروبة، وقيل : أوّل من سماها جمعة الأنصار.
أخبرني الحسين قال : حدّثنا ابن حمدان قال : حدّثنا إبراهيم بن سهلويه قال : حدّثنا سلمة ابن شيب قال : حدّثنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال : جمع أهل المدينة قبل أن يقدم النبي ﷺ المدينة وقبل أن ينزل الجمعة وهم الذين سمّوها الجمعة، قالت الأنصار : لليهود يوم يجمعون فيه كل سبعة أيام وللنصارى يوم أيضاً مثل ذلك، فهلموا فلنجعل يوماً يجمع فيه فيذكر الله عزّ وجلّ ونصلّي ونشكره أو كما قالوا.
فقالوا : يوم السبت لليهود ويوم الأحد للنصارى فاجعلوه يوم العروبة، وكانوا يسمّون يوم الجمعة يوم العروبة واجتمعوا الى أسعد بن زرارة فصلّى بهم يومئذ ركعتين وذكرهم فسمّوه يوم الجمعة حين أجتمعوا إليه فذبح لهم أسعد بن زرارة شاة فتغدوا وتعشوا من شاة واحده وذلك لقلتهم، فأنزل الله سبحانه في ذلك بعد ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ الآية، فهذه أول جمعة جمعت في الإسلام.
فأما أول جمعة جمعها رسول الله ﷺ بأصحابه فقال أهل السير والتواريخ : قدم رسول الله ﷺ مهاجراً حتى نزل قباء على بني عمرو بن عوف وذلك يوم الأثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول حين أشتد الضحى فأقام ﷺ بقباء يوم الأثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء ويوم الخميس وأسس مسجدهم ثم خرج بين أظهرهم يوم الجمعة عامداً المدينة فأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن واد لهم قد اتخذ اليوم في ذلك الموضع مسجد وكانت هذه الجمعة أول جمعة.
وقال : الحسن هي مستحبة وليست بفرض، وقال سعيد : جمعها رسول الله ﷺ في الإسلام فخطب في هذه الجمعة وهي أوّل خطبة خطبها بالمدينة فيما قيل، وقال ﷺ " الحمد لله أحمده وأستعينه واستغفره وأستهديه وأؤمن به ولا أكفره وأعادي من يكفره وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله أرسله بالهدى والنور والموعظة على فترة من الرسل وقلّة من العلم وضلالة من الناس وإنقطاع من الزمان ودنو من الساعة، وقرب من الأجل، من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصيهما فقد غوى وفرط وضل ضلالا بعيداً، وأوصيكم بتقوى الله فأنه خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضه على الآخرة وان يأمره بتقوى الله فاحذروا ما حذركم الله من نفسه وأن تقوى الله لمن عمل به على وجل ومخافة من ربّه عون وصدق على ما تبغون من أمر الآخرة، ومن يصلح الذي بينه وبين الله من أمره في السرِّ والعلانية لاينوي بذلك إلاّ وجه الله يكن له ذكراً في عاجل أمره، وذخراً فيما بعد الموت حين يفتقر المرء الى ما قدم، وما كان من سوء تودّ لو أنَّ بينها وبينه أمداً بعيداً، ويحذركم الله نفسه والله روؤف بالعباد، والذي صدق قوله ونجز وعده لا خلق لذلك فأنه يقول ما يبدلّ القول لديَّ وما أنا بظلام للعبيد، واتقوا الله في عاجل أمركم وآجله في السرِّ والعلانية فإنه من يتّق الله كفر عنه سيئاته، ويعظم له أجراً، ومن يتق الله فقد فاز فوزاً عظيماً، وان تقوى الله توقي مقته وتوقي عقوبته وتوقي سخطه، وأن تقوى الله تبيض الوجوه وترضي الرب وترفع الدرجة خذوا بحظّكم ولا تفرطوا في جنب الله فقد علّمكم الله كتابه ونهج لكم سبيله ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين، فأحسنوا كما أحسن الله إليكم، وعادوا أعداءه، وجاهدوا في سبيل الله حقّ جهاده، هو اجتباكم وسماكم المسلمين، ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حيى عن بيّنة ولا حول ولا قوة إلاّ بالله، وأكثروا ذكر الله واعملوا لما بعد اليوم، فأنه من يصلح ما بينه وبين الله يكفيه الله ما بينه وبين الناس، وذلك بأن الله يقضي على الناس ولا يقضون عليه، ويملك الناس ولا يملكون منه، الله أكبر ولا قوّة إلاّ بالله العظيم ".
فلهذا صارت الخطبة شرطاً في إنعقاد الجمعة وهو قول جمهور العلماء، وقال الحسن : هي مستحبة وليست بفرض، وقال سعيد بن جبير : هي بمنزلة الركعتين من الظهر فإذا تركها وصلّى الجمعة فقد صلى الركعتين من الظهر، وأقلّ ما يجزي من الخطبة أن يحمد الله ويصلّي على نبيّه ويوصي بتقوى الله سبحانه ويقرأ آية من القرآن في الخطبة الأولى ويجب في الثانية أربع كالأولى إلاّ إن الواجب بدل قراءة الآية الدعاء، هذا قول أكثر العلماء والفقهاء، وقال أبو حنيفة : لو أقتصر على التحمد أو التسبيح أو التكبير أجزاه، وقال أبو يوسف ومحمد : الواجب ما يتناوله أسم الخطبة.
ثم القيام شرط في صحة الخطبة مع القدرة عليه في قول عامّة الفقهاء إلاّ أبا حنيفة فأنه لم يشرطه فيها، والدليل على أن القيام شرط في الخطبة قوله سبحانه :﴿وَتَرَكُوكَ قَآئِماً﴾. وحديث ابن عمر : ما كان رسول الله ﷺ يخطب خطبتين إلاّ وهو قائم.
وللشافعي قولان في الطهارة في حال الخطبة فقال في الجديد : هي شرط في الخطبة، وقال في القديم : ليست بشرط، وهو مذهب أبي حنيفة رحمة الله.
فهذا بيان القول في أول جمعة جمعت في الإسلام، وأول جمعة جمعها رسول الله ﷺ وأول خطبة خطبها فيها في المدينة، فأمّا أول جمعة جمعت بعدها بالمدينة فقال ابن عباس : أول جمعة جمعت في الإسلام بعد الجمعة بالمدينة بقرية يقال لها جُواثا من قرى البحرين.
قوله :﴿فَاسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي أمضوا إليه واعملوا له.
أخبرنا عبد الله بن حامد قال : أخبرنا مكّي قال : حدّثنا عبد الله بن هاشم قال : حدّثنا يحيى بن حنظلة قال : سمعت سالماً قال : قال ابن عمر : سمعت ﷺ يقرأ فأمضوا الى ذكر الله.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ في آخرين قالوا : حدّثنا محمد بن يعقوب قال : أخبرنا الربيع ابن سليمان قال : أخبرنا الشافعي قال : أخبرنا سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه قال : ما سمعت عمر قط يقرأها إلاّ وأمضوا الى ذكر الله.
وأخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن جعفر الكلمواني قال : حدثنا أبو بكر محمد بن محمد بن حفص قال : حدثنا السري بن خزيمة قال : حدّثنا أبو نعيم قال : حدّثنا سفيان عن حنظلة عن سالم عن عمر أنه كان يقرأها فأمضوا الى ذكر الله، وروى الأعمش عن إبراهيم قال : كان عبد الله يقرأها فأمضوا الى ذكر الله ويقول : لو قرأها فاسعوا لسعيت حتى يسقط ردائي، وهي قراءة أبي العالية أيضاً، وقال الحسن : أما والله ما هو بالسعي على الأقدام، ولقد نهوا أن يأتوا الصلاة إلاّ وعليهم السكينة والوقار ولكن بالقلوب والنيّة والخشوع.
وأنبأني عبد الله بن حامد قال : أخبرنا محمد بن يعقوب قال : حدّثنا يحيى بن أبي طالب قال : أخبرنا عبد الوهاب قال : سئل سعيد عن فضل الجمعة فأخبرنا عن قتادة أنه كان يقول في هذه الآية ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ﴾ فالسعي أن تسعى بقلبك وعملك وهو المشي إليها قال : وكان يتأوّل هذه الآية
﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ [الصافات: ١٠٢] يقول فلما مشى معه، وقال : الكلبي فلما عمل مثله عمله.
وأخبرنا محمد بن حمدويه قال : حدّثنا محمد بن يعقوب قال : أخبرنا الربيع قال : قال الشافعي : السعي في هذا الموضع هو العمل، قال الله سبحانه وتعالى
﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل: ٤] وقال سبحانه :
﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] وقال تعالى :
﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا﴾ [البقرة: ٢٠٥] وقال زهر : سعى بعدهم قوم لكي يدركوهم فلم يدركوهم ولم يلاقوا ولم يألوا الى ذكر الله يعني الصلاة.
وأخبرنا عبد الله بن حامد قال : أخبرنا محمد بن جعفر قال : حدّثنا علي بن حرب وليع قال : حدّثنا منصور بن دينار عن موسى بن أبي كثير عن سعيد بن المسيب ﴿فَاسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قال : موعظة الإمام ﴿وَذَرُواْ الْبَيْعَ﴾ يعني البيع والشراء لأنَّ البيع يتناول المعنيين جميعاً ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم
" البيّعان بالخيار ما لم يتفرقا " أراد البائع والمشتري، وقال الأخطل :
| وباع بنيه بعضهم بخشارة | وبعت لذبيان العلاء بمالكا |