إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود
عن الكتاب
﴿وَلاَ أَنتُمْ عابدون مَا أَعْبُدُ﴾ أيْ وما عبدتُم في وقتٍ مِنَ الأوقاتِ مَا أنا على عبادتِهِ. وقيلَ : هاتانِ الجملتانِ لنفي العبادةِ حالاً، كما أنَّ الأولين لنفيها استقبالاً، وإنَّما لم يقُلْ ما عبدتُ ليوافقَ ( ما عبدتُم ) ؛ لأنَّهم كانُوا موسومينَ قبلَ البعثةِ بعبادةِ الأصنامِ، وهُوَ عليهِ السلامُ لم يكُنْ حينئذٍ موسوماً بعبادةِ الله تعَالَى. وإيثارُ ( مَا ) في أعبدُ على ( مَنْ ) لأنَّ المرادَ هُوَ الوصفُ، كأنَّه قيلَ : مَا أعبدُ مِنَ المعبودِ العظيمِ الشأنِ الذي لا يُقادَرُ قدرُ عظمتِهِ. وقيلَ : إنَّ ( مَا ) مصدريةٌ، أيْ لا أعبدُه عبادتَكُم، ولا تعبدونَ عبادَتِي. وقيلَ : الأوليانِ بمَعْنى الذي، والأخريانِ مصدريتانِ. وقيلَ : قولُه تعالَى :﴿وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ﴾ [ سورة الكافرون، الآية ٤ ] تأكيدٌ لقولِه تعَالَى :﴿لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [ سورة الكافرون، الآية ٢ ]، وقولُه تعالَى :﴿وَلاَ أَنتُمْ عابدون مَا أَعْبُدُ﴾ [ سورة الكافرون، الآية ٣ ] ثانياً تأكيدٌ لمثلِه المذكورِ أولاً.