إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود
عن الكتاب
وقولُه تعالَى :﴿لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ تقريرٌ لقولِه تعَالَى :﴿لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ وقولِه تعالَى :﴿وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ﴾، كمَا أنَّ قولَه تعالَى :﴿وَلِيَ دِينِ﴾ تقريرٌ لقولِه تعالَى :﴿وَلاَ أَنتُمْ عابدون مَا أَعْبُدُ﴾، والمَعْنى أنَّ دينَكُم الذي هُوَ الإشراكُ مقصورٌ على الحصولِ لكُم، لا يتجاوزُهُ إلى الحصولِ لِي أيضاً كما تطمعونَ فيهِ، فلاَ تعلقُوا بهِ أمانيَّكُم الفارغةَ، فإنَّ ذلكَ مِنَ المُحالاتِ، وأنَّ دينيَ الذي هُوَ التوحيدُ مقصورٌ على الحصولِ لي، لا يتجاوزُه إلى الحصولِ لكُم أيضاً ؛ لأنَّكم علقتمُوه بالمحالِ الذي هُوَ عبادتِي لآلهتِكم، أو استلامِي إيَّاها، ولأنَّ ما وعدتمُوه عينُ الإشراكِ. وحيثُ كانَ مَبْنى قولِهم : تعبدُ آلهتَنَا سنةً ونعبدُ إلهك سنةً على شركةِ الفريقينِ في كلتا العبادتينِ، كان القصرُ المستفادُ من تقديمِ المسندِ قصرُ إفرادٍ حتماً، ويجوزُ أن يكونَ هذا تقريراً لقولِه تعالَى :﴿وَلا أَنَا عَابِدٌ ما عَبَدتُّمْ﴾ أيْ ولِي دِيني لا دينُكم، كمَا هُوَ في قولِه تعَالَى :﴿وَلَكُم ما كَسَبْتُم﴾ [ سوة البقرة، الآية ١٣٤ و١٤١ ] وقيلَ : المَعْنى إنِّي نبيٌّ مبعوثٌ إليكُم لأدعوَكُم إلى الحقِّ والنجاةِ، فإذَا لم تقبلُوا مِنِّي، ولَمْ تتبعونِي، فدعونِي كَفافاً، ولا تدعونِي إلى الشركِ، فتأملْ.