البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة

عن الكتاب
قال تعالى :﴿قل لو كان البحرُ﴾ أي : جنس البحر ﴿مِدَادًا﴾، وهو ما تمد به الدواة من الحِبْر، ﴿لِكلماتِ ربي﴾ وهي ما يقوله سبحانه لأهل الجنة، من اللطف والإكرام، مما لا تكيفُه الأوهام، ولا تحيط به الأفكار، فلو كانت البحار مدادًا والأشجار أقلامًا لنفدت، ولم يبق منها شيء، ﴿قبل أن تنفد كلماتُ ربّي﴾ ؛ لأن البحار متناهية، وكلمات الله غير متناهية. ثم أكّده بقوله :﴿ولو جئنا بمثله مدَدًا﴾ أي : لنفد البحر من غير نفاد كلماته تعالى، هذا لو لم يجيء بمثله مددًا، بل ولو جئنا بمثله ﴿مددًا﴾ ؛ عونًا وزيادة ؛ لأن ما دخل عالم التكوين كله متناهٍ.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : إن الذين آمنوا إيمان الخصوص، وعملوا عمل الخصوص - وهو العمل الذي يقرب إلى الحضرة - كانت لهم جنة المعارف نُزلاً، خالدين فيها لا يبغون عنها حولاً ؛ لأنَّ من تمكن من المعرفة لا يُعزل عنها، بفضل الله وكرمه، كما قال القائل :
مُذْ تَجَمَّعْتْ مَا خَشيتُ افْتِراقًافأَنّا اليَوْمَ وَاصلٌ مَجْمُوعُ
ثم يترقون في معاريج التوحيد، وأسرار التفريد، أبدًا سرمدًا، لا نهاية ؛ لأن ترقيتهم بكلمة القدرة الأزلية، وهي كلمة التكوين، التي لا تنفد ؛ ﴿قل لو كان البحر مدادًا لكلمات ربي...﴾ الآية. هذا مع كون وصف البشرية لا يزول عنهم، فلا يلزم من ثبوت الخصوصية عدم وصف البشرية. قل : إنما أنا بشر مثلكم يُوحى إليّ وحي إلهام، ويلقى في رُوعي أنما إلهكم إله واحد، لا ثاني له في ذاته ولا في أفعاله، فمن كان يرجو لقاء ربه في الدنيا لقاء الشهود والعيان، ولقاء الوصول إلى صريح العرفان ؛ فليعمل عملاً صالحًا، الذي لا حظ فيه للنفس ؛ عاجلاً ولا آجلاً، ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا، فلا يقصد بعبادته إلا تعظيم الربوبية، والقيام بوظائف العبودية، والله تعالى أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليمًا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى