اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً﴾ أي : لو رأيتهم، لحسبتهم.
وقال شهاب الدِّين : لا حاجة إلى هذا التقدير.
﴿أَيْقَاظاً﴾ : جمع " يَقُظٍ " بضم القاف، وبجمع على يقاظٍ، ويقظ وأيقاظ، كعضدٍ وأعضادٍ، ويقظ ويقاظ، كرجلٍ ورجالٍ، وظاهرُ كلام الزمخشريِّ أنه يقال :" يقظٌ " بالكسر ؛ لأنه قال : وأيقاظٌ جمع " يقظٍ " كأنكاد في " نكدٍ ".
وقال الأخفش، وأبو عبيدة، والزجاج : أيقاظٌ جمع يقظٍ ويقظان.
وأنشدوا [ لرؤبة ](١) :[ الرجز ]
ووَجدُوا إخْوانَهُم أيْقَاظا. . . . . . . . . . . . . (٢)
وقال البغوي(٣) : أيقاظاً جمع يقيظ ويقظ، واليقظة : الانتباه عند النَّوم.
قال الواحديُّ(٤) : وإنما يحسبون أيقاظاً ؛ لأنَّ أعينهم مفتحةٌ، وهم نيامٌ.
وقال الزجاج : لكثرة تقلبهم يظنُّ أنهم أيقاظٌ ؛ لقوله تعالى :﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ اليمين وَذَاتَ الشمال﴾ والرقود جمع راقدٍ، كقاعدٍ وقعود.

فصل في مدة تقليبهم


اختلفوا في مقدار مدَّة التَّقليب(٥) :
فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - :" أنَّ لهم في كلِّ عام تَقْليبَتَيْنِ " (٦) وعن مجاهدٍ : يمكثون رقوداً على أيمانهم تسع سنينَ، ثم ينقلبون على شمائلهم، فيمكثون رقوداً تسع سنين(٧).
وقيل : لهم تقليبة واحدة في يوم عاشوراء.
قال ابن الخطيب(٨) : وهذه التقديرات لا سبيل للعقل إليها، والقرآن لا يدل عليها، وما جاء فيه خبر صحيح، فكيف يعرف ؟ وقال ابن عباس : فائدة تقليبهم ؛ لئلا تأكل الأرض لحومهم وتبليهم(٩).
قال ابن الخطيب(١٠) : عجبت من ذلك ؛ لأنَّ الله تعالى قدر على أن يمسك حياتهم ثلاثمائة سنة وأكثر، فلم لا يقدر على حفظ أجسامهم من غير تقليب ؟ !.
قوله :" ونُقلِّبهُم " قرأ العامة " نُقلِّبهُم " مضارعاً مسنداً للمعظِّم نفسه.
وقرئ(١١) أيضاً بالياء من تحت، أي : الله أو الملك، وقرأ الحسن :" يُقلِبُهمْ " بالياء من تحت ساكن القاف، مخفف اللام، وفاعله، إمَّا الله أو الملكُ.
وقرأ أيضاً " وتَقَلُّبَهُم " بفتح التاء، وضمِّ اللام مشددة مصدر تقلَّب كقوله :﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي الساجدين﴾ [الشعراء: ٢١٩] ونصب الباء، وخرَّجه أبو الفتح على إضمار فعل، أي : ونرى تقلُّبهم، أو نشاهد تقلُّبهم، وروي عنه أيضاً رفع الباء على الابتداءِ، والخبر الظرف بعده، ويجوز أن يكون محذوفاً، أي : آية عظيمة. وقرأ(١٢) عكرمة " وتقلبُهمْ " بتاء التأنيث مضارع " قَلبَ " مخفَّفاً، وفاعله ضمير الملائكةِ المدلولِ عليهم بالسِّياق.
وقوله :" ذَاتَ " منصوب على الظَّرف، لأنَّ المعنى : ونُقلِّبُهمْ من ناحية اليمين أو على ناحية " اليمين " كما تقدَّم في قوله :﴿تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ اليمين﴾ [الكهف: ١٧].
وقوله :﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بالوصيد﴾.
قرأ العامة " وكَلْبُهمْ " وقرأ جعفر(١٣) الصادق " كَالبُهمْ " أي : صاحب كلبهم كلابنٍ وتامر، ونقل أبو عمر الزاهدُ غلامُ ثعلبٍ " وكَالِئُهُمْ " بهمزة مضمومة اسم فاعل من كَلأ يَكْلأُ أي : حفظ يحفظُ.
و " باسطٌ " اسم فاعل ماض، وإنما عمل على حكاية الحال، والكسائي يعمله، ويستشهد بالآية.
والوَصِيدُ : الباب ؛ قاله ابن عبَّاس والسديُّ. وقيل : العَتبَةُ.
والكهفُ لا يكون له بابٌ، ولا عتبة، وإنما أراد موضع الباب.
وقال الزجاج : الوصيد فناءُ البيت، وفناء الدَّار.
وقيل : الصَّعيدُ والتُّراب.
قال الشاعر :[ الطويل ]
بأرْضِ فَضاءٍ لا يسدُّ وصيدُهاعَليَّ ومَعرُوفِي بها غَيْرُ مُنْكرِ(١٤)
وجمعه : وصائد ووصدٌ.
وقيل : الوصيدُ : الصَّعيدُ والتراب.
قال يونس، والأخفش، والفراء : الأصيدُ والوصيدُ لغتان ؛ مثل : الوكاف والإكاف.
وقال مجاهدٌ، والضحاك :" الوَصِيدُ " : الكهف(١٥).
وأكثر المفسرين على أنَّ الكلب كان من جنس الكلاب.
وروي عن ابن جريج : أنه كان أسداً، وسمِّي الأسد كلباً(١٦)، فإن النبي ﷺ دعا على عتبة بن أبي لهبٍ، فقال :" اللَّهُم سلِّط عليه كلباً من كِلابِكَ " فافترسه الأسدُ(١٧).
قال ابن عباس : كان كلباً أغرَّ، واسمه قطميرٌ، وعن عليِّ : اسمه " ريَّان " (١٨).
وقال الأوزاعي : يشور(١٩) قال السدي : يور(٢٠).
وقال كعبٌ : صهباً(٢١).
وقال مقاتل : كان كلباً أصفر(٢٢).
وقال الكلبيُّ : لونه كالحليج(٢٣)، وقيل غير ذلك.
قال خالد بن معدان : ليس في الجنَّة من الدوابِّ إلاَّ كلب أصحاب الكهف، وحمار بلعام(٢٤).
قال ابن عباس وأكثر المفسرين : هربوا من ملكهم فمرُّوا براعٍ، معه كلبٌ، فتبعهم على دينهم، ومعه كلبه(٢٥).
وقال الكلبيُّ : مرُّوا بكلبٍ فنبح عليهم، فطردوه، فعاد، ففعلوا ذلك مراراً، فقال لهم الكلب : لا تخشوا جانبي ؛ فإنِّي أحبُّ أحبَّاء الله، فناموا ؛ حتَّى أحرسكم(٢٦).

فصل


قال عبيد بن عميرٍ : كان ذلك كلب صيدهم، ومعنى ﴿بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾، أي : ألقاها على الأرض مبسوطتين، غير مقبوضتين.
ومنه قوله ﷺ :" اعتدلوا في السُّجودِ، ولا يَبْسُط أحدكم ذِرَاعيْهِ انْبسَاطَ الكلْبِ " (٢٧).
قال المفسرون : كان الكلب قد بسط ذراعيه، وجعل وجهه عليهما.
قوله :﴿لَوِ اطلعت﴾ العامَّة على كسر الواو من " لَو اطَّلعْتَ " على أصل التقاء الساكنين، وقرأها(٢٨) مضمومة أبو جعفرٍ، وشيبة، ونافع، وابن وثَّاب، والأعمش ؛ تشبيهاً بواوِ الضمير، وتقدَّم تحقيقه.
قوله :﴿لَوْلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً﴾ لما ألبسهم الله من الهيبة ؛ حتَّى لا يصل إليهم أحدٌ ؛ حتى يبلغ الكتاب أجله، فيوقظهم الله من رقدتهم.
" فِرَاراً " يجوز أن يكون منصوباً على المصدر من معنى الفعل قبله ؛ لأنَّ التولِّي والفرارَ من وادٍ واحدٍ، ويجوز أن يكون مصدراً في موضع الحالِ، أي : فارًّا، ويكون حالاً مؤكدة، ويجوز أن يكون مفعولاً له.
قوله :﴿وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً﴾ قرأ ابن كثير(٢٩)، ونافع " لمُلِّئْتَ " بالتشديد على التكثير. وأبو جعفرٍ، وشيبة كذلك، إلا أنه بإبدال الهمزة ياء، والزهري بتخفيف اللام والإبدال، وهو إبدال قياسي والباقون بتخفيف اللام، و " رُعباً " مفعول ثانٍ : وقيل : تمييزٌ.
قال الأخفش : الخفيفة أجود في كلام العربِ.
يقولون : ملأتنِي رعباً، ولا يكادون يعرفون ملأتنِي ؛ ويدل على هذا أكثر استعمالهم ؛ كقوله :[ الوافر ]
فَتَمْلأ بَيْتنَا أقِطاً وسَمْنَا. . . . . . . . . . . . . . . . (٣٠)
وقول الآخر :[ الطويل ]
٣٥٠٢أ- ومن مالِئٍ عَيْنَيْهِ مِنْ شيءِ غَيْرِهِإذَا رَاحَ نحو الجمْرَةِ البِيضُ كالدُّمَى
وقال الآخر :[ الرجز ]
٣٥٠٢ب- لا تَمْلأ الدَّلْو وعَرِّقْ فيها(٣١)
وقال الآخر :[ الرجز ]
امْتَلأ الحَوضُ وقَالَ قَطْنِي(٣٢) *** وقد جاء التثقيل أيضاً، أنشدوا للمخبَّل السعديِّ :[ الطويل ]
وإذْ قتل النُّعْمانُ بالنَّاسِ مُحرِمَا. . . . . . . . . . . . . . . . (٣٣)
وقرأ ابن عامر والكسائي " رُعباً " بضمِّ العين في جميع القرآن، والباقون بالإسكان.

فصل في سبب الرعب


اختلفوا في ذلك الرُّعب(٣٤) كان لماذا ؟ فقيل : من وحشة المكان، وقال الكلبي : لأنَّ أعينهم مفتَّحة، كالمستيقظ الذي يريد أن يتكلَّم، وهم نيامٌ(٣٥).
وقيل : لكثرة شعورهم، وطول أظفارهم، وتقلُّبهم من غير حسٍّ، كالمستيقظ.
وقيل : إنَّ الله تعالى، منعهم بالرُّعب ؛ لئلاَّ يراهم أحدٌ.
ورُوِيَ عن سعيد بن جبيرٍ عن ابن عبَّاس، قال : غزونا مع مُعاويةَ نحو الرُّوم، فمَررْنَا بالكَهْفِ الذي فِيهِ أصْحابُ الكهفِ، فقال مُعاوِيةُ : لو كُشِفَ لنَا عنْ هؤلاءِ، لنَظَرْنَا إليْهِمْ، فقَال ابْنُ عبَّاسٍ : قَدْ مَنَعَ الله ذلِكَ مَنْ هُو خَيْرٌ مِنْكَ :﴿لو اطَّلعْتَ عَليْهِم لولَّيتَ مِنهُم فراراً﴾، فبعث معاوية ناساً، فقال : اذهبوا، فانظروا، فلمَّا دخلوا الكهف، بعث الله عليهم ريحاً، أخرجتهم(٣٦).
١ في أ: ذو الرمة..
٢ صدر بيت وعجزه:
وسيف غياظ لهم غياظا
ينظر: مجاز القرآن ١/٣٩٧، والشطران في ديوان العجاج ٨١ ـ ٨٢، ومعاني القرآن وإعرابه ٣/٢٧٤، والطبري ٨/١٩٤، والرازي ٢١/٨٥..

٣ ينظر: معالم التنزيل ٣/١٥٤..
٤ ينظر: الفخر الرازي ٢١/٨٦..
٥ ينظر: الفخر الرازي ٢١/٨٦..
٦ ذكره البغوي في "تفسيره" (٣/١٥٤) عن أبي هريرة ومثله عن ابن عباس ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٤/٣٩١) عزاه إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم..
٧ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٤/٣٩١) وعزاه إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وينظر: تفسير الرازي (٢١/٨٦)..
٨ ينظر: الفخر الرازي ٢١/٨٦..
٩ ذكره البغوي في "تفسيره" (٣/٣٥٤) والرازي (٢١/٨٦) والقرطبي (١٠/٢٤١)..
١٠ ينظر : الفخر الرازي ٢١/٨٦..
١١ ينظر في قراءتها: المحتسب ٢/٢٦، والإتحاف ٢/٢١١، والشواذ ٧٨، والكشاف ٢/٧٠٩، والبحر ٦/١٠٥، والدر المصون ٤/٤٤٢..
١٢ نسبها في الإتحاف ٢/٢١١ إلى الحسن..
١٣ ينظر: البحر ٦/١٠٥، والدر المصون ٤/٤٤١..
١٤ البيت لزهير ينظر: البحر المحيط ٦/٩٢، والكشاف (٢/٧١٠)، القرطبي ١٠/٢٤٣، روح المعاني ١٥/٢٢٦، العمدة ٢/٨١، الدر المصون ٤/٤٤٣..
١٥ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/١٩٥) عن مجاهد وقتادة..
١٦ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٤/٣٩١) وعزاه إلى ابن المنذر..
١٧ تقدم تخريجه..
١٨ ذكره البغوي في "تفسيره" (٣/١٥٤) والقرطبي (١٠/٢٤١)..
١٩ ينظر: المصدر السابق..
٢٠ ينظر: المصدر السابق..
٢١ ينظر: المصدر السابق..
٢٢ ينظر: المصدر السابق..
٢٣ ينظر: المصدر السابق..
٢٤ ينظر: تفسير البغوي (٣/١٥٤)، القرطبي (١٠/٢٤١)..
٢٥ ينظر: المصدر السابق..
٢٦ ينظر: المصدر السابق..
٢٧ تقدم تخريجه..
٢٨ ينظر: الإتحاف ٢/٢١١، والقرطبي ١٠/٢٤٣، والبحر ٦/١٠٦، والدر المصون ٤/٤٤٣..
٢٩ ينظر في قراءتها: السبعة ٣٨٩، والحجة ٤١٣، والنشر ٢/٣١٠، والتيسير ١٤٣، والإتحاف ٢/٢١١، والحجة للقراء السبعة ٥/١٣٤، والبحر ٦/١٠٦..
٣٠ صدر البيت لامرىء القيس وروايته:
فتوسِع أهلها................................ وحسبك من غنى شبع وري
ينظر: ديوانه (١٣٧)، والرازي ٢١/٨٦..

٣١ ينظر: الرازي ٢١/٨٧..
٣٢ صدر بيت وعجزه:
مهلا رويدا قد ملأت بطني
ينظر: إصلاح المنطق ص ٥٧، ٣٤٢، والإنصاف ص ١٣٠، وأمالي المرتضى ٢/٣٠٩؛ وتخليص الشواهد ص ١١١؛ وجواهر الأدب ص ١٥١؛ والخصائص ١/٢٣؛ ورصف المباني ص ٣٦٢؛ وسمط اللآلي ص ٤٧٥، وشرح الأشموني ١/٥٧؛ وشرح المفصل ١/٨٢، ٢/١٣١، ٣/١٢٥؛ وكتاب اللامات ص ١٤٠؛ ولسان العرب (قطط)، (قطن)؛ ومجالس ثعلب ص ١٨٩؛ والمقاصد النحوية ١/٣٦١، والرازي ٢١/٨٧..

٣٣ صدر بيت وعجزه:
فملىء من عوف بن كعب سلاسله
ينظر: اللسان (حرم) وفيه "فتك" بدلا من "قتل"، والرازي ٢١/٨٧..

٣٤ ينظر: معالم التنزيل ٣/١٥٥..
٣٥ ذكره البغوي في "تفسيره" (٣/١٥٥)..
٣٦ ذكره الماوردي من "تفسيره" (٣/٢٩٣)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى