فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
ثم حكى سبحانه طرفاً آخر من غرائب أحوالهم فقال :﴿وَتَحْسبهُمْ أَيْقَاظًا﴾ جمع يقظ بكسر القاف وفتحها ﴿وَهُمْ رُقُودٌ﴾ أي : نيام، وهو جمع راقد كقعود في قاعد. قيل : وسبب هذا الحسبان أن عيونهم كانت مفتحة وهم نيام. وقال الزجاج : لكثرة تقلبهم ﴿وَنُقَلّبُهُمْ ذَاتَ اليمين وَذَاتَ الشمال﴾ أي : نقلبهم في رقدتهم إلى الجهتين لئلا تأكل الأرض أجسادهم ﴿وَكَلْبُهُمْ باسط ذِرَاعَيْهِ﴾ حكاية حال ماضية، لأن اسم الفاعل لا يعمل إذا كان بمعنى المضيّ كما تقرر في علم النحو. قال أكثر المفسرين : هربوا من ملكهم ليلاً، فمرّوا براع معه كلب فتبعهم. والوصيد، قال أبو عبيد وأبو عبيدة هو فناء الباب، وكذا قال المفسرون، وقيل : العتبة، وردّ بأن الكهف لا يكون له عتبة ولا باب، وإنما أراد أن الكلب موضع العتبة من البيت ﴿لَوِ اطلعت عَلَيْهِمْ لَوْلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا﴾ قال الزجاج : فراراً منصوب على المصدرية بمعنى : التولية، والفرار : الهرب ﴿وَلَمُلِئْتَ﴾ قرئ بتشديد اللام وتخفيفها ﴿مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ قرئ بسكون العين وضمها أي : خوفاً يملأ الصدر، وانتصاب ﴿رعباً﴾ على التمييز، أو على أنه مفعول ثانٍ، وسبب الرّعب الهيبة التي ألبسهم الله إياها، وقيل : طول أظفارهم وشعورهم وعظم أجرامهم ووحشة مكانهم، ويدفعه قوله تعالى :﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ فإن ذلك يدل على أنهم لم ينكروا من حالهم شيئاً، ولا وجدوا من أظفارهم وشعورهم ما يدل على طول المدّة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿تَزَاوَر﴾ قال : تميل، وفي قوله :﴿تَقْرِضُهُمْ﴾ قال : تذرهم. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله :﴿تَقْرِضُهُمْ﴾ قال : تتركهم، ﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ منْهُ﴾ قال : المكان الداخل. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير، قال : الفجوة : الخلوة من الأرض، ويعني بالخلوة : الناحية من الأرض. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله :﴿وَنُقَلّبُهُمْ﴾ الآية قال : ستة أشهر على ذي الجنب اليمين، وستة أشهر على ذي الجنب الشمال. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر عن سعيد بن جبير في الآية قال : كي لا تأكل الأرض لحومهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد أن اسم كلبهم : قطمورا. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال : اسمه قطمير. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله :﴿بالوصيد﴾ قال : بالفناء. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه قال : بالباب. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله :﴿أزكى طَعَامًا﴾ قال : أحلّ ذبيحة، وكانوا يذبحون للطواغيت. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه ﴿أزكى طَعَامًا﴾ يعني : أطهر، لأنهم كانوا يذبحون للطواغيت.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى