التفسير البسيط — الواحدي

عن الكتاب
وقال مجاهد: (الفجوة: المكان الذاهب) (١). يعني: الذاهب في السعة والعرض. قال ابن عباس في قوله: "وهم في فجوة" (يريد في سعة) (٢)، ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾، أي: ذلك التزاور والقرض من دلائل قدرة الله ولطفه بأصحاب الكهف. ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَد﴾ أشار إلى أن الله تعالى هو الذي تولى هداية أصحاب الكهف] (٣)، ولولا ذلك لم يهتدوا، فالمهتدي من هداه الله كهؤلاء، ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾، كدقيانوس الكافر وأصحابه.
١٨ - قوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ﴾ معنى هذا الخطاب على ما ذكرنا في قوله: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ﴾، أي: لو رأيتهم لحسبتهم أيقاظًا، هو جمع: أيقاظ، ويقظ، ويقظان، قا له الأخفمش، وأبو عبيدة، والزجاج (٤). وأنشدوا لرؤبة (٥):
= ومسلم في "صحيحه" كتاب الحج، باب الإفاضة من عرفات إلى مزدلفة ٢/ ٩٣٦، وأبو داود في "سننه" كتاب الحج، باب الدفعة من عرفة ٢/ ٤٧٢، والنسائي في "سننه" كتاب الحج، باب كيف يسير من عرفة ٥/ ١٨٣، ومالك في "الموطأ" كتاب الحج، باب السير إلى عرفة ١/ ٣٩٢.
(١) "جامع البيان" ١٥/ ١٤٥، و"تفسير مجاهد" ٤٤٦.
(٢) ذكرته كتب التفسير بلا نسبة. انظر: "جامع البيان" ١٥/ ٢١٢ - ٢١٣ بمعناه، و"الكشف والبيان" ٣/ ٣٨٨ ب، و"معالم التنزيل" ٥/ ١٥٧، و"المحرر الوجيز" ٩/ ٢٩٥.
(٣) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).
(٤) "معاني القرآن" للزجاج ٣/ ٢٧٤، و "معاني القرآن" للأخفش ١/ ٦١٧، و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة ١/ ٣٩٦.
(٥) هذا صدر بيت لرؤبة، وعجزه:
وسيف غيَّاظٍ لهم غِيَاظا
انظر: "ديوانه" ص ٨١، "مجاز القرآن" ١/ ٣٩٧، و"معاني القرآن"، للزجاج ٣/ ٢٧٤، و"جامع البيان" ١٥/ ٢١٣.
ووجدوا إخوانهم أيقاظا
ومثله: نَجْدٌ، نُجد، وأَنْجاد.
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ رُقُودٌ﴾ أي: نائمون، وهو مصدر سمِّي به، كما يقال: قوم ركوع، وقعود، وسجود، يوصف الجميع بالمصدر (١)، ومن قال: إنه جمع راقد، فقد أبعد؛ لأنه لم يجمع فاعل على فعول (٢).
(وإنما يحسبون أيقاظًا؛ لأن أعينهم مفتحة وهم نيام) (٣)؛ قاله الكلبي. وحكى أبو إسحاق: (لكثرة تقلبهم، يظن أنهم غير نيام. قال: ويدل على هذا قوله: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾) (٤)، وعلى هذا يجب أن يكثر تقلبهم.
قال قتادة: (ذكر لنا أن أبا عياض (٥) قال: كان لهم في كل عام
(١) "القرطبي" ١٠/ ٣٧٠، و"التفسير الكبير" ١١/ ١٠١، و"روح المعاني" ١٥/ ٢٢٤.
(٢) "معالم التنزيل" ٥/ ١٥٧، و"الدر المصون" ٧/ ٤٦٠، وقال القاسمي في "تفسيره" ١٠/ ٤٠٣٢: وما قيل أنه مصدر أطلق على الفاعل واستوى فيه القليل والكثير كركوع وقعود؛ لأن فاعلا لا يجمع على فعول، مردود بما نص عليه النحاة كما صرح به في المفصل والتسهيل.
(٣) "النكت والعيون" ٣/ ٢٩١، و"معالم التنزيل" ٥/ ١٥٨، و"الكشاف" ٢/ ٣٨٣، و"المحرر الوجيز" ٩/ ٢٥٩، وقال الألوسي في "تفسيره" ١٥/ ٢٢٤: ولو صح فتح أعينهم بسند يقطع العذر كان أبين في هذا الحسبان.
(٤) "معاني القرآن" للزجاج ٣/ ٢٧٤.
(٥) عمرو بن الأسود العنسي، الهمداني، الدمشقي، الدارني، أبو عياض، مخضرم، من كبار التابعين، أخرج له الستة، وكان من زهاد الشام الكبار، روى عن عمر وجماعة من الصحابة -رضي الله عنهم-، وروى عنه عدد من التابعين، توفى -رحمه الله- في خافة معاوية -رضي الله عنه-. انظر: "طبقات ابن سعد" ٧/ ١٥٣، و"الجرح والتعديل" ٣/ ٢٢٠، و"الحلية" لأبي نعيم ٥/ ١٥٥، و"تهذيب التهذيب" ٨/ ٤.
تقليبتان) (١).
وهو قول أبي هريرة (٢). قال ابن عباس في رواية عطاء: (لئلا تأكل الأرض لحومهم، ولا تبليهم) (٣).
وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: (يمكثون رقودًا على أيمانهم تسع سنين، ثم يقلبون على شمائلهم فيمكثون رقودًا تسع سنين) (٤). و ﴿ذَاتَ﴾ منصوبة على الظرف؛ لأن المعنى: نقلبهم في ناحية اليمين، كما قلنا في قوله: ﴿تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ قال ابن عباس وأكثر المفسرين: (هربوا ليلاً من ملكهم، فمروا براع معه كلب، فتبعهم على دينهم ومعه كلبه) (٥). وقال كعب: (مروا بكلب فنبح عليهم فطردوه، فعاد ففعلوا ذلك مرارًا، فقال لهم الكلب: ما تريدون مني؟ لا تخشوا جانبي، أنا أحب أحباء الله، فناموا حتى أحرسكم) (٦).
(١) "جامع البيان" ١٥/ ٢١٣، و"المحرر الوجيز" ٩/ ٢٦٠ ذكره بدون نسبة، و"الدر المنثور" ٤/ ٢٩١، و"التفسير الكبير" ١١/ ١٠١.
(٢) "معالم التنزيل" ٥/ ١٥٨، و"الجامع لأحكام القرآن" ١٠/ ٣٧٠، و"التفسير الكبير" ١١/ ١٠١.
(٣) "جامع البيان" ١٥/ ٢١٤، و"معالم التنزيل" ٥/ ١٥٨، و"زاد المسير" ٥/ ١١٨، و"تفسير القرآن العظيم" ٣/ ٨٥.
(٤) "روح المعاني" ١٥/ ٢٢٥، وذكره الرازي في "التفسير الكبير" ١١/ ١٠١ وقال: هذه التقديرات لا سبيل للعقل إليها، ولفظ القرآن لا يدل عليها، وما لم يأت فيه خبر صحيح فكيف يعرف؟
(٥) "المحرر الوجيز" ٩/ ٢٦١، و"الجامع لأحكام القرآن" ١٠/ ٣٧٠، و"التفسير الكبير" ١١/ ١٠١، و"الدر المنثور" ٤/ ٣٨٨.
(٦) "الجامع لأحكام القرآن" ١٠/ ٣٧٠، و"التفسير الكبير" ١١/ ١٠١، و"روح المعاني" ١٥/ ٢٢٥.
وقال عبيد بن عمير: (كان ذلك كلب صيدهم) (١).
ومعنى: ﴿بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ أي: يلقيهما على الأرض مبسوطتين غير مقبوضتين، ومنه الحديث في الصلاة: أنه نهى عن افتراش السبع، وقال: "لا تفترش ذراعيك افتراش السبع" (٢)، هو أن يضعهما على الأرض، والذراع: اسم جامع في كل ما يسمى يدًا من ذوي الأيدان.
قال الليث: (الذراع: من طرف المرفق إلى أطراف الأصبع الوسطى) (٣). قال ابن السكيت: (الذراع مؤنثة، تقول: هذه ذراع) (٤).
قال أبو علي: (لولا حكاية الحال لم يعمل اسم الفاعل في ذراعيه؛ لأنه إذا مضى اختص وصار معهودًا، فخرج بذلك من شبه الفعل، ألا ترى أن الفعل لا يكون معهودًا، فكما أن اسم الفاعل إذا وصف وحقر لم يعمل عمل الفعل لزوال شبهه عنه، كذلك إذا كان ماضيًا، ولكن المعنى على
(١) "المحرر الوجيز" ٩/ ٢٦١، و"الجامع لأحكام القرآن" ١٠/ ٣٧٠، و"تفسير القرآن العظيم" ٣/ ٨٥، و"التفسير الكبير" ١١/ ١٠١، و "محاسن التأويل" ١١/ ٤٠٣٢.
(٢) أخرجه ابن ماجه في "سننه" كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها باب الاعتدال في السجود ٢/ ٢٨٨، وأبو داود في "سننه" كتاب الصلاة، باب صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود ١/ ٥٣٩، والنسائي في "سننه" كتاب التطبيق، باب النهي عن بسط الذراعين في السجود، وأحمد في "مسنده" ٥/ ٤٤٧، وأخرج نحوه الترمذي في "جامعه" كتاب الصلاة، باب ما جاء في الاعتدال في السجود حديث رقم (٢٧٥) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأورده ابن الأثير في "جامع الأصول" كتاب الصلة، باب هيئة الركوع والسجود ٥/ ٣٧٤.
(٣) "تهذيب اللغة" (ذرع) ٢/ ١٢٧٧، و"القاموس المحيط" (الذراع) ص ٧١٦، و"لسان العرب" (ذرع) ٣/ ١٤٩٥.
(٤) "تهذيب اللغة" (ذرع) ٢/ ١٢٧٧، و"القاموس المحيط" (الذراع) ص ٧١٦، و"الصحاح" (ذرع) ٣/ ١٢٠٩.
حكايته الحال الماضية) (١). وهذا الفضل نذكره بأشرح من هذا عند قوله: ﴿رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢].
وقوله تعالى: ﴿بِالْوَصِيدِ﴾ قال ابن عباس في رواية على وعطاء: (بالفناء) (٢)، وهو قول أكثر المفسرين، قال مجاهد والضحاك: (يعني فناء الكهف) (٣)، وبه قال أكثر أهل اللغة.
روى أبو عبيد عن الأحمر (٤): (الوصيد: الفناء) (٥).
وقال الزجاج: (الوصيد: فناء البيت، وفناء الدار) (٦).
وقال أبو عبيدة: (الوصيد: الفناء، والجميع وصائد ووصدٌ) (٧).
وقال يونس والأخفش والفراء: (الوَصِيد والأصَيد لغتان، مثل:
(١) "الكشاف" ٢/ ٣٨٣، و"البحر المحيط" ٦/ ١٠٩، و"الدر المصون" ٧/ ٤٦٠، و"شرح الكافية الشافية" ٢/ ١٠٤٣.
(٢) "جامع البيان" ١٥/ ٢١٤، و"تفسير المشكل من غريب القرآن" ص ١٤٢، و"اللغات في القرآن" ص ٣٣، و"معاني القرآن" للفراء ٢/ ١٣٧، و"معالم التنزيل" ٥/ ١٥٨، و"الجامع لأحكام القرآن" ١٠/ ٢٤٣.
(٣) "جامع البيان" ١٥/ ٢١٤، و"معاني القرآن" للفراء ٢/ ١٣٧، و"تفسير كتاب الله العزيز" ٢/ ٤٥٣، و"معالم التنزيل" ٥/ ١٥٨.
(٤) أبان بن عثمان بن يحيى بن زكريا اللؤلؤي البجلي بالولاء، أبو عبد الله المعروف بالأحمر، عالم بالأخبار والأنساب، أصله من الكوفة، وكان يسكنها تارة، ويسكن البصرة تارة أخرى، أخذ عنه أبو عبيدة معمر بن المثنى، وأبو عبد الله بن سلام وغيرهما، وله مصنفات وكتب. انظر: "بغية الوعاة" (١٧٧)، و"إنباه الرواة" ١/ ١٧٠، و"الأعلام" ١/ ٢٧.
(٥) "تهذيب اللغة" (وصد) ١/ ١٦٥.
(٦) "معاني القرآن" للزجاج ٣/ ٢٧٤.
(٧) "مجاز القرآن" ٣/ ٢٧٤.
الوِكَاف (١) والإكاف) (٢).
وقال الكسائي: (أهل تهامة (٣) يقولون: الوصيد، وهو الفناء، وأهل نجد (٤) يقولون: الأصيد، والقرآن بلغة تهامة نزل) (٥).
وقال السدي: (الوصيد: الباب، وهو رواية عكرمة عن ابن عباس) (٦). واختيار المبرد قال: (﴿بِالْوَصِيدِ﴾ عند أهل اللغة: بالباب، أي: بحضرة الباب، يقال: فلان بالباب، وإنما يراد بحضرة الباب).
وقال عطاء: (الوصيد: عتبة الباب) (٧). وهو اختيار ابن قتيبة قال: (لأنهم يقولون: أوصد بابك، أي: أغلقه، قال: وأصله أن تلصق الباب
(١) يقال: استوكف: استقطر، والوِكَاف لغة في الإِكَاف. والوكفُ: الإثم والعيب، والوكف: النطع، والوِكَاف والإكَاف: يكون للبعير والحمار والبغل، والجمع وكف. انظر: "تهذيب اللغة" (وكف) ٤/ ٣٩٤٦، و"مقاييس اللغة" (وكف) ٦/ ١٣٩، و"الصحاح" (وكف) ٤/ ١٤٤١، و"لسان العرب" (وكف) ٨/ ٤٩٠٨.
(٢) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ١٣٧، و"تهذيب اللغة" (وصد) ١/ ١٦٥، و"التفسير الكبير" ١١/ ١٠١.
(٣) تِهَامة -بكسر التاء-: اسم لكل ما نزل عن نجد من بلاد الحجاز ومكة من تهامة، وقي: تهامة إلى عرق اليمن إلى أسياف البحر إلى الجحفة وذات عرق. انظر: "معجم البلدان" ٢/ ٦٣، و"تهذيب الأسماء واللغات" ٣/ ٤٤.
(٤) نَجْد -بفتح أوله وسكون ثانيه-: اسم للأرض العريضة التي أعلاها تهامة واليمن، وأسفلها العراق والشام، فما ارتفع من بطن الرمة فهو نجد إلى ثنايا ذات عرق. انظر: "معجم البلدان" ٥/ ٢٦١، و"تهذيب الأسماء واللغات" ٣/ ١٧٥.
(٥) "جامع البيان" ١٥/ ٢١٥، و"زاد المسير" ٥/ ١١٩، و"تهذيب اللغة" (وصد) ١/ ١٦٥.
(٦) "معالم التنزيل" ٥/ ١٥٨، و"الكشاف" ٢/ ٣٨٣، و"زاد المسير" ٥/ ١١٩.
(٧) "تفسير المشكل من غريب القرآن" ص ١٤٢، و"النكت العيون" ٣/ ٢٩٢، و"معالم التنزيل" ٣/ ١٥٤، و"الكشاف" ٢/ ٣٨٣.
بالعتبة [إذا أغلقته، والكهف لم يكن له باب ولا عتبة، وإنما أراد أن الكلب منه بموضع العتبة من البيت] (١)، قال: وقد يكون الوصيد الباب نفسه) (٢)، وأنشد (٣):
بأرض فضاءٍ لا يسدُّ وصيدهاعليَّ ومعروفي بها غير منكرِ
ويقال: أصدت الباب، وأوصدته إذا أطبقته، وباللغتين قرئ: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ [الهمزة: ٨] (٤). فمن قال: أَصَدت بالهمزة، قال: الأصيد، ومن قال: أوصدت، قال: الوصيد، ويقال للمطبق: الأصاد والوصاد، وهذا الاشتقاق يوجب أن يكون معنى الوصيد: الباب المطبق المجافى، فالذين قالوا: إنه الباب، وافق قولهم أصل اللفظ في اللغة، ويكون معنى الوصيد في الكهف: بأنه المسدود، كما روي في القصة: أن باب الكهف سدَّ عليهم، والذين قالوا: إنه الفناء؛ فلأن الكلب إذا كان داخل الكهف وراء بابه المسدود كان بالفناء؛ لأن ما جاوز فم الكهف كان من جملة الفناء، والكلب كان في آخر الفناء عند الباب. والقولان صحيحان على ما
(١) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).
(٢) "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ١/ ٢٦٥، و"النكت والعيون" ٣/ ٢٩٢.
(٣) البيت ينسب إلى عبيد بن وهب العبسي. انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ١/ ٢٦٥، و"النكت والعيون" ٣/ ٢٩٢، و"البحر المحيط" ٦/ ٩٣، و"الجامع لأحكام القرآن" ١٠/ ٣٥١، و"روح المعاني" ١٥/ ٢٢٦، و"الدر المصون" ٧/ ٤٦١.
(٤) قرأ ابن كثير، وابن عامر، وعاصم في رواية أبي بكر، والكسائي: (موصدة) بغير همز، وقرأ أبو عمرو، وحمزة، وحفص عن عاصم: (مؤصدة) بالهمز. انظر: "السبعة" ص ٦٨٦، و"التبصرة" ص ٣٨١، و"المبسوط في القراءات" ص ٤١٠، و"الكشف عن وجوه القراءات" ٢/ ٣٧٧.
بينا (١)؛ وأما ما روي عن سعيد بن جبير أنه فسر الوصيد: (الصعيد، والتراب) (٢)؛ فإنه أراد الفناء، ولكنه عبر بالصعيد.
وقوله تعالى: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ﴾، أي: أشرفت عليهم، يقال: أطلعت فلانًا على الشيء فاطلع هو، قال الله تعالى: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ﴾ [الصافات: ٥٥].
﴿لوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا﴾، أي: لأدبرت وانقلبت منهم فرارًا. قال الزجاج: (منصوب على المصدر؛ لأن معنى وليت منهم: فررت منهم) (٣). ﴿وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ أي: فزعًا وخوفًا، قال المفسرون: (هو أن الله تعالى منعهم بالرعب لئلا يراهم أحد) (٤).
وقال أبو إسحاق: (قيل في التفسير: إنهم طالت شعورهم جدًا، وأظفارهم، فلذلك كان الرائي لو رآهم لهرب مرعوبًا) (٥).
(١) قال الطبري في "تفسيره" ١٥/ ٢١٥: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال الوصيد: الباب أو فناء الباب، حيث يغلق الباب، وذلك أن الباب يوصد، وإيصاده إطباقه وإغلاقه من قول الله -سبحانه وتعالى-: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ [الهمزة: ٨]. وانظر: "أضواء البيان" ٤/ ٤١.
(٢) "جامع البيان" ١٥/ ٢١٤، و"المحرر الوجيز" ٩/ ٢٦٣، و"زاد المسير" ٥/ ١١٩، و"الدر المنثور" ٤/ ٣٩٢.
(٣) "معاني القرآن" للزجاج ٣/ ٢٧٥.
(٤) "جامع البيان" ١٥/ ٢١٥، و"النكت والعيون" ٣/ ٢٩٣، و"معالم التنزيل" ٥/ ١٥٩، و"المحرر الوجيز" ٩/ ٢٦٤.
(٥) "معاني القرآن" للزجاج ٣/ ٢٧٥. وهذا قول بعيد، ولو كانت حالهم هكذ لم يقولوا ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩]، وإذا الصحيح -والله أعلم- في آمرهم أن الله -عز وجل- حفظ لهم الحالة التى ناموا عليها لتكون لهم ولغيرهم آية. قال الشوكاني في "تفسيره" ٣/ ٣٩٣: ويدفعه قوله تعالى: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ =
وفي قوله: ﴿وَلَمُلِئْتَ﴾ قراءتان: التخفيف، والتشديد (١)، والاختيار التخفيف. قال أبو الحسن: (الخفيفة أجود في كلام العرب، يقولون: ملأتني رعبًا، ولا يكادون يعرفون (٢) ملأتني) (٣). ويدل على هذا كثرة استعمالهم الملء كقوله (٤):
فيملأ بيتنا أقطًا وسمنًا
وقول الآخر (٥):
ومن مالئ من شيء غيره إذاراح نحو الحمرة البيض بالدُّمى
وقول الآخر (٦):
= فإن ذلك يدل على أنهم لم ينكروا من حالهم شيئًا ولا وجدوا من أظافرهم وشعورهم ما يدل على طول المدة. وانظر: "المحرر الوجيز" ٩/ ٢٦٤، و"الجامع لأحكام القرآن" ١٠/ ٣٧٣.
(١) قرأ ابن كثير، ونافع: (ولَمُلِّئْت) بالتشديد والهمز. وقرأ ابن عامر، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: (ولملئت) بالتخفيف والهمز. انظر: "السبعة" (٣٨٩)، و"الحجة للقراء السبعة" ٥/ ١٣٤، و"الغاية" ص ٣٠٥، و"التبصرة" ٢٤٨، و"النشر في القراءات العشر" ٢/ ٣١٠.
(٢) من هنا ساقط حتى قوله: (.. المختلفون في عدد) من نسخة (ص).
(٣) "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ١٣٤، و"التفسير الكبير" ١١/ ١٠١.
(٤) هذا صدر بيت لامرئ القيس. وعجزه:
وحسبك من غنى شبع وريُّ
والأقطُ: شيء يتخذ من اللبن المخيض يطبخ ثم يترك ثم يمصل.
والسَّمنُ: سلاء الزبد. انظر: "ديوانه" ص ١٧١، و"الحجة للقراء السبعة" ٥/ ١٣٤، و"التفسير الكبير" ١١/ ١٠٢، و"لسان العرب" (سمن) ٤/ ٢١٠٤.
(٥) لم أهتد إلى قائله، وأورد أبو علي الفارسي الشطر الأول منه في كتابه "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ١٣٥ بدون نسبة، وكذلك الرازي في "التفسير الكبير" ١١/ ١٠٢.
(٦) هذا شطر بيت من الرجز. وبعده: =

تفسير هذه الآية من كتب أخرى