زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَكَذلِكَ بَعَثْنَاهُمْ﴾ أي : وكما فعلنا بهم ما ذكرنا، بعثناهم من تلك النومة ﴿لِيَتَسَاءلُوا﴾ أي : ليكون بينهم تساؤل وتنازع واختلاف في مدة لبثهم، فيفيد تساؤلهم اعتبار المعتبرين بحالهم. ﴿قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ﴾ أي : كم مر علينا منذ دخلنا هذا الكهف ؟ ﴿قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ وذلك أنهم دخلوا غدوة، وبعثهم الله في آخر النهار، فلذلك قالوا :" يَوْماً " فلما رأوا الشمس قالوا :﴿أو بعض يوم﴾ ﴿قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ قال ابن عباس : القائل لهذا يمليخا رئيسهم، رد علم ذلك إلى الله تعالى. وقال في رواية أخرى : إنما قاله مكسلمينا، وهو أكبرهم. قال أبو سليمان : وهذا يوجب أن تكون نفوسهم قد حدثتهم أنهم قد لبثوا أكثر مما ذكروا. وقيل : إنما قالوا ذلك، لأنهم رأوا أظفارهم وأشعارهم قد طالت جداً.
قوله تعالى :﴿فَابْعَثُواْ أَحَدَكُمْ﴾ قال ابن الأنباري : إنما قال :﴿أحدكم﴾، ولم يقل : واحدكم، لئلا يلتبس البعض بالممدوح المعظم، فإن العرب تقول : رأيت أحد القوم، ولا يقولون : رأيت واحد القوم، إلا إذا أرادوا المعظم، فأراد بأحدهم : بعضهم، ولم يرد شريفهم.
قوله تعالى :﴿بِوَرِقِكُمْ﴾ قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، والكسائي، وحفص عن عاصم :" بورقكم " الراء مكسورة خفيفة. وقرأ أبو عمرو، وحمزة، وأبو بكر عن عاصم : ساكنة الراء. وعن أبي عمرو :" بورقكم " مدغمة يشمها شيئاً من التثقيل ؛ قال الزجاج : تصير كافاً خالصة. قال الفراء : الورق لغة أهل الحجاز، وتميم يقولون : الورق، وبعض العرب يكسرون الواو، فيقولون : الورق. قال ابن قتيبة. الورق : الفضة، دراهم كانت أو غير دراهم، يدلك على ذلك حديث عرفجة أنه اتخذ أنفاً من ورق.
قوله تعالى :﴿إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ يعنون التي خرجوا منها، واسمها دقسوس، ويقال : هي اليوم طرسوس.
قوله تعالى :﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا﴾ قال الزجاج : المعنى : أي أهلها ﴿أَزْكَى طَعَامًا﴾ وللمفسرين في معناه ستة أقوال :
أحدها : أحل ذبيحة، قاله ابن عباس، وعطاء، وذلك أن عامة أهل بلدهم كانوا كفاراً، فكانوا يذبحون للطواغيت، وكان فيهم قوم يخفون إيمانهم.
والثاني : أحل طعاما، ً قاله سعيد بن جبير ؛ قال الضحاك : وكانت أكثر أموالهم غصوباً. وقال مجاهد : قالوا لصاحبهم لا تبتع طعاماً فيه ظلم ولا غصب.
والثالث : أكثر، قاله عكرمة.
والرابع : خير، أي : أجود، قاله قتادة.
والخامس : أطيب، قاله ابن السائب، ومقاتل.
والسادس : أرخص، قاله يمان بن رياب. قال ابن قتيبة : وأصل الزكاء : النماء والزيادة.
قوله تعالى :﴿فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مّنْهُ﴾ أي : بما تأكلونه. ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ أي : ليدقق النظر فيه، وليحتل لئلا يطلع عليه. ﴿وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ﴾ أي : ولا يخبرن أحداً بمكانكم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى