محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١٩ من سورة الكهف في ١٢٢ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و١٤ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١٩ من سورة الكهف

١٢٢ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَآءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُواْ رَبّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هََذِهِ إِلَىَ الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيّهَآ أَزْكَىَ طَعَاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مّنْهُ وَلْيَتَلَطّفْ وَلاَ يُشْعِرَنّ بِكُمْ أَحَداً * إِنّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوَاْ إِذاً أَبَداً﴾.
يقول تعالى ذكره : كما أرقدنا هؤلاء الفتية في الكهف، فحفظناهم من وصول واصل إليهم، وعين ناظر أن ينظر إليهم، وحفظنا أجسامهم من البلاء على طول الزمان، وثيابهم من العفن على مرّ الأيام بقدرتنا فكذلك بعثناهم من رقدتهم، وأيقظناهم من نومهم، لنعرّفهم عظيم سلطاننا، وعجيب فعلنا في خلقنا، وليزدادوا بصيرة في أمرهم الذي هم عليه من براءتهم من عبادة الآلهة، وإخلاصهم لعبادة الله وحده لا شريك له، إذا تبيّنوا طول الزمان عليهم، وهم بهيئتهم حين رقدوا. وقوله : لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهُمْ يقول : ليسأل بعضهم بعضا قالَ قائلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ يقول عزّ ذكره : فتساءلوا فقال قائل منهم لأصحابه : كَمْ لبثْتمْ وذلك أنهم استنكروا من أنفسهم طول رقدتهم قالُوا لَبِثْنا يَوْما أوْ بَعْضَ يَوْمٍ يقول : فأجابه الآخرون فقالوا : لَبِثْنا يوما أو بعض يوم. ظنا منهم أن ذلك كذلك كان، فقال الاَخرون : رَبّكُمْ أعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فسلّموا العلم إلى الله.
وقوله : فابْعَثُوا أحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إلى المَدِينَةِ يعني مدينتهم التي خرجوا منها هِرابا، التي تسمى أفسوس فَلْيَنْظُرْ أيّها أزْكَى طَعاما فَلْيأَتِكُمْ بِرزْقٍ مِنْهُ ذكر أنهم هبوا من رقدتهم جياعا، فلذلك طلبوا الطعام. ذكر من قال ذلك، وذكر السبب الذي من أجله ذكر أنهم بعثوا من رقدتهم حين بعثوا منها :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، قال : أخبرني إسماعيل بن بشروس، أنه سمع وهب بن منبه يقول : إنهم غبروا، يعني الفتية من أصحاب الكهف بعد ما بنى عليهم باب الكهف زمانا بعد زمان، ثم إن راعيا أدركه المطر عند الكهف، فقال : لو فتحت هذا الكهف وأدخلت غنمي من المطر، فلم يزل يعالجه حتى فتح ما أدخله فيه، وردّ إليهم أرواحهم في أجسامهم من الغد حين أصبحوا، فبعثوا أحدهم بورق يشتري طعاما فلما أتى باب مدينتهم، رأى شيئا يُنكره، حتى دخل على رجل فقال : بعني بهذه الدراهم طعاما، فقال : ومن أين لك هذه الدراهم ؟ قال : خرجت أنا وأصحاب لي أمس، فآوانا الليل، ثم أصبحوا، فأرسلوني، فقال : هذه الدراهم كانت على عهد مُلك فلان، فأنيّ لك بها ؟ فرفعه إلى الملك، وكان ملكا صالحا، فقال : من أين لك هذه الوَرق ؟ قال : خرجت أنا وأصحاب لي أمس، حتى أدركَنا الليل في كهف كذا وكذا، ثم أمروني أن أشتري لهم طعاما قال : وأين أصحابك ؟ قال : في الكهف قال : فانطلقوا معه حتى أتوا باب الكهف، فقال : دعوني أدخل على أصحابي قبلكم فلما رأوه، ودنا منهم ضُرِب على أذنه وآذانهم، فجعلوا كلما دخل رجل أرعب، فلم يقدروا على أن يدخلوا عليهم، فبنوا عندهم كنيسة، اتخذوها مسجدا يصلون فيه.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، عن عكرمة، قال : كان أصحاب الكهف أبناء ملوك الروم، رزقهم الله الإسلام، فتعوّذوا بدينهم، واعتزلوا قومهم، حتى انتهوا إلى الكهف، فضَرَب الله على سمعهم، فلبثوا دهرا طويلاً، حتى هَلكت أمتهم، وجاءت أمّة مسلمة، وكان ملكهم مسلما، فاختلفوا في الروح والجسد، فقال قائل : يبعث الروح والجسد جميعا وقال قائل : يُبعث الروح، فأما الجسد فتأكله الأرض، فلا يكون شيئا فشقّ على ملكهم اختلافهم، فانطلق فلبس المُسُوح، وجلس على الرّماد، ثم دعا الله تعالى فقال : أي ربّ، قد ترى اختلاف هؤلاء، فابعث لهم آية تبين لهم، فبعث الله أصحاب الكهف، فبعثوا أحدهم يشتري لهم طعاما، فدخل السوق، فجعل يُنكر الوجوه، ويعرف الطرق، ويرى الإيمان بالمدينة ظاهرا، فانطلق وهو مستخف حتى أتى رجلاً يشتري منه طعاما فلما نظر الرجل إلى الوَرِق أنكرها، قال : حسبت أنه قال : كأنها أخفاف الرّبَع، يعني الإبل الصغار، فقال له الفتى : أليس ملككم فلانا ؟ قال : بل ملكنا فلان فلم يزل ذلك بينهما حتى رفعه إلى الملك، فسأله، فأخبره الفتى خبر أصحابه، فبعث الملك في الناس، فجمعهم، فقال : إنكم قد اختلفتم في الروح والجسد، وإن الله قد بعث لكم آية، فهذا رجل من قوم فلان، يعني ملكهم الذي مضى، فقال الفتى : انطلقوا بي إلى أصحابي فركب الملك، وركب معه الناس حتى انتهوا إلى الكهف فقال الفتى دعوني أدخل إلى أصحابي، فلما أبصرهم ضُرِب على أذنه وعلى آذانهم فلما استبطؤوه دخل الملك، ودخل الناس معه، فإذا أجساد لا ينكرون منها شيئا، غير أنها لا أرواح فيها، فقال الملك : هذه آية بعثها الله لكم. قال قتادة : وعن ابن عباس، كان قد غزا مع حبيب بن مسلمة، فمرّوا بالكهف، فإذا فيه عظام، فقال رجل : هذه عظام أصحاب الكهف، فقال ابن عباس : لقد ذهبت عظامهم منذ أكثر من ثلاث مئة سنة.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق فيما ذكر من حديث أصحاب الكهف، قال : ثم ملك أهل تلك البلاد رجل صالح يقال له تيذوسيس فلما ملك بقي ملكه ثمانيا وستين سنة، فتحزّب الناس في مُلكه، فكانوا أحزابا، فمنهم من يؤمن بالله، ويعلم أنّ الساعة حقّ، ومنهم من يكذّب، فكبر ذلك على الملك الصالح تيذوسيس، وبكى إلى الله وتضرّع إليه، وحزن حزنا شديدا لما رأى أهل الباطل يزيدون ويظهرون على أهل الحقّ ويقولون : لا حياة إلا الحياة الدنيا، وإنما تُبعث النفوس، ولا تُبعث الأجساد، ونسُوا ما في الكتاب فجعل تيذوسيس يرسل إلى من يظنّ فيه خيرا، وأنهم أئمة في الحقّ، فجعلوا يكذّبون بالساعة، حتى كادوا أن يُحوّلوا الناس عن الحقّ ومِلة الحَواريين فلما رأى ذلك الملك الصالح تيذوسيس، دخل بيته فأغلقه عليه، ولبس مِسْحا وجعل تحته رمادا، ثم جلس عليه، فدأب ذلك ليله ونهاره زمانا يتضرّع إلى الله، ويبكي إليه مما يرى فيه الناس ثم إن الرحمن الرحيم الذي يكره هلكة العباد، أراد أن يَظْهر على الفتية أصحاب الكهف، ويبين للناس شأنهم، ويجعلهم آية لهم، وحجة عليهم، ليعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن يستجيب لعبده الصالح تيذوسيس، ويتمّ نعمته عليه، فلا ينزع منه مُلكه، ولا الإيمان الذي أعطاه، وأن يعبد الله لا يشرك به شيئا، وأن يجمع من كان تبدّد من المؤمنين، فألقى الله في نفس رجل من أهل ذلك البلد الذي به الكهف، وكان الجبل بنجلوس الذي فيه الكهف لذلك الرجل، وكان اسم ذلك الرجل أولياس، أن يهدم البنيان الذي على فم الكهف، فيبنى به حظيرة لغنمه، فاستأجر عاملين، فجعلا ينزعان تلك الحجارة، ويبنيان بها تلك الحظيرة، حتى نزعا ما على فم الكهف، حتى فتحا عنهم باب الكهف، وحجبهم الله من الناس بالرعب فيزعمون أن أشجع من يريد أن ينظر إليهم غاية ما يمكنه أن يدخل من باب الكهف، ثم يتقدّم حتى يرى كلبهم دونهم إلى باب الكهف نائما فلما نزعا الحجارة، وفتحا عليهم باب الكهف، أذن الله ذو القدرة والعظمة والسلطان محيي الموتى للفتية أن يجلسوا بين ظهري الكهف، فجلسوا فرحين مُسْفِرة وجوههم طيّبة أنفُسهم، فسلّم بعضهم على بعض، حتى كأنما استيقظوا من ساعتهم التي كانوا يستيقظون لها إذا أصبحوا من ليلتهم التي يبيتون فيها. ثم قاموا إلى الصلاة فصلّوا، كالذي كانوا يفعلون، لا يرَون، ولا يُرَى في وجوههم، ولا أبشارهم، ولا ألوانهم شيء يُنكرونه كهيئتهم حين رقدوا بعشيّ أمس، وهم يرون أن ملكهم دقينوس الجبار في طلبهم والتماسهم.
فلما قضوا صلاتهم كما كانوا يفعلون، قالوا ليمليخا، وكان هو صاحب نفقتهم، الذي كان يبتاع لهم طعامهم وشرابهم من المدينة، وجاءهم بالخبر أن دقينوس يلتمسنهم، ويسأل عنهم : أنبئنا يا أخي ما الذي قال الناس في شأننا عشيّ أمسى عند هذا الجبار ؟ وهم يظنون أنهم رقدوا كبعض ما كانوا يرقدون، وقد خُيّل إليهم أنهم قد ناموا كأطول ما كانوا ينامون في الليلة التي أصبحوا فيها، حتى تساءلوا بينهم، فقال بعضهم لبعض : كَمْ لَبِثْتُمْ نياما ؟ قالُوا لَبِثْنا يَوْما أوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبّكُمْ أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ وكل ذلك في أنفسهم يسير. فقال لهم يمليخا : افتُقِدْتم والتمستم بالمدينة، وهو يريد أن يُؤْتَى بكم اليوم، فتَذْبحُون للطواغيت، أو يقتُلُكم، فما شاء الله بعد ذلك. فقال لهم مكسلمينا : يا إخوتاه اعلموا أنكم ملاَقوْن، فلا تكفروا بعد إيمانكم إذا دعاكم عدوّ الله، ولا تُنكروا الحياة التي لا تبيد بعد إيمانكم بالله، والحياة من بعد الموت ثم قالوا ليمليخا : انطلق إلى المدينة فتسمّع ما يقال لنا بها اليوم، وما الذي نُذكر به عند دقينوس، وتلطّف، ولا يشعَرنّ بنا أحد، وابتع لنا طعاما فأتنا به، فإنه قد آن لك، وزدنا على الطعام الذي قد جئتنا به، فإنه قد كان قليلاً، فقد أصبحنا جياعا ففعل يمليخا كما كان يفعل، ووضع ثيابه، وأخذ الثياب التي كان يتنكر فيها، وأخذ وَرِقا من نفقتهم التي كانت معهم، التي ضُربت بطابَع دقينوس الملك، فانطلق يمليخا خارجا فلما مرّ بباب الكهف، رأى الحجارة منزوعة عن باب الكهف، فعجب منها، ثم مرّ فلم يبال بها، حتى أتى المدينة مستخفيا يصدّ عن الطريق تخوّفا أن يراه أحد من أهلها، فيعرفه، فيذهب به إلى دقينوس، ولا يشعر العبد الصالح أن دقينوس وأهل زمانه قد هَلكوا قبل ذلك بثلاث مئة وتسع سنين، أو ما شاء الله من ذلك إذ كان ما بين أن ناموا إلى أن استيقظوا ثلاث مئة وتسع سنين. فلما رأى يمليخا باب المدينة رفع بصره، فرأى فوق ظهر الباب علامة تكون لأهل الإيمان، إذا كان ظاهرا فيها فلما رآها عجب وجعل ينظر مستخفيا إليها فنظر يمينا وشمالاً، فتعجب بينه وبين نفسه، ثم ترك ذلك الباب، فتحوّل إلى باب آخر من أبوابها، فنظر فرأى من ذلك ما يحيط بالمدينة كلها، ورأى على كلّ باب مثل ذلك فجعل يخيل إليه أن المدينة ليس بالمدينة التي كان يعرف، ورأى ناسا كثيرين محدثين لم يكن يراهم قبل ذلك، فجعل يمشي ويعجب ويخيل إليه أنه حيران ثم رجع إلى الباب الذي أتى منه، فجعل يعجب بينه وبين نفسه ويقول : يا ليت شعري، أما هذه عشية أمس، فكان المسلمون يخفون هذه العلامة ويستخفون بها، وأما اليوم فإنها ظاهرة لعليّ حالم ؟ ثم يرى أنه ليس بنائم فأخذ كساءه فجعله على رأسه، ثم دخل المدينة، فجعل يمشي بين ظهري سوقها، فيسمع أناسا كثيرا يحلفون باسم عيسى ابن مريم، فزاده
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
من قول الله عز وجل: (إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ) وفيه لغتان: الأصيد، وهي لغة أهل نجد، والوصيد: وهي لغة أهل تهامة وذُكِر عن أبي عمرو بن العلاء، قال: إنها لغة أهل اليمن، وذلك نظير قولهم: ورّخت الكتاب وأرخته، ووكدت الأمر وأكدته، فمن قال الوصيد، قال: أوصدت الباب فأنا أُوصِده، وهو مُوصَد، ومن قال الأصيد، قال: آصدت الباب فهو مُؤْصَد، فكان معنى الكلام: وكلبهم باسط ذراعيه بفناء كهفهم عند الباب، يحفظ عليهم بابه.
وقوله: (لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا) يقول: لو اطلعت عليهم في رقدتهم التي رقدوها في كهفهم، لأدبرت عنهم هاربا منهم فارّا، (وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا) يقول:
ولملئت نفسُك من اطلاعك عليهم فَزَعا، لما كان الله ألبسهم من الهيبة، كي لا يصل إليهم واصل، ولا تلمِسهم يد لامس حتى يبلغ الكتاب فيهم أجله، وتوقظهم من رقدتهم قدرته وسلطانه في الوقت الذي أراد أن يجعلهم عبرة لمن شاء من خلقه، وآية لمن أراد الاحتجاج بهم عليه من عباده، ليعلموا أن وعد الله حق، وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله: (وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا) فقرأته عامة قراء المدينة بتشديد اللام من قوله: (وَلَمُلِّئْتَ) بمعنى أنه كان يمتلئ مرّة بعد مرّة. وقرأ ذلك عامة قراء العراق: (وَلَمُلِئْتَ) بالتخفيف، بمعنى: لملئت مرّة، وهما عندنا قراءتان مستفيضتان في القراءة، متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠)﴾
يقول تعالى ذكره: كما أرقدنا هؤلاء الفتية في الكهف، فحفظناهم من وصول واصل إليهم، وعين ناظر أن ينظر إليهم، وحفظنا أجسامهم من البلاء على طول الزمان، وثيابهم من العفن على مرّ الأيام بقدرتنا، فكذلك بعثناهم من رقدتهم، وأيقظناهم من نومهم، لنعرّفهم عظيم سلطاننا، وعجيب فعلنا في خلقنا، وليزدادوا بصيرة في أمرهم الذي هم عليه من براءتهم من عبادة الآلهة، وإخلاصهم لعبادة الله وحده لا شريك له، إذا تبيَّنوا طول الزمان عليهم، وهم بهيئتهم حين رقدوا، وقوله: (لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ) يقول: ليسأل بعضهم بعضا (قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ) يقول عزّ ذكره: فتساءلوا فقال قائل منهم لأصحابه: (كَمْ لَبِثْتمْ) وذلك أنهم استنكروا من أنفسهم طول رقدتهم (قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) يقول: فأجابه الآخرون فقالوا: لبثنا يوما أو بعض يوم، ظنا منهم أن ذلك كذلك كان، فقال الآخرون: (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ) فسلِّموا العلم إلى الله.
وقوله: (فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ) يعني مدينتهم التي خرجوا منها هِرابا، التي تسمى أفسوس (فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ) ذكر أنهم هبوا من رقدتهم جِياعا، فلذلك طلبوا الطعام.
* ذكر من قال ذلك، وذكر السبب الذي من أجله ذكر أنهم بعثوا من رقدتهم حين بعثوا منها:
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: أخبرني إسماعيل بن بشروس، أنه سمع وهب بن منبه يقول: إنهم غبروا، يعني الفتية من أصحاب الكهف بعد ما بني عليهم باب الكهف زمانا بعد زمان، ثم إن راعيا أدركه المطر عند الكهف، فقال: لو فتحت هذا الكهف وأدخلت غنمي من المطر، فلم يزل يعالجه حتى فتح ما أدخله فيه، وردّ إليهم أرواحهم في أجسامهم من الغد حين أصبحوا، فبعثوا أحدهم بورق يشتري طعاما، فلما أتى باب مدينتهم، رأى شيئا يُنكره، حتى دخل على رجل فقال: بعني بهذه الدراهم طعاما، فقال: ومن أين لك هذه الدراهم؟ قال: خرجت أنا وأصحاب لي أمس، فآوانا الليل، ثم أصبحوا، فأرسلوني، فقال: هذه الدراهم كانت على عهد مُلك فلان، فأنَّى لك بها، فرفعه إلى الملك، وكان
ملكا صالحا، فقال: من أين لك هذه الورق؟ قال: خرجت أنا وأصحاب لي أمس، حتى أدركنا الليل في كهف كذا وكذا، ثم أمروني أن أشتريَ لهم طعاما، قال: وأين أصحابك؟ قال: في الكهف، قال: فانطلقوا معه حتى أتوا باب الكهف، فقال: دعوني أدخل على أصحابي قبلكم، فلما رأوه، ودنا منهم ضُرِب على أذنه وآذانهم، فجعلوا كلما دخل رجل أرعب، فلم يقدروا على أن يدخلوا عليهم، فبنوا عندهم كنيسة، اتخذوها مسجدا يصلون فيه.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، عن عكرمة، قال: كان أصحاب الكهف أبناء ملوك الروم، رزقهم الله الإسلام، فتعوّذوا بدينهم، واعتزلوا قومهم، حتى انتهوا إلى الكهف، فضرب الله على سمعهم، فلبثوا دهرا طويلا حتى هلكت أمتهم، وجاءت أمة مسلمة، وكان ملكهم مسلما، فاختلفوا في الروح والجسد، فقال قائل: يبعث الروح والجسد جميعا، وقال قائل: يُبعث الروح، فأما الجسد فتأكله الأرض، فلا يكون شيئا، فشقّ على ملكهم اختلافهم، فانطلق فلبس المُسُوح، وجلس على الرَّماد، ثم دعا الله تعالى فقال: أي ربّ، قد ترى اختلاف هؤلاء، فابعث لهم آية تبين لهم، فبعث الله أصحاب الكهف، فبعثوا أحدهم يشتري لهم طعاما، فدخل السوق، فجعل يُنكر الوجوه، ويعرف الطرق، ويرى الإيمان بالمدينة ظاهرا، فانطلق وهو مستخف حتى أتى رجلا يشتري منه طعاما، فلما نظر الرجل إلى الوَرِق أنكرها، قال: حسبت أنه قال: كأنها أخفاف الرُّبَع، يعني الإبل الصغار، فقال له الفتى: أليس ملككم فلانا؟ قال: بل ملكنا فلان، فلم يزل ذلك بينهما حتى رفعه إلى الملك، فسأله، فأخبره الفتى خبر أصحابه، فبعث الملك في الناس، فجمعهم، فقال: إنكم قد اختلفتم في الروح والجسد، وإن الله قد بعث لكم آية، فهذا رجل من قوم فلان، يعني ملكهم الذي مضى، فقال الفتى: انطلقوا بي إلى أصحابي، فركب الملك، وركب معه الناس حتى انتهوا إلى الكهف، فقال الفتى دعوني أدخل إلى أصحابي، فلما أبصرهم ضُرِب على أذنه وعلى آذانهم، فلما استبطئوه دخل الملك، ودخل الناس معه، فإذا أجساد لا ينكرون منها شيئا، غير أنها لا أرواح فيها، فقال الملك: هذه آية بعثها الله لكم، قال قتادة: وعن ابن عباس، كان قد غزا مع حبيب بن مسلمة،
فمرّوا بالكهف، فإذا فيه عظام، فقال رجل: هذه عظام أصحاب الكهف، فقال ابن عباس، لقد ذهبت عظامهم منذ أكثر من ثلاث مئة سنة.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق فيما ذكر من حديث أصحاب الكهف، قال: ثم ملك أهل تلك البلاد رجل صالح يقال له تيذوسيس، فلما ملك بقي ملكه ثمانيا وستين سنة، فتحزّب الناس في مُلكه، فكانوا أحزابا، فمنهم من يؤمن بالله، ويعلم أنّ الساعة حقّ، ومنهم من يكذّب، فكبر ذلك على الملك الصالح تيذوسيس، وبكى إلى الله وتضرّع إليه، وحزن حزنا شديدا لما رأى أهل الباطل يزيدون ويظهرون على أهل الحق ويقولون: لا حياة إلا الحياة الدنيا، وإنما تُبعث النفوس، ولا تُبعث الأجساد، ونسُوا ما في الكتاب، فجعل تيذوسيس يرسل إلى من يظنّ فيه خيرا، وأنهم أئمة في الحق، فجعلوا يكذّبون بالساعة، حتى كادوا أن يُحوّلوا الناس عن الحق وملةِ الحَواريين، فلما رأى ذلك الملك الصالح تيذوسيس، دخل بيته فأغلقه عليه، ولبس مِسْحا وجعل تحته رمادا، ثم جلس عليه، فدأب ذلك ليله ونهاره زمانا يتضرّع إلى الله، ويبكي إليه مما يرى فيه الناس، ثم إن الرحمن الرحيم الذي يكره هلكة العباد، أراد أن يَظْهر على الفتية أصحاب الكهف، ويبين للناس شأنهم، ويجعلهم آية لهم، وحجة عليهم، ليعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن يستجيب لعبده الصالح تيذوسيس، ويتمّ نعمته عليه، فلا ينزع منه مُلكه، ولا الإيمان الذي أعطاه، وأن يعبد الله لا يشرك به شيئا، وأن يجمع من كان تبدّد من المؤمنين، فألقى الله في نفس رجل من أهل ذلك البلد الذي به الكهف، وكان الجبل بنجلوس الذي فيه الكهف لذلك الرجل، وكان اسم ذلك الرجل أولياس، أن يهدم البنيان الذي على فم الكهف، فيبني به حظيرة لغنمه، فاستأجر عاملين، فجعلا ينزعان تلك الحجارة، ويبنيان بها تلك الحظيرة، حتى نزعا ما على فم الكهف، حتى فتحا عنهم باب الكهف، وحجبهم الله من الناس بالرعب، فيزعمون أن أشجع من يريد أن ينظر إليهم غاية ما يمكنه أن يدخل من باب الكهف، ثم يتقدم حتى يرى كلبهم دونهم إلى باب الكهف نائما، فلما نزعا الحجارة، وفتحا عليهم باب الكهف، أذن الله ذو القدرة والعظمة والسلطان محيي الموتى للفتية أن يجلسوا بين ظهراني الكهف، فجلسوا فرحين مُسْفِرة وجوههم طيِّبة أنفُسهم، فسلَّم
بعضهم على بعض، حتى كأنما استيقظوا من ساعتهم التي كانوا يستيقظون لها إذا أصبحوا من ليلتهم التي يبيتون فيها، ثم قاموا إلى الصلاة فصلّوا، كالذي كانوا يفعلون، لا يَرون، ولا يُرَى في وجوههم، ولا أبشارهم، ولا ألوانهم شيء يُنكرونه كهيئتهم حين رقدوا بعشيّ أمس، وهم يرون أن ملكهم دقينوس الجبار في طلبهم والتماسهم فلما قضوا صلاتهم كما كانوا يفعلون، قالوا ليمليخا، وكان هو صاحب نفقتهم، الذي كان يبتاع لهم طعامهم وشرابهم من المدينة، وجاءهم بالخبر أن دقينوس يلتمسهم، ويسأل عنهم: أنبئنا يا أخي ما الذي قال الناس في شأننا عشيّ أمس عند هذا الجبار، وهم يظنون أنهم رقدوا كبعض ما كانوا يرقدون، وقد خُيِّل إليهم أنهم قد ناموا كأطول ما كانوا ينامون في الليلة التي أصبحوا فيها، حتى تساءلوا بينهم، فقال بعضهم لبعض: (كَمْ لَبِثْتُمْ) نياما؟ (قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ) وكل ذلك في أنفسهم يسير. فقال لهم يمليخا: افتُقِدتم والتمستم بالمدينة، وهو يريد أن يُؤْتَى بكم اليوم، فتَذْبحُون للطواغيت، أو يقتُلُكم، فما شاء الله بعد ذلك، فقال لهم مكسلمينا: يا إخوتاه اعلموا أنكم ملاقَوْن، فلا تكفروا بعد إيمانكم إذا دعاكم عدوّ الله، ولا تُنكروا الحياة التي لا تبيد بعد إيمانكم بالله، والحياة من بعد الموت، ثم قالوا ليمليخا: انطلق إلى المدينة فتسمَّع ما يقال لنا بها اليوم، وما الذي نُذكر به عند دقينوس، وتلطَّف، ولا يشعرَنّ بنا أحد، وابتع لنا طعاما فأتنا به، فإنه قد آن لك، وزدنا على الطعام الذي قد جئتنا به، فإنه قد كان قليلا فقد أصبحنا جياعا، ففعل يمليخا كما كان يفعل، ووضع ثيابه، وأخذ الثياب التي كان يتنكر فيها، وأخذ وَرِقا من نفقتهم التي كانت معهم، التي ضُربت بطابع دقينوس الملك، فانطلق يمليخا خارجا، فلما مرّ بباب الكهف، رأى الحجارة منزوعة عن باب الكهف. فعجب منها، ثم مرّ فلم يبال بها، حتى أتى المدينة مستخفيا يصدّ عن الطريق تخوّفا أن يراه أحد من أهلها، فيعرفه، فيذهب به إلى دقينوس، ولا يشعر العبد الصالح أن دقينوس وأهل زمانه قد هَلكوا قبل ذلك بثلاث مئة وتسع سنين، أو ما شاء الله من ذلك، إذ كان ما بين أن ناموا إلى أن استيقظوا ثلاث مئة وتسع سنين، فلما رأى يمليخا باب المدينة رفع بصره، فرأى فوق ظهر الباب علامة تكون لأهل الإيمان، إذا كان ظاهرا فيها، فلما رآها عجب وجعل ينظر مستخفيا إليها، فنظر يمينا وشمالا فتعجب بينه وبين نفسه، ثم ترك ذلك الباب، فتحوّل إلى باب آخر من أبوابها، فنظر فرأى من ذلك ما يحيط بالمدينة كلها، ورأى على كلّ باب مثل ذلك، فجعل يخيل إليه أن المدينة ليست بالمدينة التي كان يعرف، ورأى ناسا كثيرين محدثين لم يكن يراهم قبل ذلك، فجعل يمشي ويعجب ويخيل إليه أنه حيران ثم رجع إلى الباب الذي أتى منه، فجعل يعجب بينه وبين نفسه ويقول: يا ليت شعري، أما هذه عشية أمس، فكان المسلمون يخفون هذه العلامة ويستخفون بها، وأما اليوم فإنها ظاهرة لعلّي حالم، ثم يرى أنه ليس بنائم، فأخذ كساءه فجعله على رأسه، ثم دخل المدينة، فجعل يمشي بين ظهراني سوقها، فيسمع أناسا كثيرا يحلفون باسم عيسى ابن مريم، فزاده فرقا، ورأى أنه حيران، فقام مسندا ظهره إلى جدار من جُدُر المدينة ويقول في نفسه: والله ما أدري ما هذا! أما عشية أمس فليس على الأرض إنسان يذكر عيسى ابن مريم إلا قُتل، وأما الغداة فأسمعهم، وكلّ إنسان يذكر أمر عيسى لا يخاف، ثم قال في نفسه: لعلّ هذه ليست بالمدينة التي أعرف أسمع كلام أهلها ولا أعرف أحدا منهم، والله ما أعلم مدينة قرب مدينتنا، فقام كالحيران لا يتوجه وجها، ثم لقي فتى من أهل المدينة، فقال له: ما اسم هذه المدينة يا فتى؟ قال: اسمها أفسوس، فقال في نفسه: لعلّ بي مسا، أو بي أمر أذهب عقلي، والله يحق لي أن أسرع الخروج منها قبل أن أخزى فيها أو يصيبني شرّ فأهلك، هذا الذي يحدّث به يمليخا أصحابه حين تبين لهم ما به، ثم إنه أفاق فقال: والله لو عجلت الخروج من المدينة قبل أن يفطن بي لكان أكيس لي، فدنا من الذين يبيعون الطعام، فأخرج الورِق التي كانت معه، فأعطاها رجلا منهم، فقال: بعني بهذه الورق يا عبد الله طعاما، فأخذها الرجل، فنظر إلى ضرب الورق ونقشها، فعجب منها، ثم طرحها إلى رجل من أصحابه، فنظر إليها، ثم جعلوا يتطارحونها بينهم من رجل إلى رجل، ويتعجبون منها، ثم جعلوا يتشاورون بينهم ويقول بعضهم لبعض: إن هذا الرجل قد أصاب كنزا خبيئا في الأرض منذ زمان ودهر طويل، فلما رآهم يتشاورون من أجله فرق فرقا شديدا، وجعل يرتعد ويظنّ أنهم قد فطنوا به وعرفوه، وأنهم إنما يريدون أن يذهبوا به إلى ملكهم دقينوس يسلمونه إليه، وجعل أناس آخرون يأتونه فيتعرّفونه، فقال لهم وهو شديد الفرق منهم: أفضلوا عليّ، فقد أخذتم ورقي فأمسكوا، وأما طعامكم فلا حاجة لي به، قالوا له: من أنت يا فتى، وما شأنك؟ والله لقد وجدت كنزا من كنوز الأوّلين، فأنت تريد أن تخفيه منا، فانطلق معنا فأرناه وشاركنا فيه، نخف عليك ما وجدت، فإنك إن لا تفعل نأت بك السلطان، فنسلمك إليه فيقتلك، فلما سمع قولهم، عجب في نفسه فقال: قد وقعت في كلّ شيء كنت أحذر منه، ثم قالوا: يا فتى إنك والله ما تستطيع أن تكتم ما وجدت، ولا تظنّ في نفسك أنه سيخفى حالك، فجعل يمليخا لا يدري ما يقول لهم، وما يرجع إليهم، وفَرق حتى ما يحير إليهم جوابا، فلما رأوه لا يتكلم أخذوا كساءه فطوقوه في عنقه، ثم جعلوا يقودونه في سكك المدينة ملببا، حتى سمع به من فيها، فقيل: أخذ رجل عنده كنز واجتمع عليه أهل المدينة صغيرهم وكبيرهم، فجعلوا ينظرون إليه ويقولون: والله ما هذا الفتى من أهل هذه المدينة، وما رأيناه فيها قطّ، وما نعرفه، فجعل يمليخا لا يدري ما يقول لهم، مع ما يسمع منهم، فلما اجتمع عليه أهل المدينة، فرق، فسكت فلم يتكلم، ولو أنه قال إنه من أهل المدينة لم يصدّق، وكان مستيقنا أن أباه وإخوته بالمدينة، وأن حسبه من أهل المدينة من عظماء أهلها، وأنهم سيأتونه إذا سمعوا، وقد استيقن أنه من عشية أمس يعرف كثيرا من أهلها، وأنه لا يعرف اليوم من أهلها أحدا، فبينما هو قائم كالحيران ينتظر متى يأته بعض أهله، أبوه أو بعض إخوته فيخلصه من أيديهم، إذ اختطفوه فانطلقوا به إلى رئيسي المدينة ومدبريها اللذين يدبران أمرها، وهما رجلان صالحان، كان اسم أحدهما أريوس، واسم الآخر أسطيوس، فلما انطلق به إليهما، ظنّ يمليخا أنه ينطلق به إلى دقينوس الجبار ملكهم الذي هربوا منه، فجعل يلتفت يمينا وشمالا وجعل الناس يسخرون منه، كما يسخر من المجنون والحيران، فجعل يمليخا يبكي، ثم رفع رأسه إلى السماء وإلى الله، ثم قال: اللهمّ إله السماوات والأرض، أولج معي روحا منك اليوم تؤيدني به عند هذا الجبار، وجعل يبكي ويقول في نفسه: فرق بيني وبين إخوتي، يا ليتهم يعلمون ما لقيت، وأني يُذهب بي إلى دقينوس الجبار، فلو أنهم يعلمون، فيأتون، فنقوم جميعا بين يدي دقينوس، فإنا كنا تواثقنا لنكوننّ معا، لا نكفر بالله ولا نشرك به شيئا، ولا نعبد الطواغيت من دون الله، فرق بيني وبينهم، فلن يروني ولن أراهم أبدا، وقد كنا تواثقنا أن لا نفترق في حياة ولا موت أبدا، يا ليت شعري ما هو فاعل بي؟ أقاتلي هو أم لا؟ ذلك الذي يحدّث به يمليخا نفسه فيما أخبر أصحابه حين رجع إليهم.
فلما انتهى إلى الرجلين الصالحين أريوس وأسطيوس، فلما رأى يمليخا أنه لم يُذهب به إلى دقينوس، أفاق وسكن عنه البكاء، فأخذ أريوس وأسطيوس الورِق فنظرا إليها وعجبا منها، ثم قال أحدهما: أين الكنز الذي وجدت يا فتى، هذا الورِق يشهد عليك أنك قد وجدت كنزا، فقال لهما يمليخا: ما وجدت كنزا ولكن هذه الورِق ورق آبائي، ونقش هذه المدينة وضربها، ولكن والله ما أدري ما شأني، وما أدري ما أقول لكم، فقال له أحدهما: ممن أنت؟ فقال له يمليخا: ما أدري، فكنت أرى أني من أهل هذه القرية، قالوا: فمن أبوك ومن يعرفك بها؟ فأنبأهم باسم أبيه، فلم يجدوا أحدا يعرفه ولا أباه، فقال له أحدهما: أنت رجل كذاب لا تنبئنا بالحقّ، فلم يدر يمليخا ما يقول لهم، غير أنه نكس بصره إلى الأرض، فقال له بعض من حوله: هذا رجل مجنون، فقال بعضهم: ليس بمجنون، ولكنه يحمق نفسه عمدا لكي ينفلت منكم، فقال له أحدهما، ونظر إليه نظرا شديدا: أتظنّ أنك إذ تتجانن نرسلك ونصدّقك بأن هذا مال أبيك، وضرب هذه الورِق ونقشها منذ أكثر من ثلاث مئة سنة؟ وإنما أنت غلام شاب تظنّ أنك تأفكنا، ونحن شمط كما ترى، وحولك سُراة أهل المدينة، وولاة أمرها، إني لأظنني سآمر بك فتعذّب عذابا شديدا، ثم أوثقك حتى تعترف بهذا الكنز الذي وجدت، فلما قال ذلك، قال يمليخا: أنبئوني عن شيء أسألكم عنه، فإن فعلتم صدقتكم عما عندي، أرأيتم دقينوس الملك الذي كان في هذه المدينة عشية أمس ما فعل، فقال له الرجل: ليس على وجه الأرض رجل اسمه دقينوس، ولم يكن إلا ملك قد هلك منذ زمان ودهر طويل، وهلكت بعده قرون كثيرة، فقال له يمليخا: فوالله إني إذا لحيران، وما هو بمصدّق أحد من الناس بما أقول، والله لقد علمت، لقد فررنا من الجبار دقينوس، وإني قد رأيته عشية أمس حين دخل مدينة أفسوس، ولكن لا أدري أمدينة أفسوس هذه أم لا؟ فانطلقا معي إلى الكهف الذي في جبل بنجلوس أريكم أصحابي، فلما سمع
أريوس ما يقول يمليخا قال: يا قوم لعلّ هذه آية من آيات الله جعلها لكم على يدي هذا الفتى، فانطلقوا بنا معه يرنا أصحابه، كما قال: فانطلق معه أريوس وأسطيوس، وانطلق معهم أهل المدينة كبيرهم وصغيرهم، نحو أصحاب الكهف لينظروا إليهم.
ولما رأى الفتية أصحاب الكهف يمليخا قد احتبس عليهم بطعامهم وشرابهم عن القدر الذي كان يأتي به، ظنوا أنه قد أُخِذ فذُهب به إلى ملكهم دَقْينوس الذي هربوا منه، فبينما هم يظنون ذلك ويتخوفونه، إذ سمعوا الأصوات وجلبة الخيل مصعدة نحوهم، فظنوا أنهم رُسل الجبار دقينوس بعث إليهم ليُؤْتي بهم، فقاموا حين سمعوا ذلك إلى الصلاة، وسلَّم بعضهم على بعض، وأوصى بعضهم بعضا، وقالوا: انطلقوا بنا نأت أخانا يمليخا، فإنه الآن بين يدي الجبار دقينوس ينتظر متى نأته، فبينما هم يقولون ذلك، وهم جلوس بين ظهراني الكهف، فلم يروا إلا أريوس وأصحابه وقوفا على باب الكهف، وسبقهم يمليخا، فدخل عليهم وهو يبكي، فلما رأوه يبكي بكوا معه، ثم سألوه عن شأنه، فأخبرهم خبره وقصّ عليهم النبأ كله، فعرفوا عند ذلك أنهم كانوا نياما بأمر الله ذلك الزمان كله، وإنما أوقظوا ليكونوا آية للناس، وتصديقا للبعث، وليعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها، ثم دخل على إثر يمليخا أريوس، فرأى تابوتا من نحاس مختوما بخاتم من فضة، فقام بباب الكهف، ثم دعا رجالا من عظماء أهل المدينة، ففتح التابوت عندهم، فوجدوا فيه لوحين من رصاص، مكتوبا فيهما كتاب، فقرأهما فوجد فيهما (١) أن مكسلمينا، ومحسلمينا، ويمليخا، ومرطونس، وكسطونس، ويبورس، ويكرونس، ويطبيونس، وقالوش، كانوا فتية هربوا من ملكهم دقينوس الجبار، مخافة أن يفتنهم عن دينهم، فدخلوا هذا الكهف، فلما أخبر بمكانهم أمر بالكهف فسدّ عليهم بالحجارة، وإنا كتبنا شأنهم وقصة خبرهم، ليعلمه من بعدهم إن عثر عليهم. فلما قرءوه، عجبوا وحمدوا الله الذي أراهم آية للبعث فيهم، ثم رفعوا أصواتهم بحمد الله وتسبيحه، ثم دخلوا على
(١) في عدد هذه الأسماء، وضبطها، اختلاف كثير بين ناقليها. وهي في المخطوطة رقم ١٠٠ تفسير، غير منقوطة.
الفتية الكهف، فوجودهم جلوسا بين ظهرانيه، مُشرقة وجوههم، لم تبل ثيابهم، فخرّ أريوس وأصحابه سجودا، وحمدوا الله الذي أراهم آية من آياته، ثم كلم بعضهم بعضا، وأنبأهم الفتية عن الذين لقوا من ملكهم دقينوس ذلك الجبار الذي كانوا هربوا منه، ثم إن أريوس وأصحابه بعثوا بريدا إلى ملكهم الصالح تيذوسيس، أن عجل لعلك تنظر إلى آية من آيات الله، جعلها الله على ملكك، وجعلها آية للعالمين، لتكون لهم نورا وضياء، وتصديقا بالبعث، فاعجل على فتية بعثهم الله، وقد كان توفاهم منذ أكثر من ثلاث مئة سنة، فلما أتى الملك تيذوسيس الخبر، قام من المَسْندة التي كان عليها، ورجع إليه رأيه وعقله، وذهب عنه همه، ورجع إلى الله عزّ وجلّ، فقال: أحمدك اللهمّ ربّ السماوات والأرض، أعبدك، وأحمدك، وأسبح لك، تطوّلت عليّ، ورحمتني برحمتك، فلم تطفئ النور الذي كنت جعلته لآبائي، وللعبد الصالح قسطيطينوس الملك، فلما نبأ به أهل المدينة ركبوا إليه، وساروا معه حتى أتوا مدينة أفسوس، فتلقاهم أهل المدينة، وساروا معه حتى صعدوا نحو الكهف حتى أتوه، فلما رأى الفتية تيذوسيس، فرحوا به، وخرّوا سجودا على وجوههم، وقام تيذوسيس قدامهم، ثم اعتنقهم وبكى، وهم جلوس بين يديه على الأرض يسبحون الله ويحمدونه، ويقول: والله ما أشبه بكم إلا الحواريون (١) حين رأوا المسيح، وقال: فرج الله عنكم، كأنكم الذي تُدْعَون فتحْشَرون من القبور، فقال الفتية لتيذوسيس: إنا نودّعك السلام، والسلام عليكم ورحمة الله، حفظك الله، وحفظ لك ملكك بالسلام، ونعيذك بالله من شرّ الجنّ والإنس، فأمر بعيش من خُلَّر ونشيل إن أسوأ ما سلك في بطن الإنسان أن لا يعلم شيئا إلا كرامة إن أكرم بها، ولا هوان إن أهين به. (٢) فبينما الملك قائم، إذ رجعوا إلى مضاجعهم، فناموا، وتوفى الله أنفسهم بأمره، وقام الملك إليهم، فجعل ثيابه عليهم، وأمر أن يجعل لكلّ رجل منهم تابوت من ذهب، فلما أَمْسَوا ونام، أتوه في المنام، فقالوا: إنا لم نخلق من ذهب ولا فضة، ولكنا خُلقنا من تراب وإلى التراب نصير، فاتركنا كما كنا في الكهف على التراب حتى يبعثنا الله منه، فأمر الملك حينئذ بتابوت من ساج، فجعلوهم فيه، وحجبهم الله حين خرجوا من عندهم بالرعب، فلم يقدر أحد على أن يدخل عليهم، وأمر الملك فجعل كهفهم مسجدا يُصَلَّى فيه، وجعل لهم عيدا عظيما، وأمر أن يؤتى كلّ سنة، فهذا حديث أصحاب الكهف.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن عبد العزيز بن أبي روّاد، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، قال: بعثهم الله - يعني الفتية أصحاب الكهف - وقد سلط عليهم ملك مسلم، يعني على أهل مدينتهم، وسلَّط الله على الفتية الجوع، فقال قائل منهم: (كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) قال: فردّوا علم ذلك إلى الله، (قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ) وإذا معهم ورِق من ضرب الملك الذي كانوا في زمانه (فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ) : أي بطعام (وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا). فخرج أحدهم فرأى المعالم متنكرة حتى انتهى إلى المدينة، فاستقبله الناس لا يعرف منهم أحدا، فخرج ولا يعرفونه، حتى انتهى إلى صاحب الطعام، فسامه بطعامه، فقال صاحب الطعام: هات ورقك، فأخرج إليه الورق، فقال: من أين لك هذا الورق؟ قال: هذه ورِقُنا وورِق أهل بلادنا، فقال: هيهات هذه الورِق من ضرب فلان بن فلان منذ ثلاث مئة وتسع سنين، أنت أصبت كنزا، ولست بتاركك حتى أرفعك إلى الملك، فرفعه إلى الملك، وإذا الملك مسلم وأصحابه مسلمون، ففرح واستبشر، وأظهر لهم أمره، وأخبرهم خبر أصحابه، فبعثوا إلى اللوح في الخزانة، فأتوا به، فوافق ما وصف من أمرهم، فقال المشركون: نحن أحقّ بهم هؤلاء أبناء آبائنا، وقال المسلمون: نحن أحقّ بهم، هم مسلمون منا، فانطلقوا معه إلى الكهف، فلما أتوا باب الكهف قال: دعوني حتى أدخل على أصحابي حتى أبشرهم، فإنهم إن رأوكم معي أرعبتموهم، فدخل فبشَّرهم، وقبض الله أرواحهم، قال: وعمى الله عليهم مكانهم، فلم يهتدوا، فقال المشركون: نبني عليهم بُنيانا، فإنهم أبناء آبائنا، ونعبد الله فيه، وقال
(١) في الأصل المخطوط رقم ١٠٠ تفسير: " وما أشبه بكم إلا الحراد " ولعله تحريف عن الحواريين.
(٢) العبارة من أول قوله: فأمر بعيش من خلر ونشيل... إلى هنا: ساقطة من هذا الخبر في عرائس المجالس للثعلبي المفسر ص ٤٢٧: والخلر: حب يقتات به، قيل هو الجلبان، والنشيل: اللبن ساعة يحلب، والعبارة فيما يظهر من بقية كلام أصحاب الكهف.
المسلمون: نحن أحق بهم، هم منا، نبني عليهم مسجدا نصلي فيه، ونعبد الله فيه.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي قول من قال: إن الله تعالى بعثهم من رقدتهم ليتساءلوا بينهم كما بيَّنا قبل، لأن الله عزّ ذكره، كذلك أخبر عباده في كتابه، وإن الله أعثر عليهم القوم الذين أعثرهم عليهم، ليتحقق عندهم ببعث الله هؤلاء الفتية من رقدتهم بعد طول مدتها بهيئتهم يوم رقدوا، ولم يشيبوا على مرّ الأيام والليالي عليهم، ولم يهرموا على كرّ الدهور والأزمان فيهم قدرته على بعث من أماته في الدنيا من قبره إلى موقف القيامة يوم القيامة، لأن الله عزّ ذكره بذلك أخبرنا، فقال: (وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا).
واختلفت القراء في قراءة قوله: (فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ) فقرأ ذلك عامة قرّاء أهل المدينة وبعض العراقيين (بِوَرِقكُمْ هذِهِ) بفتح الواو وكسر الراء والقاف. وقرأ عامة قراء الكوفة والبصرة (بَورْقِكُمْ) بسكون الراء، وكسر القاف. وقرأه بعض المكيين بكسر الراء، وإدغام القاف في الكاف، وكلّ هذه القراءات متفقات المعاني، وإن اختلفت الألفاظ منها، وهنّ لغات معروفات من كلام العرب، غير أن الأصل في ذلك فتح الواو وكسر الراء والقاف، لأنه الورق، وما عدا ذلك فإنه داخل عليه طلب التخفيف. وفيه أيضا لغة أخرى وهو الوَرْق، كما يقال للكَبِد كَبْد. فإذا كان ذلك هو الأصل، فالقراءة به إلي أعجب، من غير أن تكون الأخريان مدفوعة صحتهما، وقد ذكرنا الرواية بأن الذي بعث معه بالوَرِق إلى المدينة كان اسمه يمليخا.
وقد: حدثني عبيد الله بن محمد الزهري، قال: ثنا سفيان، عن مقاتل (فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ) اسمه يمليخ.
وأما قوله: (فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا) فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم: معناه فلينظر أي أهل المدينة أكثر طعاما.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي حصين، عن عكرمة (أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا) قال: أكثر.
وحدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن أبي حُصَين، عن عكرِمة مثله، إلا أنه قال: (أيُّهُ أكْثَرُ).
وقال آخرون: بل معناه: أيها أحلّ طعاما.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير: (أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا) قال: أحلّ.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، مثله.
وقال آخرون: بل معناه: أيها خير طعاما.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: (أَزْكَى طَعَامًا) قال: خير طعاما.
وأولى الأقوال عندي في ذلك بالصواب: قول من قال: معنى ذلك: أحلّ وأطهر، وذلك أنه لا معنى في اختيار الأكثر طعاما للشراء منه إلا بمعنى إذا كان أكثرهم طعاما، كان خليقا أن يكون الأفضل منه عنده أوجد، وإذا شرط على المأمور الشراء من صاحب الأفضل، فقد أمر بشراء الجيد، كان ما عند المشتري ذلك منه قليلا الجيد أو كثيرا، وإنما وجه من وجه تأويل أزكى إلى الأكثر، لأنه وجد العرب تقول: قد زكا مال فلان: إذا كثر، وكما قال الشاعر:
قَبائِلُنا سَبْعٌ وأنْتُمْ ثَلاثَةٌوَللسَّبْعُ أزْكَى مِن ثَلاثٍ وأطْيَبُ (١)
بمعنى: أكثر، وذلك وإن كان كذلك، فإن الحلال الجيد وإن قل، أكثر من الحرام الخبيث وإن كثر. وقيل: (فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا) فأضيف إلى كناية المدينة، والمراد
(١) البيت للقتال الكلابي، أنشده سيبويه في (الكتاب ٢: ١٨١) وهو من شواهد أبي عبيدة في (مجاز القرآن ١: ٢٣٧، ٣٩٧) قال في الموضع الثاني: "أيها ازكى طعاما " أي أكثر؛ قال: * قبائلنا سبع وأنتم ثلاثة *
البيت، وقال في الموضع الأول: ذكر ثلاثة، ذهب به إلى بطن، ثم أنثه؛ لأنه ذهب به إلى قبيلة. قلت: والنحاة يجوزون في اسم العدد التذكير والتأنيث، إذا لم يذكر المعدود، وهذا شاهد عليه. وفي (اللسان: زكا) الزكاء ممدودا: النماء والريع. زكا يزكو زكاء وزكوا.
بها أهلها، لأن تأويل الكلام: فلينظر أيّ أهلها أزكى طعاما لمعرفة السامع بالمراد من الكلام، وقد يُحتمل أن يكونوا عنوا بقوله (أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا) : أيها أحلّ، من أجل أنهم كانوا فارقوا قومهم وهم أهل أوثان، فلم يستجيزوا أكل ذبيحتهم.
وقوله: (فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ) يقول: فليأتكم بقوت منه تقتاتونه، وطعام تأكلونه.
كما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن عبد الله بن عبيد بن عمير (فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ) قال: بطعام.
وقوله: (وَلْيَتَلَطَّف) يقول: وليترفق في شرائه ما يشتري، وفي طريقه ودخوله المدينة (وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا) يقول: ولا يعلمنّ بكم أحدا من الناس، وقوله: (إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ) يعنون بذلك: دقينوس وأصحابه، قالوا: إن دقينوس وأصحابه إن يظهروا عليكم، فيعلموا مكانكم، يرجموكم شتما بالقول.
كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، في قوله: (إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ) قال: يشتموكم بالقول، يؤذوكم.
وقوله: (أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ) يقول: أو يردّوكم في دينهم، فتصيروا كفارا بعبادة الأوثان
(وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا) يقول: ولن تدركوا الفلاح، وهو البقاء الدائم والخلود في الجنان، إذن: أي إن أنتم عُدْتم في ملتهم أبدا: أيام حياتكم.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
يقول تعالى : وكما أرقدناهم بعثناهم صحيحة أبدانهم وأشعارهم وأبشارهم، لم يفقدوا من أحوالهم وهيئاتهم شيئًا، وذلك بعد ثلاثمائة سنة وتسع سنين ؛ ولهذا تساءلوا بينهم :﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ ؟ أي : كم رقدتم ؟ ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ كان دخولهم إلى الكهف في أول نهار، واستيقاظهم(١) كان في آخر نهار ؛ ولهذا استدركوا فقالوا :﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ أي : الله أعلم بأمركم، وكأنه حصل لهم نوع تَرَدّد في كثرة نومهم، فالله أعلم، ثم عدلوا إلى الأهم في أمرهم إذ ذاك(٢) وهو احتياجهم إلى الطعام والشراب، فقالوا :﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ﴾ أي : فضتكم هذه. وذلك أنهم كانوا قد استصحبوا معهم دراهم من منازلهم لحاجتهم إليها، فتصدقوا منها وبقي منها ؛ فلهذا قالوا :﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ أي : مدينتكم التي خرجتم منها والألف واللام للعهد.
﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾ أي : أطيب طعامًا، كقوله :﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور: ٢١] وقوله ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤] ومنه الزكاة التي تُطَيب(٣) المال وتطهره. وقيل : أكثر طعامًا، ومنه زكاة الزرع إذا كثر، قال الشاعر :(٤)
قَبَاِئُلنا سَبْعٌ وَأَنْتُمْ ثَلاثَةٌوَللسَّبْعُ أزْكَى مِنْ ثَلاثٍ وَأطْيَبُ
والصحيح الأول ؛ لأن مقصودهم إنما هو الطيب الحلال، سواء كان قليلا أو كثيرا.
وقوله ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ أي : في خروجه وذهابه، وشرائه وإيابه، يقولون : وَلْيَتَخَفَّ(٥) كل ما يقدر عليه ﴿وَلا يُشْعِرَنَّ﴾ أي : ولا يعلمن ﴿بِكُمْ أَحَدًا﴾
١ في ف: "وإيقاظهم"..
٢ في ت: "إن ذلك"..
٣ في ت: "يطيب"..
٤ البيت في تفسير الطبري (١٥/١٤٨) غير منسوب..
٥ في ف، أ: "وليتخفف"..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ أَيْ: أَنَّهُ تَعَالَى أَلْقَى عَلَيْهِمُ الْمَهَابَةَ بِحَيْثُ لَا يَقَعُ نَظَرُ أَحَدٍ عَلَيْهِمْ إِلَّا هَابَهُمْ؛ لِمَا أُلْبِسُوا مِنَ الْمَهَابَةِ وَالذُّعْرِ، لِئَلَّا يَدْنُوَ مِنْهُمْ أَحَدٌ وَلَا تَمَسَّهُمْ (١) يَدُ لَامِسٍ، حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ، وَتَنْقَضِيَ رَقْدَتُهُمُ الَّتِي شَاءَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِيهِمْ، لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحُجَّةِ وَالْحِكْمَةِ (٢) الْبَالِغَةِ، وَالرَّحْمَةِ الْوَاسِعَةِ.
﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠)﴾
يَقُولُ تَعَالَى: وَكَمَا أَرْقَدْنَاهُمْ بَعَثْنَاهُمْ صَحِيحَةً أَبْدَانُهُمْ وَأَشْعَارُهُمْ وَأَبْشَارُهُمْ، لَمْ يَفْقِدُوا مِنْ أَحْوَالِهِمْ وَهَيْئَاتِهِمْ شَيْئًا، وَذَلِكَ بَعْدَ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ وَتِسْعِ سِنِينَ؛ وَلِهَذَا تَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ ؟ أَيْ: كَمْ رَقَدْتُمْ؟ ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ كَانَ دُخُولُهُمْ إِلَى الْكَهْفِ فِي أَوَّلِ نَهَارٍ، وَاسْتِيقَاظُهُمْ (٣) كَانَ فِي آخِرِ نَهَارٍ؛ وَلِهَذَا اسْتَدْرَكُوا فَقَالُوا: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ أَيْ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِأَمْرِكُمْ، وَكَأَنَّهُ حَصَلَ لَهُمْ نَوْعُ تَرَدّد فِي كَثْرَةِ نَوْمِهِمْ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ، ثُمَّ عَدَلُوا إِلَى الْأَهَمِّ فِي أَمْرِهِمْ إِذْ ذَاكَ (٤) وَهُوَ احْتِيَاجُهُمْ إِلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، فَقَالُوا: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ﴾ أَيْ: فِضَّتِكُمْ هَذِهِ. وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا قَدِ اسْتَصْحَبُوا مَعَهُمْ دَرَاهِمَ مِنْ مَنَازِلِهِمْ لِحَاجَتِهِمْ إِلَيْهَا، فَتَصَدَّقُوا مِنْهَا وَبَقِيَ مِنْهَا؛ فَلِهَذَا قَالُوا: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ أَيْ: مَدِينَتِكُمُ الَّتِي خَرَجْتُمْ مِنْهَا وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ لِلْعَهْدِ.
﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾ أَيْ: أَطْيَبُ طَعَامًا، كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النُّورِ: ٢١] وَقَوْلِهِ ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الْأَعْلَى: ١٤] وَمِنْهُ الزَّكَاةُ الَّتِي تُطَيب (٥) الْمَالَ وَتُطَهِّرُهُ. وَقِيلَ: أَكْثَرُ طَعَامًا، وَمِنْهُ زَكَاةُ الزَّرْعِ إِذَا كَثُرَ، قَالَ الشَّاعِرُ: (٦)
قَبَاِئُلنا سَبْعٌ وَأَنْتُمْ ثَلاثَةٌ... وَللسَّبْعُ أزْكَى مِنْ ثَلاثٍ وَأطْيَبُ...
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهُمْ إِنَّمَا هُوَ الطَّيِّبُ الْحَلَالُ، سَوَاءٌ كَانَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا.
وَقَوْلُهُ ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ أَيْ: فِي خُرُوجِهِ وَذَهَابِهِ، وَشِرَائِهِ وَإِيَابِهِ، يَقُولُونَ: وَلْيَتَخَفَّ (٧) كُلَّ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ ﴿وَلا يُشْعِرَنَّ﴾ أَيْ: وَلَا يُعْلِمَنَّ ﴿بِكُمْ أَحَدًا إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ﴾ أَيْ: إِنْ عَلِمُوا بِمَكَانِكُمْ، ﴿يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾ يَعْنُونَ أَصْحَابَ دَقْيَانُوسَ، يَخَافُونَ مِنْهُمْ أَنْ يَطَّلِعُوا عَلَى مَكَانِهِمْ، فَلَا يَزَالُونَ يُعَذِّبُونَهُمْ (٨) بِأَنْوَاعِ الْعَذَابِ إِلَى أَنْ يُعِيدُوهُمْ (٩) فِي ملتهم التي هم عليها أو
(١) في أ: "أو يمسهم".
(٢) في ف: " الحكمة والحجة ".
(٣) في ف: "وإيقاظهم".
(٤) في ت: "إن ذلك".
(٥) في ت: "يطيب".
(٦) البيت في تفسير الطبري (١٥/١٤٨) غير منسوب.
(٧) في ف، أ: "وليتخفف".
(٨) في ف: "يزالون يعذبونكم".
(٩) في ف: "يعيدوكم".
يَمُوتُوا، وَإِنْ واتَوهم عَلَى الْعَوْدِ (١) فِي الدِّينِ فَلَا فَلَاحَ لَكُمْ (٢) فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ، وَلِهَذَا قَالَ (٣) ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾.
(١) في ف: "وافوهم على العودة".
(٢) في ت، ف: "لهم".
(٣) في ف: "قالوا".

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
{ ١٩-٢٠ } ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا * إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾
يقول تعالى :﴿وكذلك بعثناهم﴾ أي : من نومهم الطويل ﴿ليتساءلوا بينهم﴾ أي : ليتباحثوا للوقوف على الحقيقة من مدة لبثهم.
﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ وهذا مبني على ظن القائل، وكأنهم وقع عندهم اشتباه. في طول مدتهم، فلهذا ﴿قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ فردوا العلم إلى المحيط علمه بكل شيء، جملة وتفصيلا، ولعل الله تعالى -بعد ذلك- أطلعهم على مدة لبثهم، لأنه بعثهم ليتساءلوا بينهم، وأخبر أنهم تساءلوا، وتكلموا بمبلغ ما عندهم، وصار آخر أمرهم، الاشتباه، فلا بد أن يكون قد أخبرهم يقينا، علمنا ذلك من حكمته في بعثهم، وأنه لا يفعل ذلك عبثا. ومن رحمته بمن طلب علم الحقيقة في الأمور المطلوب علمها، وسعى لذلك ما أمكنه، فإن الله يوضح له ذلك، وبما ذكر فيما بعده من قوله. ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ فلولا أنه حصل العلم بحالهم، لم يكونوا دليلا على ما ذكر، ثم إنهم لما تساءلوا بينهم، وجرى منهم ما أخبر الله به، أرسلوا أحدهم بورقهم، أي : بالدراهم، التي كانت معهم، ليشتري لهم طعاما يأكلونه، من المدينة التي خرجوا منها، وأمروه أن يتخير من الطعام أزكاه، أي : أطيبه وألذه، وأن يتلطف في ذهابه وشرائه وإيابه، وأن يختفي في ذلك، ويخفي حال إخوانه، ولا يشعرن بهم أحدا. وذكروا المحذور من اطلاع غيرهم عليهم، وظهورهم عليهم، أنهم بين أمرين، إما الرجم بالحجارة، فيقتلونهم أشنع قتلة، لحنقهم عليهم وعلى دينهم، وإما أن يفتنوهم عن دينهم، ويردوهم في ملتم، وفي هذه الحال، لا يفلحون أبدا، بل يحشرون في دينهم ودنياهم وأخراهم، وقد دلت هاتان الآيتان، على عدة فوائد.
منها : الحث على العلم، وعلى المباحثة فيه، لكون الله بعثهم لأجل ذلك.
ومنها : الأدب فيمن اشتبه عليه العلم، أن يرده إلى عالمه، وأن يقف عند حده.
ومنها : صحة الوكالة في البيع والشراء، وصحة الشركة في ذلك.
ومنها : جواز أكل الطيبات، والمطاعم اللذيذة، إذا لم تخرج إلى حد الإسراف المنهي عنه لقوله ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ وخصوصا إذا كان الإنسان لا يلائمه إلا ذلك ولعل هذا عمدة كثير من المفسرين، القائلين بأن هؤلاء أولاد ملوك لكونهم أمروه بأزكى الأطعمة، التي جرت عادة الأغنياء الكبار بتناولها.
ومنها : الحث على التحرز، والاستخفاء، والبعد عن مواقع الفتن في الدين، واستعمال الكتمان في ذلك على الإنسان وعلى إخوانه في الدين.
ومنها : شدة رغبة هؤلاء الفتية في الدين، وفرارهم من كل فتنة، في دينهم وتركهم أوطانهم في الله.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ أي: الكلب الذي كان مع أصحاب الكهف، أصابه ما أصابهم من النوم وقت حراسته، فكان باسطا ذراعيه بالوصيد، أي: الباب، أو فنائه، هذا حفظهم من الأرض. وأما حفظهم من الآدميين، فأخبر أنه حماهم بالرعب، الذي نشره الله عليهم، فلو اطلع عليهم أحد، لامتلأ قلبه رعبا، وولى منهم فرارا، وهذا الذي أوجب أن يبقوا كل هذه المدة الطويلة، وهم لم يعثر عليهم أحد، مع قربهم من المدينة جدا، والدليل على قربهم، أنهم لما استيقظوا، أرسلوا أحدهم، يشتري لهم طعاما من المدينة، وبقوا في انتظاره، فدل ذلك على شدة قربهم منها.
-[٤٧٣]-
{١٩-٢٠} ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا * إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾.
يقول تعالى: ﴿وكذلك بعثناهم﴾ أي: من نومهم الطويل ﴿ليتساءلوا بينهم﴾ أي: ليتباحثوا للوقوف على الحقيقة من مدة لبثهم.
﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ وهذا مبني على ظن القائل، وكأنهم وقع عندهم اشتباه. في طول مدتهم، فلهذا ﴿قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ فردوا العلم إلى المحيط علمه بكل شيء، جملة وتفصيلا ولعل الله تعالى -بعد ذلك- أطلعهم على مدة لبثهم، لأنه بعثهم ليتساءلوا بينهم، وأخبر أنهم تساءلوا، وتكلموا بمبلغ ما عندهم، وصار آخر أمرهم، الاشتباه، فلا بد أن يكون قد أخبرهم يقينا، علمنا ذلك من حكمته في بعثهم، وأنه لا يفعل ذلك عبثا. ومن رحمته بمن طلب علم الحقيقة في الأمور المطلوب علمها، وسعى لذلك ما أمكنه، فإن الله يوضح له ذلك، وبما ذكر فيما بعده من قوله. ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا﴾ فلولا أنه حصل العلم بحالهم، لم يكونوا دليلا على ما ذكر، ثم إنهم لما تساءلوا بينهم، وجرى منهم ما أخبر الله به، أرسلوا أحدهم بورقهم، أي: بالدراهم، التي كانت معهم، ليشتري لهم طعاما يأكلونه، من المدينة التي خرجوا منها، وأمروه أن يتخير من الطعام أزكاه، أي: أطيبه وألذه، وأن يتلطف في ذهابه وشرائه وإيابه، وأن يختفي في ذلك، ويخفي حال إخوانه، ولا يشعرن بهم أحدا. وذكروا المحذور من اطلاع غيرهم عليهم، وظهورهم عليهم، أنهم بين أمرين، إما الرجم بالحجارة، فيقتلونهم أشنع قتلة، لحنقهم عليهم وعلى دينهم، وإما أن يفتنوهم عن دينهم، ويردوهم في ملتم، وفي هذه الحال، لا يفلحون أبدا، بل يحشرون في دينهم ودنياهم وأخراهم، وقد دلت هاتان الآيتان، على عدة فوائد.
منها: الحث على العلم، وعلى المباحثة فيه، لكون الله بعثهم لأجل ذلك.
ومنها: الأدب فيمن اشتبه عليه العلم، أن يرده إلى عالمه، وأن يقف عند حده.
ومنها: صحة الوكالة في البيع والشراء، وصحة الشركة في ذلك.
ومنها: جواز أكل الطيبات، والمطاعم اللذيذة، إذا لم تخرج إلى حد الإسراف المنهي عنه لقوله ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ وخصوصا إذا كان الإنسان لا يلائمه إلا ذلك ولعل هذا عمدة كثير من المفسرين، القائلين بأن هؤلاء أولاد ملوك لكونهم أمروه بأزكى الأطعمة، التي جرت عادة الأغنياء الكبار بتناولها.
ومنها: الحث على التحرز، والاستخفاء، والبعد عن مواقع الفتن في الدين، واستعمال الكتمان في ذلك على الإنسان وعلى إخوانه في الدين.
ومنها: شدة رغبة هؤلاء الفتية في الدين، وفرارهم من كل فتنة، في دينهم وتركهم أوطانهم في الله.
ومنها: ذكر ما اشتمل عليه الشر من المضار والمفاسد، الداعية لبغضه، وتركه، وأن هذه الطريقة، هي طريقة المؤمنين المتقدمين، والمتأخرين لقولهم: ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٢٢ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير يحيى بن سلام — يحيى بن سلام معاني القرآن — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة تفسير القرآن — الصنعاني معاني القرآن — الأخفش غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير ابن خويز منداد — ابن خويزمنداد تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي أحكام القرآن — إلكيا الهراسي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري أحكام القرآن — ابن الفرس تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام جهود القرافي في التفسير — القرافي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب أضواء البيان — محمد الأمين الشنقيطي تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير سفيان الثوري — عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
بِوَرِقِكُمْ
بِنُقُودِكُمُ الفِضِّيَّةِ.
أَزْكَى
أَحَلُّ، وَأَطْيَبُ.

إعراب الآية ١٩ من سورة الكهف

من كتاب: إعراب القرآن

[سورة الكهف (١٨) : آية ١٧]

وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً (١٧)
قرأ أهل الحرمين وأبو عمرو وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ «١» أدغموا التاء في الزاي والأصل تتزاور، وقرأ أهل الكوفة (تزاور) «٢» حذفوا التاء، وقرأ قتادة وابن أبي إسحاق وابن عامر (تزور) «٣» مثل تحمرّ، وحكى الفراء: تزوار «٤» مثل تحمارّ.

[سورة الكهف (١٨) : آية ١٨]

وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً (١٨)
ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ ظرفان فِراراً ورُعْباً منصوبان على التمييز، ولا يجوز عند سيبويه ولا عند الفراء تقديمهما، وأجاز ذلك محمد بن يزيد لأن العامل متصرّف، وروي عن يحيى بن وثاب والأعمش أنهما قرءا لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ بضم الواو.
وهذا جائز لأن الضمة من جنس الواو إلّا أن الكسر أجود، وليس هذا مثل أَوِ انْقُصْ [المزمل: ٣] لأن بعد الواو هاهنا ضمة فِراراً مصدر لأنّ معنى ولّيت فررت.

[سورة الكهف (١٨) : آية ١٩]

وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً (١٩)
وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ أي أيقظناهم لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ أي ليسأل بعضهم بعضا قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ، ويجوز «لبتّم» على الإدغام لقرب المخرجين قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال أحدهم: لبثنا يوما، وقال آخر: لبثنا نحوه فقال لهم كبيرهم لا تختلفوا فإنّ الاختلاف هلكة رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ وقرأ أهل المدينة فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ فأدغم، وأدغم ابن كثير القاف في الكاف لتقاربهما، وقرأ أهل الكوفة وأبو عمرو بِوَرِقِكُمْ حذفوا الكسرة لثقلها، وحكى الفراء: أنه يقال: «بورقكم» «٥» بكسر الواو، كما يقال: كبد وفخذ، وحكى غيره: أنه يقال للورق:
رقّة مثل عدة، وهذا على لغة من قال: ورقة فحذف الواو فقال: رقة.
فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ التقدير: أيّ أهلها، وروى سعيد بن جبير عن ابن
(١) انظر تيسير الداني ١١٦، والبحر المحيط ٦/ ١٠٤.
(٢) انظر تيسير الداني ١١٦، والبحر المحيط ٦/ ١٠٤. [.....]
(٣) انظر تيسير الداني ١١٦، والبحر المحيط ٦/ ١٠٤.
(٤) انظر البحر المحيط ٦/ ١٠٤.
(٥) انظر معاني الفراء ٢/ ١٣٧، والبحر المحيط ٦/ ١٠٧.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

القراءات في الآية ١٩ من سورة الكهف

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

أَعْلَمُ بِمَا

إسكان الميم وإخفاؤها قبل الباء

السوسي عن أبي عمرو

إظهار الميم مرفوعة قبل الباء

خلف عن حمزة شعبة عن عاصم خلاد عن حمزة أبو الحارث عن الكسائي ابن ذكوان عن ابن عامر الدوري عن الكسائي هشام عن ابن عامر ابن وردان عن أبي جعفر حفص عن عاصم ابن جمّاز عن أبي جعفر الدوري عن أبي عمرو رويس عن يعقوب قنبل عن ابن كثير إدريس عن خلف قالون عن نافع البزي عن ابن كثير روح عن يعقوب إسحاق عن خلف ورش عن نافع

بِوَرِقِكُمْ

(بِوَرْقِكُمْ) إسكان الراء والميم

خلف عن حمزة خلاد عن حمزة شعبة عن عاصم روح عن يعقوب السوسي عن أبي عمرو إدريس عن خلف الدوري عن أبي عمرو إسحاق عن خلف

(بِوَرِقِكُمْ) بكسر الراء وإسكان الميم

ورش عن نافع الدوري عن الكسائي هشام عن ابن عامر أبو الحارث عن الكسائي ابن ذكوان عن ابن عامر قالون عن نافع حفص عن عاصم رويس عن يعقوب

(بِوَرِقِكُمُ) بكسر الراء وصلة الميم

ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير قالون عن نافع

رُعْبًا وَكَذَلِكَ

(رُعْباً) بإسكان العين وإدغام التنوين في الواو بغنة

خلاد عن حمزة شعبة عن عاصم حفص عن عاصم قالون عن نافع إسحاق عن خلف إدريس عن خلف ورش عن نافع البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو

(رُعْباً) بإسكان العين وإدغام التنوين في الواو بلا غنة

خلف عن حمزة

(رُعُباً) بضم العين وإدغام التنوين في الواو بغنة

هشام عن ابن عامر روح عن يعقوب رويس عن يعقوب ابن ذكوان عن ابن عامر ابن جمّاز عن أبي جعفر ابن وردان عن أبي جعفر أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي

لَبِثْتُمْ

(لَبِتُّمْ) إدغام الثاء في التاء وإسكان الميم

الدوري عن أبي عمرو هشام عن ابن عامر الدوري عن الكسائي خلاد عن حمزة السوسي عن أبي عمرو ابن ذكوان عن ابن عامر خلف عن حمزة أبو الحارث عن الكسائي

(لَبِتُّمُ) بإدغام الثاء في التاء و صلة الميم

ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر

(لَبِثْتُمْ) إظهار الثاء وإسكان الميم

إسحاق عن خلف إدريس عن خلف روح عن يعقوب رويس عن يعقوب حفص عن عاصم شعبة عن عاصم ورش عن نافع قالون عن نافع

(لَبِثْتُمُ) إظهار الثاء وصلة الميم

قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير قالون عن نافع
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ١٩ من سورة الكهف

٨ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

١٤ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

١٤ قولًا
١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وكذلك﴾ يعني: وهكذا ﴿بعثناهم﴾ من نومهم فقاموا؛ ﴿ليتساءلوا بينهم﴾ فـ﴿قال قائل منهم﴾ وهو مكسلمينا، وهو أكبرهم سنًّا: ﴿كم لبثتم﴾ رقودًا؟ ﴿قالوا لبثنا يوما﴾ وكانوا دخلوا الغار غدوة، وبعثوا من آخر النهار، فمن ثَمَّ قالوا: ﴿أو بعض يوم قالوا﴾ يعني: الأكبر، وهو مكسلمينا وحده: ﴿ربكم أعلم بما لبثتم﴾ في رقودكم منكم. فردوا العلم إلى الله عز وجل١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٥٧٩.
٢
قال يحيى بن سلام: ﴿وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم﴾، وكانوا دخلوا الكهف في أول النهار. قال: فنظروا، فإذا هو قد بقي من الشمس بَقِيَّة؛ فقالوا: ﴿أو بعض يوم﴾ ثم إنهم شكوا، فردوا علم ذلك إلى الله، ﴿قالوا ربكم أعلم بما لبثتم﴾ يقوله بعضهم لبعض١
التخريج
  1. ١تفسير يحيى بن سلام ١‏/‏١٧٥.
٣
عن عبد الله بن عباس، في قوله: ﴿أزكى طعاما﴾، قال: أحَلَّ ذبيحةً، وكانوا يذبحون للطواغيت١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
٤
عن عبد الله بن عباس، في قوله: ﴿أزكى طعاما﴾، يعني: أطهر؛ لأنهم كانوا يذبحون الخنازير١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
٥
عن سعيد بن جبير -من طريق أبي حصين- ﴿أيها أزكى طعاما﴾، قال: أيها أحلُّ١٢
التخريج
  1. ١أخرجه يحيى بن سلام ١‏/‏١٧٥، وعبد الرزاق ٢‏/‏٤٠٠، وابن جرير ١٥‏/‏٢١٣.
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّق ابنُ عطية (٥/٥٨٥) على هذا القول الذي قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، بقوله: «من جهة ذبائح الكفرة، وغير ذلك».
٦
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق أبي حصين-، مثله، إلا أنه قال: أيُّهُ أكثر١٢
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏٤٠٠، وابن جرير ١٥‏/‏٢١٣.
تعليقات المحققين
  1. ٢وجَّه ابنُ جرير (١٥/٢١٤) قول عكرمة بقوله: ""وإنما وجَّه مَن وجَّه تأويل ﴿أزكى﴾ إلى الأكثر لأنه وجد العرب تقول: قد زكا مال فلان: إذا كثر، وكما قال الشاعر:قبائلنا سبع وأنتم ثلاثة... وللسبع أزكى من ثلاث وأطيببمعنى: أكثر، وذلك وإن كان كذلك فإن الحلال الجيد وإن قل أكثرُ من الحرام الخبيث وإن كثر"". وبنحوه ابنُ كثير (٩/١١٨).
٧
عن الضحاك بن مزاحم، في قوله: ﴿أيها أزكى طعاما﴾، قال: أطْيَب١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٦‏/‏١٦١.
٨
عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر- في قوله: ﴿أزكى طعاما﴾، قال: خير طعامًا، يعني: أجوده١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏٤٠٠، وابن جرير ١٥‏/‏٢١٣.
٩
قال مقاتل بن حيان: أجود طعامًا١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٦‏/‏١٦١، وتفسير البغوي ٥‏/‏١٦٠.
١٠
قال مقاتل بن سليمان: ثم قال مكسلمينا: ﴿فابعثوا أحدكم بورقكم﴾ يعني: الدراهم ﴿هذه﴾ التي معكم ﴿إلى المدينة﴾ فبعثوا يمليخا، ﴿فلينظر أيها أزكى طعاما﴾ يعني: أطيب طعامًا١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٥٧٩. وأخرج ابن جرير ١٥‏/‏٢١٢ من طريق سفيان عن مقاتل دون تعيين: ﴿فابعثوا أحدكم بورقكم هذه﴾: اسمه يمليخ.
١١
قال يحيى بن سلام: ﴿فابعثوا أحدكم بورقكم هذه﴾ أي: بدراهمكم هذه ﴿إلى المدينة﴾ وكانت معهم دارهم، ﴿فلينظر أيها أزكى طعاما﴾ وقد كان مِن طعام قومهم ما لا يستحلون أكله١٢
التخريج
  1. ١تفسير يحيى بن سلام ١‏/‏١٧٥.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختُلِف في المراد بقوله: ﴿أيها أزكى طعاما﴾ على أقوال: الأول: أكثر طعامًا. والثاني: أحل طعامًا. والثالث: خير طعامًا. ورجَّح ابنُ جرير (١٥/٢١٣-٢١٤) القول الثاني والثالث مستندًا إلى الدلالات العقلية، فقال: «وأولى الأقوال عندي في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: معنى ذلك: أحل وأطهر. وذلك أنّه لا معنى في اختيار الأكثر طعامًا للشراء منه، إلا بمعنى إذا كان أكثرهم طعامًا، كان خليقًا أن يكون الأفضل منه عنده أوجد، وإذا شُرط على المأمور الشراء من صاحب الأفضل فقد أمر بشراء الجيد، كان ما عند المشتري ذلك منه قليلًا الجيد أو كثيرًا». وبنحوه ابنُ كثير (٩/١١٨).
١٢
عن عبد الله بن عبيد بن عمير -من طريق عبد العزيز بن أبي روّاد- ﴿فليأتكم برزق منه﴾، قال: بطعام١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٥‏/‏٢١٤.
١٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وليتلطف﴾ يعني: ولْيَتَرَفَّق حتى لا يُفْطَنَ له، ﴿ولا يشعرن بكم أحدا﴾ يعني: ولا يعلمنَّ بمكانكم أحدًا من الناس١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٥٧٩.
١٤
قال يحيى بن سلام: ﴿فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن﴾: لا يُعْلِمَنَّ١
التخريج
  1. ١تفسير يحيى بن سلام ١‏/‏١٧٦.
التفسير بالمأثور لسورة الكهف كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١٩ من سورة الكهف

٥٧ وقفةً في هذه الآية

  • ﴿لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم﴾ صرفهم اللهﷻ عمّا لا ينفعهم لأنهم كانوا سألوه الرشد : ﴿هيّئ لنا من أمرنا رشدا﴾.

    — صالح المغامسي

  • "وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم' ناموا على حسن الظن بربهم فاستيقظوا وقد تغير العالم. توسد حسن الظن بربك ونم قريرا.

    — عبدالله بلقاسم

  • ( ولا يشعرنَّ بكم أحدًا ) مشروعية كتمان بعض الأعمال ، وعدم إظهارها في بعض الأحوال !!

    — عايض المطيري

  • تأمل قصر عمر اﻹنسان-وإن طال-في سؤال أصحاب الكهف،وقد لبثوا ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا(قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم)!

    — سعود الشريم

  • (ولا يشعرن بكم أحدا ) شخص واحد فقط يلتقط بعدسته حركتك أو يصوّر تغريدتك أو يحرّف عبارتك كفيل بأن يثير زوبعة تشلّ دعوتك "نور الكهف"

    — علي الفيفي

  • (فابعثوا أحدكم .. )الفتية أرسلوا واحد منهم فقط ،وفيه درس للدعاة وهو تكليف العدد المناسب للمهمة فالزيادة قد تفسد العمل !

    — عايض المطيري

  • فابعثوا أحدكم بورِقِكم" تشاركوا في أموالهم فصارت لهم جميعاً ! إنها صحبة الإيمان

    — عبدالله بلقاسم

  • "فابعثوا أحدكم" أحدكم !ليس فيهم من يمتهنونه للخدمة أو يخصصونه لها، شركاء الإيمان متساوو الكرامة

    — عبدالله بلقاسم

  • ﴿ فابعثوا (أحدكم) ﴾ لا يلزم أن يكون صاحب الفكرة فاعلها ؛ قد يقترح عاقلٌ أمرًا نافعًا للجميع وهي في مقدور غيره

    — حمد أنوهي

  • { فابعثوا أحدكم (بورقكم هذه) إلى المدينة } استعدادهم بالورق وهو الفضة دليل على أهمية الاستعداد المالي بادخار جزء من المال لحاجة المستقبل

    — محمد الربيعة

  • حين تنتشر الوثنية يذبح لغير الله،ويعم غصب الأموال،وتظهر الأطعمة الفاسدة(فرحم الله فتية الكهف ما أفقههم وأورعهم حين قالوا:أيها أزكى طعاما)

    — عقيل الشمري

  • (أزكى طعاما) قيل:المذبوح لغير الأوثان،وقيل:غير المغصوب، وقيل:الأفضل نوعاً والأطيب طعماً. وهي أقوال تصور لنا حال الأطعمة في المجتمع المشرك

    — عقيل الشمري

و٤٥ وقفةً أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

ترجمات معاني الآية ١٩ من سورة الكهف

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(19) And similarly,[782] We awakened them that they might question one another. Said a speaker from among them, "How long have you remained [here]?" They said, "We have remained a day or part of a day." They said, "Your Lord is most knowing of how long you remained. So send one of you with this silver coin of yours to the city and let him look to which is the best of food and bring you provision from it and let him be cautious. And let no one be aware of you.
[782]- By the will of Allāh.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال