جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
يقول تعالى ذكره : كما أرقدنا هؤلاء الفتية في الكهف، فحفظناهم من وصول واصل إليهم، وعين ناظر أن ينظر إليهم، وحفظنا أجسامهم من البلاء على طول الزمان، وثيابهم من العفن على مرّ الأيام بقدرتنا فكذلك بعثناهم من رقدتهم، وأيقظناهم من نومهم، لنعرّفهم عظيم سلطاننا، وعجيب فعلنا في خلقنا، وليزدادوا بصيرة في أمرهم الذي هم عليه من براءتهم من عبادة الآلهة، وإخلاصهم لعبادة الله وحده لا شريك له، إذا تبيّنوا طول الزمان عليهم، وهم بهيئتهم حين رقدوا. وقوله : لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهُمْ يقول : ليسأل بعضهم بعضا قالَ قائلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ يقول عزّ ذكره : فتساءلوا فقال قائل منهم لأصحابه : كَمْ لبثْتمْ وذلك أنهم استنكروا من أنفسهم طول رقدتهم قالُوا لَبِثْنا يَوْما أوْ بَعْضَ يَوْمٍ يقول : فأجابه الآخرون فقالوا : لَبِثْنا يوما أو بعض يوم. ظنا منهم أن ذلك كذلك كان، فقال الاَخرون : رَبّكُمْ أعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فسلّموا العلم إلى الله.
وقوله : فابْعَثُوا أحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إلى المَدِينَةِ يعني مدينتهم التي خرجوا منها هِرابا، التي تسمى أفسوس فَلْيَنْظُرْ أيّها أزْكَى طَعاما فَلْيأَتِكُمْ بِرزْقٍ مِنْهُ ذكر أنهم هبوا من رقدتهم جياعا، فلذلك طلبوا الطعام. ذكر من قال ذلك، وذكر السبب الذي من أجله ذكر أنهم بعثوا من رقدتهم حين بعثوا منها :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، قال : أخبرني إسماعيل بن بشروس، أنه سمع وهب بن منبه يقول : إنهم غبروا، يعني الفتية من أصحاب الكهف بعد ما بنى عليهم باب الكهف زمانا بعد زمان، ثم إن راعيا أدركه المطر عند الكهف، فقال : لو فتحت هذا الكهف وأدخلت غنمي من المطر، فلم يزل يعالجه حتى فتح ما أدخله فيه، وردّ إليهم أرواحهم في أجسامهم من الغد حين أصبحوا، فبعثوا أحدهم بورق يشتري طعاما فلما أتى باب مدينتهم، رأى شيئا يُنكره، حتى دخل على رجل فقال : بعني بهذه الدراهم طعاما، فقال : ومن أين لك هذه الدراهم ؟ قال : خرجت أنا وأصحاب لي أمس، فآوانا الليل، ثم أصبحوا، فأرسلوني، فقال : هذه الدراهم كانت على عهد مُلك فلان، فأنيّ لك بها ؟ فرفعه إلى الملك، وكان ملكا صالحا، فقال : من أين لك هذه الوَرق ؟ قال : خرجت أنا وأصحاب لي أمس، حتى أدركَنا الليل في كهف كذا وكذا، ثم أمروني أن أشتري لهم طعاما قال : وأين أصحابك ؟ قال : في الكهف قال : فانطلقوا معه حتى أتوا باب الكهف، فقال : دعوني أدخل على أصحابي قبلكم فلما رأوه، ودنا منهم ضُرِب على أذنه وآذانهم، فجعلوا كلما دخل رجل أرعب، فلم يقدروا على أن يدخلوا عليهم، فبنوا عندهم كنيسة، اتخذوها مسجدا يصلون فيه.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، عن عكرمة، قال : كان أصحاب الكهف أبناء ملوك الروم، رزقهم الله الإسلام، فتعوّذوا بدينهم، واعتزلوا قومهم، حتى انتهوا إلى الكهف، فضَرَب الله على سمعهم، فلبثوا دهرا طويلاً، حتى هَلكت أمتهم، وجاءت أمّة مسلمة، وكان ملكهم مسلما، فاختلفوا في الروح والجسد، فقال قائل : يبعث الروح والجسد جميعا وقال قائل : يُبعث الروح، فأما الجسد فتأكله الأرض، فلا يكون شيئا فشقّ على ملكهم اختلافهم، فانطلق فلبس المُسُوح، وجلس على الرّماد، ثم دعا الله تعالى فقال : أي ربّ، قد ترى اختلاف هؤلاء، فابعث لهم آية تبين لهم، فبعث الله أصحاب الكهف، فبعثوا أحدهم يشتري لهم طعاما، فدخل السوق، فجعل يُنكر الوجوه، ويعرف الطرق، ويرى الإيمان بالمدينة ظاهرا، فانطلق وهو مستخف حتى أتى رجلاً يشتري منه طعاما فلما نظر الرجل إلى الوَرِق أنكرها، قال : حسبت أنه قال : كأنها أخفاف الرّبَع، يعني الإبل الصغار، فقال له الفتى : أليس ملككم فلانا ؟ قال : بل ملكنا فلان فلم يزل ذلك بينهما حتى رفعه إلى الملك، فسأله، فأخبره الفتى خبر أصحابه، فبعث الملك في الناس، فجمعهم، فقال : إنكم قد اختلفتم في الروح والجسد، وإن الله قد بعث لكم آية، فهذا رجل من قوم فلان، يعني ملكهم الذي مضى، فقال الفتى : انطلقوا بي إلى أصحابي فركب الملك، وركب معه الناس حتى انتهوا إلى الكهف فقال الفتى دعوني أدخل إلى أصحابي، فلما أبصرهم ضُرِب على أذنه وعلى آذانهم فلما استبطؤوه دخل الملك، ودخل الناس معه، فإذا أجساد لا ينكرون منها شيئا، غير أنها لا أرواح فيها، فقال الملك : هذه آية بعثها الله لكم. قال قتادة : وعن ابن عباس، كان قد غزا مع حبيب بن مسلمة، فمرّوا بالكهف، فإذا فيه عظام، فقال رجل : هذه عظام أصحاب الكهف، فقال ابن عباس : لقد ذهبت عظامهم منذ أكثر من ثلاث مئة سنة.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق فيما ذكر من حديث أصحاب الكهف، قال : ثم ملك أهل تلك البلاد رجل صالح يقال له تيذوسيس فلما ملك بقي ملكه ثمانيا وستين سنة، فتحزّب الناس في مُلكه، فكانوا أحزابا، فمنهم من يؤمن بالله، ويعلم أنّ الساعة حقّ، ومنهم من يكذّب، فكبر ذلك على الملك الصالح تيذوسيس، وبكى إلى الله وتضرّع إليه، وحزن حزنا شديدا لما رأى أهل الباطل يزيدون ويظهرون على أهل الحقّ ويقولون : لا حياة إلا الحياة الدنيا، وإنما تُبعث النفوس، ولا تُبعث الأجساد، ونسُوا ما في الكتاب فجعل تيذوسيس يرسل إلى من يظنّ فيه خيرا، وأنهم أئمة في الحقّ، فجعلوا يكذّبون بالساعة، حتى كادوا أن يُحوّلوا الناس عن الحقّ ومِلة الحَواريين فلما رأى ذلك الملك الصالح تيذوسيس، دخل بيته فأغلقه عليه، ولبس مِسْحا وجعل تحته رمادا، ثم جلس عليه، فدأب ذلك ليله ونهاره زمانا يتضرّع إلى الله، ويبكي إليه مما يرى فيه الناس ثم إن الرحمن الرحيم الذي يكره هلكة العباد، أراد أن يَظْهر على الفتية أصحاب الكهف، ويبين للناس شأنهم، ويجعلهم آية لهم، وحجة عليهم، ليعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن يستجيب لعبده الصالح تيذوسيس، ويتمّ نعمته عليه، فلا ينزع منه مُلكه، ولا الإيمان الذي أعطاه، وأن يعبد الله لا يشرك به شيئا، وأن يجمع من كان تبدّد من المؤمنين، فألقى الله في نفس رجل من أهل ذلك البلد الذي به الكهف، وكان الجبل بنجلوس الذي فيه الكهف لذلك الرجل، وكان اسم ذلك الرجل أولياس، أن يهدم البنيان الذي على فم الكهف، فيبنى به حظيرة لغنمه، فاستأجر عاملين، فجعلا ينزعان تلك الحجارة، ويبنيان بها تلك الحظيرة، حتى نزعا ما على فم الكهف، حتى فتحا عنهم باب الكهف، وحجبهم الله من الناس بالرعب فيزعمون أن أشجع من يريد أن ينظر إليهم غاية ما يمكنه أن يدخل من باب الكهف، ثم يتقدّم حتى يرى كلبهم دونهم إلى باب الكهف نائما فلما نزعا الحجارة، وفتحا عليهم باب الكهف، أذن الله ذو القدرة والعظمة والسلطان محيي الموتى للفتية أن يجلسوا بين ظهري الكهف، فجلسوا فرحين مُسْفِرة وجوههم طيّبة أنفُسهم، فسلّم بعضهم على بعض، حتى كأنما استيقظوا من ساعتهم التي كانوا يستيقظون لها إذا أصبحوا من ليلتهم التي يبيتون فيها. ثم قاموا إلى الصلاة فصلّوا، كالذي كانوا يفعلون، لا يرَون، ولا يُرَى في وجوههم، ولا أبشارهم، ولا ألوانهم شيء يُنكرونه كهيئتهم حين رقدوا بعشيّ أمس، وهم يرون أن ملكهم دقينوس الجبار في طلبهم والتماسهم.
فلما قضوا صلاتهم كما كانوا يفعلون، قالوا ليمليخا، وكان هو صاحب نفقتهم، الذي كان يبتاع لهم طعامهم وشرابهم من المدينة، وجاءهم بالخبر أن دقينوس يلتمسنهم، ويسأل عنهم : أنبئنا يا أخي ما الذي قال الناس في شأننا عشيّ أمسى عند هذا الجبار ؟ وهم يظنون أنهم رقدوا كبعض ما كانوا يرقدون، وقد خُيّل إليهم أنهم قد ناموا كأطول ما كانوا ينامون في الليلة التي أصبحوا فيها، حتى تساءلوا بينهم، فقال بعضهم لبعض : كَمْ لَبِثْتُمْ نياما ؟ قالُوا لَبِثْنا يَوْما أوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبّكُمْ أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ وكل ذلك في أنفسهم يسير. فقال لهم يمليخا : افتُقِدْتم والتمستم بالمدينة، وهو يريد أن يُؤْتَى بكم اليوم، فتَذْبحُون للطواغيت، أو يقتُلُكم، فما شاء الله بعد ذلك. فقال لهم مكسلمينا : يا إخوتاه اعلموا أنكم ملاَقوْن، فلا تكفروا بعد إيمانكم إذا دعاكم عدوّ الله، ولا تُنكروا الحياة التي لا تبيد بعد إيمانكم بالله، والحياة من بعد الموت ثم قالوا ليمليخا : انطلق إلى المدينة فتسمّع ما يقال لنا بها اليوم، وما الذي نُذكر به عند دقينوس، وتلطّف، ولا يشعَرنّ بنا أحد، وابتع لنا طعاما فأتنا به، فإنه قد آن لك، وزدنا على الطعام الذي قد جئتنا به، فإنه قد كان قليلاً، فقد أصبحنا جياعا ففعل يمليخا كما كان يفعل، ووضع ثيابه، وأخذ الثياب التي كان يتنكر فيها، وأخذ وَرِقا من نفقتهم التي كانت معهم، التي ضُربت بطابَع دقينوس الملك، فانطلق يمليخا خارجا فلما مرّ بباب الكهف، رأى الحجارة منزوعة عن باب الكهف، فعجب منها، ثم مرّ فلم يبال بها، حتى أتى المدينة مستخفيا يصدّ عن الطريق تخوّفا أن يراه أحد من أهلها، فيعرفه، فيذهب به إلى دقينوس، ولا يشعر العبد الصالح أن دقينوس وأهل زمانه قد هَلكوا قبل ذلك بثلاث مئة وتسع سنين، أو ما شاء الله من ذلك إذ كان ما بين أن ناموا إلى أن استيقظوا ثلاث مئة وتسع سنين. فلما رأى يمليخا باب المدينة رفع بصره، فرأى فوق ظهر الباب علامة تكون لأهل الإيمان، إذا كان ظاهرا فيها فلما رآها عجب وجعل ينظر مستخفيا إليها فنظر يمينا وشمالاً، فتعجب بينه وبين نفسه، ثم ترك ذلك الباب، فتحوّل إلى باب آخر من أبوابها، فنظر فرأى من ذلك ما يحيط بالمدينة كلها، ورأى على كلّ باب مثل ذلك فجعل يخيل إليه أن المدينة ليس بالمدينة التي كان يعرف، ورأى ناسا كثيرين محدثين لم يكن يراهم قبل ذلك، فجعل يمشي ويعجب ويخيل إليه أنه حيران ثم رجع إلى الباب الذي أتى منه، فجعل يعجب بينه وبين نفسه ويقول : يا ليت شعري، أما هذه عشية أمس، فكان المسلمون يخفون هذه العلامة ويستخفون بها، وأما اليوم فإنها ظاهرة لعليّ حالم ؟ ثم يرى أنه ليس بنائم فأخذ كساءه فجعله على رأسه، ثم دخل المدينة، فجعل يمشي بين ظهري سوقها، فيسمع أناسا كثيرا يحلفون باسم عيسى ابن مريم، فزاده
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وقوله: (لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا) يقول: لو اطلعت عليهم في رقدتهم التي رقدوها في كهفهم، لأدبرت عنهم هاربا منهم فارّا، (وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا) يقول:
ولملئت نفسُك من اطلاعك عليهم فَزَعا، لما كان الله ألبسهم من الهيبة، كي لا يصل إليهم واصل، ولا تلمِسهم يد لامس حتى يبلغ الكتاب فيهم أجله، وتوقظهم من رقدتهم قدرته وسلطانه في الوقت الذي أراد أن يجعلهم عبرة لمن شاء من خلقه، وآية لمن أراد الاحتجاج بهم عليه من عباده، ليعلموا أن وعد الله حق، وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله: (وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا) فقرأته عامة قراء المدينة بتشديد اللام من قوله: (وَلَمُلِّئْتَ) بمعنى أنه كان يمتلئ مرّة بعد مرّة. وقرأ ذلك عامة قراء العراق: (وَلَمُلِئْتَ) بالتخفيف، بمعنى: لملئت مرّة، وهما عندنا قراءتان مستفيضتان في القراءة، متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠)﴾
وقوله: (فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ) يعني مدينتهم التي خرجوا منها هِرابا، التي تسمى أفسوس (فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ) ذكر أنهم هبوا من رقدتهم جِياعا، فلذلك طلبوا الطعام.
* ذكر من قال ذلك، وذكر السبب الذي من أجله ذكر أنهم بعثوا من رقدتهم حين بعثوا منها:
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: أخبرني إسماعيل بن بشروس، أنه سمع وهب بن منبه يقول: إنهم غبروا، يعني الفتية من أصحاب الكهف بعد ما بني عليهم باب الكهف زمانا بعد زمان، ثم إن راعيا أدركه المطر عند الكهف، فقال: لو فتحت هذا الكهف وأدخلت غنمي من المطر، فلم يزل يعالجه حتى فتح ما أدخله فيه، وردّ إليهم أرواحهم في أجسامهم من الغد حين أصبحوا، فبعثوا أحدهم بورق يشتري طعاما، فلما أتى باب مدينتهم، رأى شيئا يُنكره، حتى دخل على رجل فقال: بعني بهذه الدراهم طعاما، فقال: ومن أين لك هذه الدراهم؟ قال: خرجت أنا وأصحاب لي أمس، فآوانا الليل، ثم أصبحوا، فأرسلوني، فقال: هذه الدراهم كانت على عهد مُلك فلان، فأنَّى لك بها، فرفعه إلى الملك، وكان
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، عن عكرمة، قال: كان أصحاب الكهف أبناء ملوك الروم، رزقهم الله الإسلام، فتعوّذوا بدينهم، واعتزلوا قومهم، حتى انتهوا إلى الكهف، فضرب الله على سمعهم، فلبثوا دهرا طويلا حتى هلكت أمتهم، وجاءت أمة مسلمة، وكان ملكهم مسلما، فاختلفوا في الروح والجسد، فقال قائل: يبعث الروح والجسد جميعا، وقال قائل: يُبعث الروح، فأما الجسد فتأكله الأرض، فلا يكون شيئا، فشقّ على ملكهم اختلافهم، فانطلق فلبس المُسُوح، وجلس على الرَّماد، ثم دعا الله تعالى فقال: أي ربّ، قد ترى اختلاف هؤلاء، فابعث لهم آية تبين لهم، فبعث الله أصحاب الكهف، فبعثوا أحدهم يشتري لهم طعاما، فدخل السوق، فجعل يُنكر الوجوه، ويعرف الطرق، ويرى الإيمان بالمدينة ظاهرا، فانطلق وهو مستخف حتى أتى رجلا يشتري منه طعاما، فلما نظر الرجل إلى الوَرِق أنكرها، قال: حسبت أنه قال: كأنها أخفاف الرُّبَع، يعني الإبل الصغار، فقال له الفتى: أليس ملككم فلانا؟ قال: بل ملكنا فلان، فلم يزل ذلك بينهما حتى رفعه إلى الملك، فسأله، فأخبره الفتى خبر أصحابه، فبعث الملك في الناس، فجمعهم، فقال: إنكم قد اختلفتم في الروح والجسد، وإن الله قد بعث لكم آية، فهذا رجل من قوم فلان، يعني ملكهم الذي مضى، فقال الفتى: انطلقوا بي إلى أصحابي، فركب الملك، وركب معه الناس حتى انتهوا إلى الكهف، فقال الفتى دعوني أدخل إلى أصحابي، فلما أبصرهم ضُرِب على أذنه وعلى آذانهم، فلما استبطئوه دخل الملك، ودخل الناس معه، فإذا أجساد لا ينكرون منها شيئا، غير أنها لا أرواح فيها، فقال الملك: هذه آية بعثها الله لكم، قال قتادة: وعن ابن عباس، كان قد غزا مع حبيب بن مسلمة،
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق فيما ذكر من حديث أصحاب الكهف، قال: ثم ملك أهل تلك البلاد رجل صالح يقال له تيذوسيس، فلما ملك بقي ملكه ثمانيا وستين سنة، فتحزّب الناس في مُلكه، فكانوا أحزابا، فمنهم من يؤمن بالله، ويعلم أنّ الساعة حقّ، ومنهم من يكذّب، فكبر ذلك على الملك الصالح تيذوسيس، وبكى إلى الله وتضرّع إليه، وحزن حزنا شديدا لما رأى أهل الباطل يزيدون ويظهرون على أهل الحق ويقولون: لا حياة إلا الحياة الدنيا، وإنما تُبعث النفوس، ولا تُبعث الأجساد، ونسُوا ما في الكتاب، فجعل تيذوسيس يرسل إلى من يظنّ فيه خيرا، وأنهم أئمة في الحق، فجعلوا يكذّبون بالساعة، حتى كادوا أن يُحوّلوا الناس عن الحق وملةِ الحَواريين، فلما رأى ذلك الملك الصالح تيذوسيس، دخل بيته فأغلقه عليه، ولبس مِسْحا وجعل تحته رمادا، ثم جلس عليه، فدأب ذلك ليله ونهاره زمانا يتضرّع إلى الله، ويبكي إليه مما يرى فيه الناس، ثم إن الرحمن الرحيم الذي يكره هلكة العباد، أراد أن يَظْهر على الفتية أصحاب الكهف، ويبين للناس شأنهم، ويجعلهم آية لهم، وحجة عليهم، ليعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن يستجيب لعبده الصالح تيذوسيس، ويتمّ نعمته عليه، فلا ينزع منه مُلكه، ولا الإيمان الذي أعطاه، وأن يعبد الله لا يشرك به شيئا، وأن يجمع من كان تبدّد من المؤمنين، فألقى الله في نفس رجل من أهل ذلك البلد الذي به الكهف، وكان الجبل بنجلوس الذي فيه الكهف لذلك الرجل، وكان اسم ذلك الرجل أولياس، أن يهدم البنيان الذي على فم الكهف، فيبني به حظيرة لغنمه، فاستأجر عاملين، فجعلا ينزعان تلك الحجارة، ويبنيان بها تلك الحظيرة، حتى نزعا ما على فم الكهف، حتى فتحا عنهم باب الكهف، وحجبهم الله من الناس بالرعب، فيزعمون أن أشجع من يريد أن ينظر إليهم غاية ما يمكنه أن يدخل من باب الكهف، ثم يتقدم حتى يرى كلبهم دونهم إلى باب الكهف نائما، فلما نزعا الحجارة، وفتحا عليهم باب الكهف، أذن الله ذو القدرة والعظمة والسلطان محيي الموتى للفتية أن يجلسوا بين ظهراني الكهف، فجلسوا فرحين مُسْفِرة وجوههم طيِّبة أنفُسهم، فسلَّم
فلما انتهى إلى الرجلين الصالحين أريوس وأسطيوس، فلما رأى يمليخا أنه لم يُذهب به إلى دقينوس، أفاق وسكن عنه البكاء، فأخذ أريوس وأسطيوس الورِق فنظرا إليها وعجبا منها، ثم قال أحدهما: أين الكنز الذي وجدت يا فتى، هذا الورِق يشهد عليك أنك قد وجدت كنزا، فقال لهما يمليخا: ما وجدت كنزا ولكن هذه الورِق ورق آبائي، ونقش هذه المدينة وضربها، ولكن والله ما أدري ما شأني، وما أدري ما أقول لكم، فقال له أحدهما: ممن أنت؟ فقال له يمليخا: ما أدري، فكنت أرى أني من أهل هذه القرية، قالوا: فمن أبوك ومن يعرفك بها؟ فأنبأهم باسم أبيه، فلم يجدوا أحدا يعرفه ولا أباه، فقال له أحدهما: أنت رجل كذاب لا تنبئنا بالحقّ، فلم يدر يمليخا ما يقول لهم، غير أنه نكس بصره إلى الأرض، فقال له بعض من حوله: هذا رجل مجنون، فقال بعضهم: ليس بمجنون، ولكنه يحمق نفسه عمدا لكي ينفلت منكم، فقال له أحدهما، ونظر إليه نظرا شديدا: أتظنّ أنك إذ تتجانن نرسلك ونصدّقك بأن هذا مال أبيك، وضرب هذه الورِق ونقشها منذ أكثر من ثلاث مئة سنة؟ وإنما أنت غلام شاب تظنّ أنك تأفكنا، ونحن شمط كما ترى، وحولك سُراة أهل المدينة، وولاة أمرها، إني لأظنني سآمر بك فتعذّب عذابا شديدا، ثم أوثقك حتى تعترف بهذا الكنز الذي وجدت، فلما قال ذلك، قال يمليخا: أنبئوني عن شيء أسألكم عنه، فإن فعلتم صدقتكم عما عندي، أرأيتم دقينوس الملك الذي كان في هذه المدينة عشية أمس ما فعل، فقال له الرجل: ليس على وجه الأرض رجل اسمه دقينوس، ولم يكن إلا ملك قد هلك منذ زمان ودهر طويل، وهلكت بعده قرون كثيرة، فقال له يمليخا: فوالله إني إذا لحيران، وما هو بمصدّق أحد من الناس بما أقول، والله لقد علمت، لقد فررنا من الجبار دقينوس، وإني قد رأيته عشية أمس حين دخل مدينة أفسوس، ولكن لا أدري أمدينة أفسوس هذه أم لا؟ فانطلقا معي إلى الكهف الذي في جبل بنجلوس أريكم أصحابي، فلما سمع
ولما رأى الفتية أصحاب الكهف يمليخا قد احتبس عليهم بطعامهم وشرابهم عن القدر الذي كان يأتي به، ظنوا أنه قد أُخِذ فذُهب به إلى ملكهم دَقْينوس الذي هربوا منه، فبينما هم يظنون ذلك ويتخوفونه، إذ سمعوا الأصوات وجلبة الخيل مصعدة نحوهم، فظنوا أنهم رُسل الجبار دقينوس بعث إليهم ليُؤْتي بهم، فقاموا حين سمعوا ذلك إلى الصلاة، وسلَّم بعضهم على بعض، وأوصى بعضهم بعضا، وقالوا: انطلقوا بنا نأت أخانا يمليخا، فإنه الآن بين يدي الجبار دقينوس ينتظر متى نأته، فبينما هم يقولون ذلك، وهم جلوس بين ظهراني الكهف، فلم يروا إلا أريوس وأصحابه وقوفا على باب الكهف، وسبقهم يمليخا، فدخل عليهم وهو يبكي، فلما رأوه يبكي بكوا معه، ثم سألوه عن شأنه، فأخبرهم خبره وقصّ عليهم النبأ كله، فعرفوا عند ذلك أنهم كانوا نياما بأمر الله ذلك الزمان كله، وإنما أوقظوا ليكونوا آية للناس، وتصديقا للبعث، وليعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها، ثم دخل على إثر يمليخا أريوس، فرأى تابوتا من نحاس مختوما بخاتم من فضة، فقام بباب الكهف، ثم دعا رجالا من عظماء أهل المدينة، ففتح التابوت عندهم، فوجدوا فيه لوحين من رصاص، مكتوبا فيهما كتاب، فقرأهما فوجد فيهما (١) أن مكسلمينا، ومحسلمينا، ويمليخا، ومرطونس، وكسطونس، ويبورس، ويكرونس، ويطبيونس، وقالوش، كانوا فتية هربوا من ملكهم دقينوس الجبار، مخافة أن يفتنهم عن دينهم، فدخلوا هذا الكهف، فلما أخبر بمكانهم أمر بالكهف فسدّ عليهم بالحجارة، وإنا كتبنا شأنهم وقصة خبرهم، ليعلمه من بعدهم إن عثر عليهم. فلما قرءوه، عجبوا وحمدوا الله الذي أراهم آية للبعث فيهم، ثم رفعوا أصواتهم بحمد الله وتسبيحه، ثم دخلوا على
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن عبد العزيز بن أبي روّاد، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، قال: بعثهم الله - يعني الفتية أصحاب الكهف - وقد سلط عليهم ملك مسلم، يعني على أهل مدينتهم، وسلَّط الله على الفتية الجوع، فقال قائل منهم: (كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) قال: فردّوا علم ذلك إلى الله، (قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ) وإذا معهم ورِق من ضرب الملك الذي كانوا في زمانه (فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ) : أي بطعام (وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا). فخرج أحدهم فرأى المعالم متنكرة حتى انتهى إلى المدينة، فاستقبله الناس لا يعرف منهم أحدا، فخرج ولا يعرفونه، حتى انتهى إلى صاحب الطعام، فسامه بطعامه، فقال صاحب الطعام: هات ورقك، فأخرج إليه الورق، فقال: من أين لك هذا الورق؟ قال: هذه ورِقُنا وورِق أهل بلادنا، فقال: هيهات هذه الورِق من ضرب فلان بن فلان منذ ثلاث مئة وتسع سنين، أنت أصبت كنزا، ولست بتاركك حتى أرفعك إلى الملك، فرفعه إلى الملك، وإذا الملك مسلم وأصحابه مسلمون، ففرح واستبشر، وأظهر لهم أمره، وأخبرهم خبر أصحابه، فبعثوا إلى اللوح في الخزانة، فأتوا به، فوافق ما وصف من أمرهم، فقال المشركون: نحن أحقّ بهم هؤلاء أبناء آبائنا، وقال المسلمون: نحن أحقّ بهم، هم مسلمون منا، فانطلقوا معه إلى الكهف، فلما أتوا باب الكهف قال: دعوني حتى أدخل على أصحابي حتى أبشرهم، فإنهم إن رأوكم معي أرعبتموهم، فدخل فبشَّرهم، وقبض الله أرواحهم، قال: وعمى الله عليهم مكانهم، فلم يهتدوا، فقال المشركون: نبني عليهم بُنيانا، فإنهم أبناء آبائنا، ونعبد الله فيه، وقال
(٢) العبارة من أول قوله: فأمر بعيش من خلر ونشيل... إلى هنا: ساقطة من هذا الخبر في عرائس المجالس للثعلبي المفسر ص ٤٢٧: والخلر: حب يقتات به، قيل هو الجلبان، والنشيل: اللبن ساعة يحلب، والعبارة فيما يظهر من بقية كلام أصحاب الكهف.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي قول من قال: إن الله تعالى بعثهم من رقدتهم ليتساءلوا بينهم كما بيَّنا قبل، لأن الله عزّ ذكره، كذلك أخبر عباده في كتابه، وإن الله أعثر عليهم القوم الذين أعثرهم عليهم، ليتحقق عندهم ببعث الله هؤلاء الفتية من رقدتهم بعد طول مدتها بهيئتهم يوم رقدوا، ولم يشيبوا على مرّ الأيام والليالي عليهم، ولم يهرموا على كرّ الدهور والأزمان فيهم قدرته على بعث من أماته في الدنيا من قبره إلى موقف القيامة يوم القيامة، لأن الله عزّ ذكره بذلك أخبرنا، فقال: (وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا).
واختلفت القراء في قراءة قوله: (فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ) فقرأ ذلك عامة قرّاء أهل المدينة وبعض العراقيين (بِوَرِقكُمْ هذِهِ) بفتح الواو وكسر الراء والقاف. وقرأ عامة قراء الكوفة والبصرة (بَورْقِكُمْ) بسكون الراء، وكسر القاف. وقرأه بعض المكيين بكسر الراء، وإدغام القاف في الكاف، وكلّ هذه القراءات متفقات المعاني، وإن اختلفت الألفاظ منها، وهنّ لغات معروفات من كلام العرب، غير أن الأصل في ذلك فتح الواو وكسر الراء والقاف، لأنه الورق، وما عدا ذلك فإنه داخل عليه طلب التخفيف. وفيه أيضا لغة أخرى وهو الوَرْق، كما يقال للكَبِد كَبْد. فإذا كان ذلك هو الأصل، فالقراءة به إلي أعجب، من غير أن تكون الأخريان مدفوعة صحتهما، وقد ذكرنا الرواية بأن الذي بعث معه بالوَرِق إلى المدينة كان اسمه يمليخا.
وقد: حدثني عبيد الله بن محمد الزهري، قال: ثنا سفيان، عن مقاتل (فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ) اسمه يمليخ.
وأما قوله: (فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا) فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم: معناه فلينظر أي أهل المدينة أكثر طعاما.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي حصين، عن عكرمة (أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا) قال: أكثر.
وقال آخرون: بل معناه: أيها أحلّ طعاما.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير: (أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا) قال: أحلّ.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، مثله.
وقال آخرون: بل معناه: أيها خير طعاما.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: (أَزْكَى طَعَامًا) قال: خير طعاما.
وأولى الأقوال عندي في ذلك بالصواب: قول من قال: معنى ذلك: أحلّ وأطهر، وذلك أنه لا معنى في اختيار الأكثر طعاما للشراء منه إلا بمعنى إذا كان أكثرهم طعاما، كان خليقا أن يكون الأفضل منه عنده أوجد، وإذا شرط على المأمور الشراء من صاحب الأفضل، فقد أمر بشراء الجيد، كان ما عند المشتري ذلك منه قليلا الجيد أو كثيرا، وإنما وجه من وجه تأويل أزكى إلى الأكثر، لأنه وجد العرب تقول: قد زكا مال فلان: إذا كثر، وكما قال الشاعر:
| قَبائِلُنا سَبْعٌ وأنْتُمْ ثَلاثَةٌ | وَللسَّبْعُ أزْكَى مِن ثَلاثٍ وأطْيَبُ (١) |
البيت، وقال في الموضع الأول: ذكر ثلاثة، ذهب به إلى بطن، ثم أنثه؛ لأنه ذهب به إلى قبيلة. قلت: والنحاة يجوزون في اسم العدد التذكير والتأنيث، إذا لم يذكر المعدود، وهذا شاهد عليه. وفي (اللسان: زكا) الزكاء ممدودا: النماء والريع. زكا يزكو زكاء وزكوا.
وقوله: (فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ) يقول: فليأتكم بقوت منه تقتاتونه، وطعام تأكلونه.
كما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن عبد الله بن عبيد بن عمير (فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ) قال: بطعام.
وقوله: (وَلْيَتَلَطَّف) يقول: وليترفق في شرائه ما يشتري، وفي طريقه ودخوله المدينة (وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا) يقول: ولا يعلمنّ بكم أحدا من الناس، وقوله: (إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ) يعنون بذلك: دقينوس وأصحابه، قالوا: إن دقينوس وأصحابه إن يظهروا عليكم، فيعلموا مكانكم، يرجموكم شتما بالقول.
كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، في قوله: (إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ) قال: يشتموكم بالقول، يؤذوكم.
وقوله: (أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ) يقول: أو يردّوكم في دينهم، فتصيروا كفارا بعبادة الأوثان
(وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا) يقول: ولن تدركوا الفلاح، وهو البقاء الدائم والخلود في الجنان، إذن: أي إن أنتم عُدْتم في ملتهم أبدا: أيام حياتكم.