الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله :﴿وَلَمْ يَجْعَل﴾ : في هذه الجملةِ أوجهٌ، أحدُها : أنَّها معطوفةٌ على الصلةِ قبلَها. والثاني : أنها اعتراضيةٌ بين الحالِ وهي " قَيِّماً " وبين صاحبِها وهو " الكتابَ " ، والثالث : أنَّها حالٌ من " الكتابَ "، ويترتَّبُ على الأوجهِ القولُ في " قَيِّماً ".
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: الثالث : أنه منصوبٌ بفعلٍ مقدَّرٍ، تقديرُه : جَعَلَهُ قيِّماً. قال الزمخشريُّ :" تقديرُه : ولم يَجْعَلْ له عِوَجاً، جعله قيماً، لأنه إذا نفى عنه العِوَج فقد أثبتَ له الاستقامةَ ". قال :" فإنْ قلتَ : ما فائدة الجمعِ بين نَفْيِ العِوَجِ وإثباتِ الاستقامةِ وفي أحدِهما غِنَىً عن الآخر ؟. قلت : فائدتُه التأكيدُ فَرُبَّ مستقيمٍ مشهودٌ له بالاستقامةِ، ولا يَخْلو مِنْ أدنى عِوَجٍ عند السَّبْرِ والتصفُّح ".
الرابع : أنَّه حالٌ ثانيةٌ، والجملةُ المنفيَّةُ قبلَه حالٌ أيضاًً، وتعدُّدُ الحالِ لذي حالٍ واحدٍ جائزٌ. والتقديرُ : أنزلَه غيرَ جاعلٍ له عِوجاً قيِّماً.
الخامس : أنه حالٌ أيضاً، ولكنه بدلٌ من الجملةِ قبلَه لأنَّها حال، وإبدالُ المفردِ من الجملةِ إذا كانت بتقدير مفردٍ جائزٌ. والتقديرُ : وهذا كنا أُبْدِلَتِ الجملةُ من المفردِ في قولهم :" عَرَفْتُ زيداً أبو مَنْ هو ".
والضميرُ في " له " فيه وجهان، أحدُهما : أنَّه للكتاب، وعليه التخاريجُ المتقدمةُ. والثاني : أنَّه يعود على " عبدِه "، وليس بواضحٍ.
وقرأ العامَّةُ بتشديد الياء. وأبانُ بنُ تَغْلبَ بفتحِها خفيفةً. وقد تَقَدَّم القولُ فيها.
ووقف حفصٌ على تنوينِ " عِوَجاً " يُبْدله ألفاً، [ ويسكت ] سكتةً لطيفةً من غير قَطْع نَفَسٍ، إشْعاراً بأنَّ " قَيِّماً " ليس متصلاً بـ " عِوَجاً "، وإنما هو مِنْ صفةِ الكتاب. وغيرُه لم يَعْبَأْ بهذا الوهمِ فلم يسكتْ اتِّكالاً على فَهْمِ المعنى.
قلت : قد يتأيَّد ما فعله حفصٌ بما في بعضِ مصاحفِ الصحابةِ :" ولم يَجْعَلْ له عِوَجاً، لكنْ جَعَلَه قيَّماً ". وبعض القراء يُطْلِقُ فيقول : يَقِف على " عِوَجا "، ولم يقولوا : يُبدل التنوين ألفاً، فيُحْتمل ذلك، وهو أقربُ لغرضِه فيما ذكرْتُ.
ورَأيْتُ الشيْخَ شهابَ الدين أبا شامة قد نقل هذا عن ابنِ غلبون وأبي علي الأهوازيِّ، أعني الإِطلاقَ. ثم قال :" وفي ذلك نَظَرٌ - أي على إبدالِ التنوين ألفاً - فإنه لو وَقَفَ على التنوين لكان أَدَلَّ على غرضِه، وهو أنه واقفٌ بنيَّةِ الوصلِ ".
انتهى.
وقال الأهوازيُّ :" ليس هو وَقْفاً مختاراً، لأنَّ في الكلامِ تقديماً وتأخيراً، معناه : أَنْزَلَ على عبدِه الكتاب قيِّماً ولم يَجْعَلْ له عِوَجاً ". قلت : دَعْوى التقديمِ والتأخيرِ وإنْ كان قاله به غيرُه، إلا أنها مَرْدودةٌ بأنَّها على خلافِ الأصل، وقد تقدَّم تحقيقُه.
الرابع : أنَّه حالٌ ثانيةٌ، والجملةُ المنفيَّةُ قبلَه حالٌ أيضاًً، وتعدُّدُ الحالِ لذي حالٍ واحدٍ جائزٌ. والتقديرُ : أنزلَه غيرَ جاعلٍ له عِوجاً قيِّماً.
الخامس : أنه حالٌ أيضاً، ولكنه بدلٌ من الجملةِ قبلَه لأنَّها حال، وإبدالُ المفردِ من الجملةِ إذا كانت بتقدير مفردٍ جائزٌ. والتقديرُ : وهذا كنا أُبْدِلَتِ الجملةُ من المفردِ في قولهم :" عَرَفْتُ زيداً أبو مَنْ هو ".
والضميرُ في " له " فيه وجهان، أحدُهما : أنَّه للكتاب، وعليه التخاريجُ المتقدمةُ. والثاني : أنَّه يعود على " عبدِه "، وليس بواضحٍ.
وقرأ العامَّةُ بتشديد الياء. وأبانُ بنُ تَغْلبَ بفتحِها خفيفةً. وقد تَقَدَّم القولُ فيها.
ووقف حفصٌ على تنوينِ " عِوَجاً " يُبْدله ألفاً، [ ويسكت ] سكتةً لطيفةً من غير قَطْع نَفَسٍ، إشْعاراً بأنَّ " قَيِّماً " ليس متصلاً بـ " عِوَجاً "، وإنما هو مِنْ صفةِ الكتاب. وغيرُه لم يَعْبَأْ بهذا الوهمِ فلم يسكتْ اتِّكالاً على فَهْمِ المعنى.
قلت : قد يتأيَّد ما فعله حفصٌ بما في بعضِ مصاحفِ الصحابةِ :" ولم يَجْعَلْ له عِوَجاً، لكنْ جَعَلَه قيَّماً ". وبعض القراء يُطْلِقُ فيقول : يَقِف على " عِوَجا "، ولم يقولوا : يُبدل التنوين ألفاً، فيُحْتمل ذلك، وهو أقربُ لغرضِه فيما ذكرْتُ.
ورَأيْتُ الشيْخَ شهابَ الدين أبا شامة قد نقل هذا عن ابنِ غلبون وأبي علي الأهوازيِّ، أعني الإِطلاقَ. ثم قال :" وفي ذلك نَظَرٌ - أي على إبدالِ التنوين ألفاً - فإنه لو وَقَفَ على التنوين لكان أَدَلَّ على غرضِه، وهو أنه واقفٌ بنيَّةِ الوصلِ ".
انتهى.
وقال الأهوازيُّ :" ليس هو وَقْفاً مختاراً، لأنَّ في الكلامِ تقديماً وتأخيراً، معناه : أَنْزَلَ على عبدِه الكتاب قيِّماً ولم يَجْعَلْ له عِوَجاً ". قلت : دَعْوى التقديمِ والتأخيرِ وإنْ كان قاله به غيرُه، إلا أنها مَرْدودةٌ بأنَّها على خلافِ الأصل، وقد تقدَّم تحقيقُه.