زهرة التفاسير — أبو زهرة

عن الكتاب
ابتدأت السورة الكريمة بالتحميد بعد أن ختمت السورة السابقة بالأمر بالتكبير، فهو المحمود الكبير الذي ليس فوقه أحد سبحانه وتعالى و"ال" في ﴿الحمد﴾ للاستغراق، أي استغراق كل الحمد وأعلاه، فهو المحمود ولا محمود بحق سواه وكل آحاد الحمد تعود إليه بإطلاق، وليس لغيره حمد إلا نسبي، وفي دائرة محدودة، هي دائرة المخلوق الذي لا يملك شيئا إلا من الله تعالى، ﴿الذي أنزل على عبده الكتاب﴾ هذه جملة تشير إلى سبب الحمد أو بعض أسبابه، فإن الحمد لا يكون إلا بنعمة، وهذه النعمة أجل النعم، وأعظمها، لأنها نعمة إنزال الكتاب على عبده، وتقديم الجار والمجرور﴿على عبده﴾ على الكتاب لمزيد الاهتمام بكونه عبده. فإنه عبد الله ومبلغ رسالته ومن اختصه لنبوته وهو أعلم حيث يجعل رسالته، وقوله تعالى :﴿الكتاب﴾ للدلالة على كمال الكتاب في ذاته، فهو الجدير بأن يسمى كتابا، وليس غيره جديرا بهذه التسمية، وله ذلك الشرف الداني، لأنه يشتمل عل كل ما يصلح البشر في معاشهم، ومعادهم وما تقوم به مدنية سليمة فاضلة تنفى خبثها، وتدعم خيرها، وله شرف آخر إضافي وهو أنه منزل من الله العزيز الرحيم الرءوف الغفور الذي رحمته وسعة كل شيء.
هذه صفات ذاتية وإضافية، ومن صفاته الذاتية أيضا أنه لا عوج فيه، ولذا قال تعالى :﴿ولم يجعل له عوجا﴾، أي أنه سبحانه خلقه متجها إلى الحق من غير انحراف، وأنه كالجسم الذي لا يعوج حسيا، فإن الجسم قد يكون في ذاته مستقيما، ولكن قد يتعرض لبعض الصدمات التي تجعله يسيخ(١) أو ينقبض، وإن هذا القرآن لا عوج فيه، لا من خارجه ولا من أصل تكوينه، فهو كونه قويما ولا يمسه شيء يزيغ أو ينحرف، فهو قويم غير قابل للاعوجاج.
١ : يسيخ: هكذا بالخاء – يرسخ. القاموس المحيط (ساخ)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى