غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
والمراد من قوله ﴿قل الله أعلم﴾ أن لا تتجاوزوا الحق الذي أخبر الله به ولا تلتفتوا إلى ما سواه من اختلافات أهل الأديان نظيره قوله :﴿قل ربي أعلم بعدّتهم﴾ بعد قوله :﴿سبعة وثامنهم كلبهم﴾ قال النحويون : سنين عطف بيان لثلثمائة لأن مميز مائة وأخواتها مجرور مفرد. وقيل : فيه تقديم وتأخير أي لبثوا سنين ثلثمائة. ومن قرأ بالإضافة فعلى وضع الجميع موضع الجميع موضع الواحد في التمييز كما مر في قوله :﴿وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطاً أمماً﴾ [الأعراف: ١٦٠] قوله :﴿وازدادوا تسعاً﴾ أي تسع سنين لدلالة لما قبله عليه دون أن يقول " ولبثوا ثلثمائة سنة وتسع سنين ". فعن الزجاج المراد ثلثمائة بحساب السنين الشمسية وثلثمائة وتسع بالسنين القمرية وهذا شيء تقريبي. وقيل : إنهم لما استكملوا ثلثمائة سنة قرب أمرهم من الانتباه.
ثم اتفق ما أوجب بقاءهم في النوم بعد ذلك تسع سنين، ثم أكد قوله :﴿الله أعلم بما لبثوا﴾ بقوله :﴿له غيب السموات والأرض﴾ أي ليس لغيره ما خفى فيهما من أحوالهما وأحوال سكانهما وهو مختص بذلك. ثم زاد في المبالغة فجاء بما دل على التعجب من إدراكه للمبصرات والمسموعات. والضمير في قوله :﴿مالهم﴾ لأهل السموات والأرض. وفيه بيان لكمال قدرته وأن الكل تحت قهره وتسخيره وأنه لا يتولى أمورهم غيره ﴿ولا يشرك في حكمه﴾ وقضائه قبل أصحاب الكهف ﴿أحداً﴾ منهم ومن قرأ ﴿لا نشرك﴾ على النهي فهو معطوف على ﴿لا تقولن﴾ والمراد أنه لا يسأل أحداً عما أخبره الله به من نبأ أصحاب الكهف. واقتصر على بيانه. وقيل : الضمير في مالهم لأصحاب الكهف أي أنه هو الذي حفظهم في ذلك النوم الطويل وتولى أمرهم. وقيل : ليس للمختلفين في مدة لبثهم من دون الله من يتولى أمورهم فكيف يعلمون هذه الواقعة من دون إعلامه ؟ ! وقيل : فيه نوع تهديد لأنهم لما ذكروا في هذا الباب أقوالاً على خلاف قول الله فقد استوجبوا العقاب فبين الله تعالى أنه :﴿ليس لهم من دونه ولي﴾ يمنع العقاب عنهم. واعلم أن الناس اختلفوا في زمان لبث أصحاب الكهف في مكانهم فقيل : كانوا قبل موسى عليه السلام وأنه ذكرهم في التوراة فلهذا سألت اليهود ما سألوا وقيل : دخلوا الكهف قبل المسيح وأخبروه بخبرهم ثم لبثوا في الوقت الذي بين عيسى ومحمد عليهما السلام. وحكى القفال عن محمد بن إسحق أنهم دخلوا كهفهم بعد عيسى. وقيل : إنهم لم يموتوا ولا يموتون إلى يوم القيامة. وذكر أبو علي بن سينا في باب الزمان من كتاب الشفاء إن أرسطا طاليس الحكيم زعم أنه عرض لقوم من المتألهين حالة شبيهة بحالة أصحاب الكهف ثم قال أبو علي : ويدل التاريخ على أنهم كانوا قبل أصحاب الكهف. وأما المكان فحكى القفال عن محمد بن موسى الخوارزمي المنجم أن الواثق أنفذه إلى ملك الروم ليعرف أحوال أصحاب الكهف، فوجهه مع طائفة إلى ذلك الموضع قال : وإن الرجل الموكل بذلك المقام فزعني من الدخول عليهم، فدخلت فرأيت الشعور على صدورهم فعرفت أنه تمويه واحتيال وأن الناس كانوا قد عالجوا تلك الجثث بالأدوية المجففة الحافظة لأبدان الموتى عن البلى كالصبر وغيره. قلت : حين لم يملأ الخوارزمي رعباً من الاطلاع عليهم حصل القطع بأنهم ليسوا أصحاب الكهف والرقيم، ولو صح ما حكينا عن معاوية حين غزا الروم حصل ظن غالب بأنهم منهم والله تعالى أعلم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل :﴿الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب﴾ والعبد الحقيقي من يكون حراً عن الكونين وهو محمد ﷺ إذ يقول :" أمتي أمتي " يوم يقول كل نبي " نفسي نفسي "، ولأنه هو الذي صحح نسبة العبودية كما ينبغي أطلق عليه اسم العبد مطلقاً وقيد لسائر الأنبياء كما قال :﴿عبده زكريا﴾ [مريم: ٢]، ﴿واذكر عبدنا داود﴾ [ص: ١٧]، ولأنه كان خلقه القرآن قيل :﴿ولم يجعل له﴾ أي لقلبه ﴿عوجاً﴾ لا يستقيم فيه القرآن، ومن استقامة قلبه نال ليلة المعراج رتبة ﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ [النجم: ١٠] بلا واسطة جبرائيل، ونال قلبه الاستقامة بأمر التكوين بقوله :﴿فاستقم كما أمرت﴾ [هود: ١١٢] ﴿أجراً حسناً﴾. هو التمتع من حسن الله وجماله. ﴿لعلك باخع نفسك﴾ كان من عادته عليه الصلاة والسلام أن يبالغ في المأمور به حتى ينهى عنه، بالغ في الدعوة والشفقة على أمته حتى قيل له لا تبخع نفسك، وبالغ في الإنفاق إلى أن أعطى قميصه فقعد عرياناً فنهى عنه بقوله :﴿ولا تبسطها كل البسط﴾ [الإسراء: ٢٩] ﴿إنا جعلنا ما على الأرض زينة﴾ أي زينا الدنيا وشهواتها للخلق ملائماً لطبائعهم وجعلناها محل ابتلاء للمحب وللسائل ﴿لنبلوهم أيهم أحسن عملاً﴾ في تركها ومخالفة هوى نفسه طلباً لله ومرضاته. ثم أخبر عن سعادة السادة الذين أعرضوا عن الدنيا وأقبلوا على المولى بقوله :﴿أم حسبت﴾ ومعناه لا تعجب من حالهم فإن في أمتك من هو أعجب حالاً منهم، ففيهم أصحاب الخلوات الذين كهفهم بيت الخلوة، ورقيمهم قلوبهم المرقومة برقم المحبة فإنهم أووا إلى الكهف خوفاً من لقاء دقيانوس وفراراً منه، فهؤلاء أووا إلى الخلوة شوقاً إلى لقائي وفراراً إليّ. وإنهم طلبوا النجاة من شر. والخروج من الغار بالسلامة بقولهم ﴿ربنا آتنا﴾ الآية. فهؤلاء طلبوا الخلاص من شر نفوسهم والخروج من ظلمات الغار المجازي للوصول إلى نور الوجود الحقيقي. ﴿فضربنا﴾ على آذان باطنه وحواسهم الآخر في مدة الخلوة لمحو النقوش الفاسدة عن ألواح نفوسهم وانتقاشها بالعلوم الدينية والأنوار الإلهية ليفنيهم الله عنهم ويبقيهم به وهو سر قوله :﴿ثم بعثناهم﴾ أي أحييناهم بنا ﴿لنعلم أي الحزبين﴾ أصحاب الخلوة أم أصحاب السلوة :﴿أحصى﴾ أي أكثر فائدة وأتم عائدة لأمد لبثهم في الدنيا التي هي مزرعة الآخرة ﴿وزدناهم هدى﴾ فإنهم كانوا يريدون الإيمان الغيبي فأنمناهم ﴿ثم بعثناهم﴾ حتى صار الإيمان إيقاناً والغيب عياناً ﴿اتخذوا من دونه آلهة﴾ من الدنيا والهوى. ﴿وترى الشمس إذا طلعت﴾ قال الشيخ المحقق نجم الدين. المعروف : بداية هذا أخبار من أصناف ألطافه بأضيافه، وفيه إشارة إلى أن نور ولايتهم يغلب نور الشمس ويرده عن الكهف كما يغلب نور المؤمن نار جهنم لقول ﷺ :" إن المؤمن إذا ورد النار تستغيث النار وتقول : حزباً مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي " ﴿وهم في فجوة منه﴾ في متسع وفراغ من ذلك النور يدفع عنهم كل ضر ويراعيهم عن بلى أجسادهم وثيابهم. قلت : يحتمل أن يراد أن شمس الروح أو المعرفة والولاية إذا طلعت من أفق الهداية وأشرقت في سماء الواردات - وهو حالة السكر وغلبات الوجد - لا تنصرف في حال خلوتهم إلى أمر يتعلق بالعقبى وهو جانب اليمين ﴿وإذا غربت﴾ أي سكنت تلك الغلبات وظهرت حالة الصحو لا تلتفت همم أرواحهم إلى أمر يتعلق بالدنيا وهو جانب الشمال، بل تنحرف عن الجهتين إلى المولى وهم في حال دفاع وفراغ ما يشغلهم عن الله ﴿وتحسبهم إيقاظاً﴾ متصرفين في أمور الدنيا ﴿وهم رقود﴾ عنها لأنهم يتصرفون فيها لأجل الحق لا لحظ النفس، أو تحسبهم أيقاظاً مشغولين بأمور الآخرة لأن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا، وهم رقود متصرفون في أمور الدنيا لأن الناس بهم يرزقون ويمطرون. وفي قوله :﴿ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال﴾ إشارة إلى أنهم في التسليم لمقلب القلوب في الأحوال كلها كالميت بين يدي الغسال. قيل : في الآية دلالة على أن المريد الذي يربيه الله بلا واسطة المشايخ تكامل أمره في ثلثمائة وتسع سنين، والذي يربيه بواسطتهم تم أمره في أربعينات معدودة ولهذا تكون ثمرة البساتين الزهر وثمرة الجبال وفي قوله :﴿وكلبهم باسط﴾ إشارة أن أكلب نفوسهم نائمة معطلة عن الأعمال بها. ربيت القلوب والأرواح معنى أن هذا النوع من التربية من قبيل القدرة الإلهية التي اختصهم بها، ويمكن أن يراد أن نفوسهم صارت بحيث تطيعهم في جميع الأحوال وتحرسهم عما يضرهم ﴿ولملئت منهم رعباً﴾ بما شاهدت عليهم من آثار الأنوار التي زدناهم، ولجلاليب الهيبة والعظمة التي ألبسناهم ﴿لبثنا يوماً أو بعض يوم﴾ لأن أيام الوصال قصيرة، فما رأوا أنهم في دهشة الوصال وحياة الأحوال ﴿قالوا ربكم أعلم بما لبثتم﴾ لأنه كان حاضراً معكم وأنتم غيب عنكم ﴿فابعثوا أحدكم﴾ من العجب أنهم ما احتاجوا مدة ثلثمائة وتسع سنين بما نالوا من غذاء الروح كقوله ﷺ :" أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " فلما رجعوا من عند الله الحق إلى عبدية أنفسهم احتاجوا إلى الغذاء الجسماني ﴿أزكى طعاماً﴾ لما رجعوا إلى العالم الجسماني، تعللوا من جمال الله بمشاهدة كل جميل وتوسلوا إلى تلك الملاطفات بلطافة الأغذية الجسمانية وزكائها. ﴿ولا يشعرنّ بكم أحد﴾ فيه أن أرباب المعرفة والمحبة يجب أن يحترزوا عن شعور أهل الغفلة والسلوة ﴿ليعلموا أن وعد الله حق﴾ بإحياء القلوب الميتة حق قدره، الأمر فيما أظهر وأبدى أو أسر وأخفى. ﴿سيقولون﴾ أن القوى والأركان الأصلية للإنسان ﴿ثلاثة﴾ الحيوانية والطبيعية والنفسانية التي منشؤهن القلب والكبد والدماغ. ﴿رابعهم كلبهم﴾ هو النفس الناطقة. ﴿ويقولون خمسة﴾ هو الحواس الظاهرة ﴿سادسهم﴾ النفس ﴿ويقولون سبعة﴾ هو الحواس الظاهرة مع الوهم المدرك للمعاني والخيال المدرك للصور ﴿وثامنهم كلبهم﴾ هو النفس المدرك للكليات ﴿قل ربي أعلم بعدتهم﴾ لأن القوى الباطنة والظاهرة وأفاعيلها وغاياتها لا يعلمهن إلا الله سبحانه ومن أطلعه الله عليه وذلك قوله :﴿ما يعلمهم إلا قليل﴾ والله أعلم بالصواب.
التأويل :﴿الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب﴾ والعبد الحقيقي من يكون حراً عن الكونين وهو محمد ﷺ إذ يقول :" أمتي أمتي " يوم يقول كل نبي " نفسي نفسي "، ولأنه هو الذي صحح نسبة العبودية كما ينبغي أطلق عليه اسم العبد مطلقاً وقيد لسائر الأنبياء كما قال :﴿عبده زكريا﴾ [مريم: ٢]، ﴿واذكر عبدنا داود﴾ [ص: ١٧]، ولأنه كان خلقه القرآن قيل :﴿ولم يجعل له﴾ أي لقلبه ﴿عوجاً﴾ لا يستقيم فيه القرآن، ومن استقامة قلبه نال ليلة المعراج رتبة ﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ [النجم: ١٠] بلا واسطة جبرائيل، ونال قلبه الاستقامة بأمر التكوين بقوله :﴿فاستقم كما أمرت﴾ [هود: ١١٢] ﴿أجراً حسناً﴾. هو التمتع من حسن الله وجماله. ﴿لعلك باخع نفسك﴾ كان من عادته عليه الصلاة والسلام أن يبالغ في المأمور به حتى ينهى عنه، بالغ في الدعوة والشفقة على أمته حتى قيل له لا تبخع نفسك، وبالغ في الإنفاق إلى أن أعطى قميصه فقعد عرياناً فنهى عنه بقوله :﴿ولا تبسطها كل البسط﴾ [الإسراء: ٢٩] ﴿إنا جعلنا ما على الأرض زينة﴾ أي زينا الدنيا وشهواتها للخلق ملائماً لطبائعهم وجعلناها محل ابتلاء للمحب وللسائل ﴿لنبلوهم أيهم أحسن عملاً﴾ في تركها ومخالفة هوى نفسه طلباً لله ومرضاته. ثم أخبر عن سعادة السادة الذين أعرضوا عن الدنيا وأقبلوا على المولى بقوله :﴿أم حسبت﴾ ومعناه لا تعجب من حالهم فإن في أمتك من هو أعجب حالاً منهم، ففيهم أصحاب الخلوات الذين كهفهم بيت الخلوة، ورقيمهم قلوبهم المرقومة برقم المحبة فإنهم أووا إلى الكهف خوفاً من لقاء دقيانوس وفراراً منه، فهؤلاء أووا إلى الخلوة شوقاً إلى لقائي وفراراً إليّ. وإنهم طلبوا النجاة من شر. والخروج من الغار بالسلامة بقولهم ﴿ربنا آتنا﴾ الآية. فهؤلاء طلبوا الخلاص من شر نفوسهم والخروج من ظلمات الغار المجازي للوصول إلى نور الوجود الحقيقي. ﴿فضربنا﴾ على آذان باطنه وحواسهم الآخر في مدة الخلوة لمحو النقوش الفاسدة عن ألواح نفوسهم وانتقاشها بالعلوم الدينية والأنوار الإلهية ليفنيهم الله عنهم ويبقيهم به وهو سر قوله :﴿ثم بعثناهم﴾ أي أحييناهم بنا ﴿لنعلم أي الحزبين﴾ أصحاب الخلوة أم أصحاب السلوة :﴿أحصى﴾ أي أكثر فائدة وأتم عائدة لأمد لبثهم في الدنيا التي هي مزرعة الآخرة ﴿وزدناهم هدى﴾ فإنهم كانوا يريدون الإيمان الغيبي فأنمناهم ﴿ثم بعثناهم﴾ حتى صار الإيمان إيقاناً والغيب عياناً ﴿اتخذوا من دونه آلهة﴾ من الدنيا والهوى. ﴿وترى الشمس إذا طلعت﴾ قال الشيخ المحقق نجم الدين. المعروف : بداية هذا أخبار من أصناف ألطافه بأضيافه، وفيه إشارة إلى أن نور ولايتهم يغلب نور الشمس ويرده عن الكهف كما يغلب نور المؤمن نار جهنم لقول ﷺ :" إن المؤمن إذا ورد النار تستغيث النار وتقول : حزباً مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي " ﴿وهم في فجوة منه﴾ في متسع وفراغ من ذلك النور يدفع عنهم كل ضر ويراعيهم عن بلى أجسادهم وثيابهم. قلت : يحتمل أن يراد أن شمس الروح أو المعرفة والولاية إذا طلعت من أفق الهداية وأشرقت في سماء الواردات - وهو حالة السكر وغلبات الوجد - لا تنصرف في حال خلوتهم إلى أمر يتعلق بالعقبى وهو جانب اليمين ﴿وإذا غربت﴾ أي سكنت تلك الغلبات وظهرت حالة الصحو لا تلتفت همم أرواحهم إلى أمر يتعلق بالدنيا وهو جانب الشمال، بل تنحرف عن الجهتين إلى المولى وهم في حال دفاع وفراغ ما يشغلهم عن الله ﴿وتحسبهم إيقاظاً﴾ متصرفين في أمور الدنيا ﴿وهم رقود﴾ عنها لأنهم يتصرفون فيها لأجل الحق لا لحظ النفس، أو تحسبهم أيقاظاً مشغولين بأمور الآخرة لأن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا، وهم رقود متصرفون في أمور الدنيا لأن الناس بهم يرزقون ويمطرون. وفي قوله :﴿ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال﴾ إشارة إلى أنهم في التسليم لمقلب القلوب في الأحوال كلها كالميت بين يدي الغسال. قيل : في الآية دلالة على أن المريد الذي يربيه الله بلا واسطة المشايخ تكامل أمره في ثلثمائة وتسع سنين، والذي يربيه بواسطتهم تم أمره في أربعينات معدودة ولهذا تكون ثمرة البساتين الزهر وثمرة الجبال وفي قوله :﴿وكلبهم باسط﴾ إشارة أن أكلب نفوسهم نائمة معطلة عن الأعمال بها. ربيت القلوب والأرواح معنى أن هذا النوع من التربية من قبيل القدرة الإلهية التي اختصهم بها، ويمكن أن يراد أن نفوسهم صارت بحيث تطيعهم في جميع الأحوال وتحرسهم عما يضرهم ﴿ولملئت منهم رعباً﴾ بما شاهدت عليهم من آثار الأنوار التي زدناهم، ولجلاليب الهيبة والعظمة التي ألبسناهم ﴿لبثنا يوماً أو بعض يوم﴾ لأن أيام الوصال قصيرة، فما رأوا أنهم في دهشة الوصال وحياة الأحوال ﴿قالوا ربكم أعلم بما لبثتم﴾ لأنه كان حاضراً معكم وأنتم غيب عنكم ﴿فابعثوا أحدكم﴾ من العجب أنهم ما احتاجوا مدة ثلثمائة وتسع سنين بما نالوا من غذاء الروح كقوله ﷺ :" أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " فلما رجعوا من عند الله الحق إلى عبدية أنفسهم احتاجوا إلى الغذاء الجسماني ﴿أزكى طعاماً﴾ لما رجعوا إلى العالم الجسماني، تعللوا من جمال الله بمشاهدة كل جميل وتوسلوا إلى تلك الملاطفات بلطافة الأغذية الجسمانية وزكائها. ﴿ولا يشعرنّ بكم أحد﴾ فيه أن أرباب المعرفة والمحبة يجب أن يحترزوا عن شعور أهل الغفلة والسلوة ﴿ليعلموا أن وعد الله حق﴾ بإحياء القلوب الميتة حق قدره، الأمر فيما أظهر وأبدى أو أسر وأخفى. ﴿سيقولون﴾ أن القوى والأركان الأصلية للإنسان ﴿ثلاثة﴾ الحيوانية والطبيعية والنفسانية التي منشؤهن القلب والكبد والدماغ. ﴿رابعهم كلبهم﴾ هو النفس الناطقة. ﴿ويقولون خمسة﴾ هو الحواس الظاهرة ﴿سادسهم﴾ النفس ﴿ويقولون سبعة﴾ هو الحواس الظاهرة مع الوهم المدرك للمعاني والخيال المدرك للصور ﴿وثامنهم كلبهم﴾ هو النفس المدرك للكليات ﴿قل ربي أعلم بعدتهم﴾ لأن القوى الباطنة والظاهرة وأفاعيلها وغاياتها لا يعلمهن إلا الله سبحانه ومن أطلعه الله عليه وذلك قوله :﴿ما يعلمهم إلا قليل﴾ والله أعلم بالصواب.
ثم اتفق ما أوجب بقاءهم في النوم بعد ذلك تسع سنين، ثم أكد قوله :﴿الله أعلم بما لبثوا﴾ بقوله :﴿له غيب السموات والأرض﴾ أي ليس لغيره ما خفى فيهما من أحوالهما وأحوال سكانهما وهو مختص بذلك. ثم زاد في المبالغة فجاء بما دل على التعجب من إدراكه للمبصرات والمسموعات. والضمير في قوله :﴿مالهم﴾ لأهل السموات والأرض. وفيه بيان لكمال قدرته وأن الكل تحت قهره وتسخيره وأنه لا يتولى أمورهم غيره ﴿ولا يشرك في حكمه﴾ وقضائه قبل أصحاب الكهف ﴿أحداً﴾ منهم ومن قرأ ﴿لا نشرك﴾ على النهي فهو معطوف على ﴿لا تقولن﴾ والمراد أنه لا يسأل أحداً عما أخبره الله به من نبأ أصحاب الكهف. واقتصر على بيانه. وقيل : الضمير في مالهم لأصحاب الكهف أي أنه هو الذي حفظهم في ذلك النوم الطويل وتولى أمرهم. وقيل : ليس للمختلفين في مدة لبثهم من دون الله من يتولى أمورهم فكيف يعلمون هذه الواقعة من دون إعلامه ؟ ! وقيل : فيه نوع تهديد لأنهم لما ذكروا في هذا الباب أقوالاً على خلاف قول الله فقد استوجبوا العقاب فبين الله تعالى أنه :﴿ليس لهم من دونه ولي﴾ يمنع العقاب عنهم. واعلم أن الناس اختلفوا في زمان لبث أصحاب الكهف في مكانهم فقيل : كانوا قبل موسى عليه السلام وأنه ذكرهم في التوراة فلهذا سألت اليهود ما سألوا وقيل : دخلوا الكهف قبل المسيح وأخبروه بخبرهم ثم لبثوا في الوقت الذي بين عيسى ومحمد عليهما السلام. وحكى القفال عن محمد بن إسحق أنهم دخلوا كهفهم بعد عيسى. وقيل : إنهم لم يموتوا ولا يموتون إلى يوم القيامة. وذكر أبو علي بن سينا في باب الزمان من كتاب الشفاء إن أرسطا طاليس الحكيم زعم أنه عرض لقوم من المتألهين حالة شبيهة بحالة أصحاب الكهف ثم قال أبو علي : ويدل التاريخ على أنهم كانوا قبل أصحاب الكهف. وأما المكان فحكى القفال عن محمد بن موسى الخوارزمي المنجم أن الواثق أنفذه إلى ملك الروم ليعرف أحوال أصحاب الكهف، فوجهه مع طائفة إلى ذلك الموضع قال : وإن الرجل الموكل بذلك المقام فزعني من الدخول عليهم، فدخلت فرأيت الشعور على صدورهم فعرفت أنه تمويه واحتيال وأن الناس كانوا قد عالجوا تلك الجثث بالأدوية المجففة الحافظة لأبدان الموتى عن البلى كالصبر وغيره. قلت : حين لم يملأ الخوارزمي رعباً من الاطلاع عليهم حصل القطع بأنهم ليسوا أصحاب الكهف والرقيم، ولو صح ما حكينا عن معاوية حين غزا الروم حصل ظن غالب بأنهم منهم والله تعالى أعلم.
التأويل :﴿الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب﴾ والعبد الحقيقي من يكون حراً عن الكونين وهو محمد ﷺ إذ يقول :" أمتي أمتي " يوم يقول كل نبي " نفسي نفسي "، ولأنه هو الذي صحح نسبة العبودية كما ينبغي أطلق عليه اسم العبد مطلقاً وقيد لسائر الأنبياء كما قال :﴿عبده زكريا﴾ [مريم: ٢]، ﴿واذكر عبدنا داود﴾ [ص: ١٧]، ولأنه كان خلقه القرآن قيل :﴿ولم يجعل له﴾ أي لقلبه ﴿عوجاً﴾ لا يستقيم فيه القرآن، ومن استقامة قلبه نال ليلة المعراج رتبة ﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ [النجم: ١٠] بلا واسطة جبرائيل، ونال قلبه الاستقامة بأمر التكوين بقوله :﴿فاستقم كما أمرت﴾ [هود: ١١٢] ﴿أجراً حسناً﴾. هو التمتع من حسن الله وجماله. ﴿لعلك باخع نفسك﴾ كان من عادته عليه الصلاة والسلام أن يبالغ في المأمور به حتى ينهى عنه، بالغ في الدعوة والشفقة على أمته حتى قيل له لا تبخع نفسك، وبالغ في الإنفاق إلى أن أعطى قميصه فقعد عرياناً فنهى عنه بقوله :﴿ولا تبسطها كل البسط﴾ [الإسراء: ٢٩] ﴿إنا جعلنا ما على الأرض زينة﴾ أي زينا الدنيا وشهواتها للخلق ملائماً لطبائعهم وجعلناها محل ابتلاء للمحب وللسائل ﴿لنبلوهم أيهم أحسن عملاً﴾ في تركها ومخالفة هوى نفسه طلباً لله ومرضاته. ثم أخبر عن سعادة السادة الذين أعرضوا عن الدنيا وأقبلوا على المولى بقوله :﴿أم حسبت﴾ ومعناه لا تعجب من حالهم فإن في أمتك من هو أعجب حالاً منهم، ففيهم أصحاب الخلوات الذين كهفهم بيت الخلوة، ورقيمهم قلوبهم المرقومة برقم المحبة فإنهم أووا إلى الكهف خوفاً من لقاء دقيانوس وفراراً منه، فهؤلاء أووا إلى الخلوة شوقاً إلى لقائي وفراراً إليّ. وإنهم طلبوا النجاة من شر. والخروج من الغار بالسلامة بقولهم ﴿ربنا آتنا﴾ الآية. فهؤلاء طلبوا الخلاص من شر نفوسهم والخروج من ظلمات الغار المجازي للوصول إلى نور الوجود الحقيقي. ﴿فضربنا﴾ على آذان باطنه وحواسهم الآخر في مدة الخلوة لمحو النقوش الفاسدة عن ألواح نفوسهم وانتقاشها بالعلوم الدينية والأنوار الإلهية ليفنيهم الله عنهم ويبقيهم به وهو سر قوله :﴿ثم بعثناهم﴾ أي أحييناهم بنا ﴿لنعلم أي الحزبين﴾ أصحاب الخلوة أم أصحاب السلوة :﴿أحصى﴾ أي أكثر فائدة وأتم عائدة لأمد لبثهم في الدنيا التي هي مزرعة الآخرة ﴿وزدناهم هدى﴾ فإنهم كانوا يريدون الإيمان الغيبي فأنمناهم ﴿ثم بعثناهم﴾ حتى صار الإيمان إيقاناً والغيب عياناً ﴿اتخذوا من دونه آلهة﴾ من الدنيا والهوى. ﴿وترى الشمس إذا طلعت﴾ قال الشيخ المحقق نجم الدين. المعروف : بداية هذا أخبار من أصناف ألطافه بأضيافه، وفيه إشارة إلى أن نور ولايتهم يغلب نور الشمس ويرده عن الكهف كما يغلب نور المؤمن نار جهنم لقول ﷺ :" إن المؤمن إذا ورد النار تستغيث النار وتقول : حزباً مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي " ﴿وهم في فجوة منه﴾ في متسع وفراغ من ذلك النور يدفع عنهم كل ضر ويراعيهم عن بلى أجسادهم وثيابهم. قلت : يحتمل أن يراد أن شمس الروح أو المعرفة والولاية إذا طلعت من أفق الهداية وأشرقت في سماء الواردات - وهو حالة السكر وغلبات الوجد - لا تنصرف في حال خلوتهم إلى أمر يتعلق بالعقبى وهو جانب اليمين ﴿وإذا غربت﴾ أي سكنت تلك الغلبات وظهرت حالة الصحو لا تلتفت همم أرواحهم إلى أمر يتعلق بالدنيا وهو جانب الشمال، بل تنحرف عن الجهتين إلى المولى وهم في حال دفاع وفراغ ما يشغلهم عن الله ﴿وتحسبهم إيقاظاً﴾ متصرفين في أمور الدنيا ﴿وهم رقود﴾ عنها لأنهم يتصرفون فيها لأجل الحق لا لحظ النفس، أو تحسبهم أيقاظاً مشغولين بأمور الآخرة لأن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا، وهم رقود متصرفون في أمور الدنيا لأن الناس بهم يرزقون ويمطرون. وفي قوله :﴿ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال﴾ إشارة إلى أنهم في التسليم لمقلب القلوب في الأحوال كلها كالميت بين يدي الغسال. قيل : في الآية دلالة على أن المريد الذي يربيه الله بلا واسطة المشايخ تكامل أمره في ثلثمائة وتسع سنين، والذي يربيه بواسطتهم تم أمره في أربعينات معدودة ولهذا تكون ثمرة البساتين الزهر وثمرة الجبال وفي قوله :﴿وكلبهم باسط﴾ إشارة أن أكلب نفوسهم نائمة معطلة عن الأعمال بها. ربيت القلوب والأرواح معنى أن هذا النوع من التربية من قبيل القدرة الإلهية التي اختصهم بها، ويمكن أن يراد أن نفوسهم صارت بحيث تطيعهم في جميع الأحوال وتحرسهم عما يضرهم ﴿ولملئت منهم رعباً﴾ بما شاهدت عليهم من آثار الأنوار التي زدناهم، ولجلاليب الهيبة والعظمة التي ألبسناهم ﴿لبثنا يوماً أو بعض يوم﴾ لأن أيام الوصال قصيرة، فما رأوا أنهم في دهشة الوصال وحياة الأحوال ﴿قالوا ربكم أعلم بما لبثتم﴾ لأنه كان حاضراً معكم وأنتم غيب عنكم ﴿فابعثوا أحدكم﴾ من العجب أنهم ما احتاجوا مدة ثلثمائة وتسع سنين بما نالوا من غذاء الروح كقوله ﷺ :" أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " فلما رجعوا من عند الله الحق إلى عبدية أنفسهم احتاجوا إلى الغذاء الجسماني ﴿أزكى طعاماً﴾ لما رجعوا إلى العالم الجسماني، تعللوا من جمال الله بمشاهدة كل جميل وتوسلوا إلى تلك الملاطفات بلطافة الأغذية الجسمانية وزكائها. ﴿ولا يشعرنّ بكم أحد﴾ فيه أن أرباب المعرفة والمحبة يجب أن يحترزوا عن شعور أهل الغفلة والسلوة ﴿ليعلموا أن وعد الله حق﴾ بإحياء القلوب الميتة حق قدره، الأمر فيما أظهر وأبدى أو أسر وأخفى. ﴿سيقولون﴾ أن القوى والأركان الأصلية للإنسان ﴿ثلاثة﴾ الحيوانية والطبيعية والنفسانية التي منشؤهن القلب والكبد والدماغ. ﴿رابعهم كلبهم﴾ هو النفس الناطقة. ﴿ويقولون خمسة﴾ هو الحواس الظاهرة ﴿سادسهم﴾ النفس ﴿ويقولون سبعة﴾ هو الحواس الظاهرة مع الوهم المدرك للمعاني والخيال المدرك للصور ﴿وثامنهم كلبهم﴾ هو النفس المدرك للكليات ﴿قل ربي أعلم بعدتهم﴾ لأن القوى الباطنة والظاهرة وأفاعيلها وغاياتها لا يعلمهن إلا الله سبحانه ومن أطلعه الله عليه وذلك قوله :﴿ما يعلمهم إلا قليل﴾ والله أعلم بالصواب.