فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿واضرب لهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ﴾ هذا المثل ضربه الله سبحانه لمن يتعزّز بالدنيا ويستنكف عن مجالسة الفقراء فهو على هذا متصل بقوله :﴿واصبر نَفْسَكَ﴾.
وقد اختلف في الرجلين هل هما مقدّران أو محققان ؟ فقال بالأوّل : بعض المفسرين. وقال بالآخر : بعض آخر. واختلفوا في تعيينهما، فقيل : هما أخوان من بني إسرائيل، وقيل : هما أخوان مخزوميان من أهل مكة : أحدهما مؤمن، والآخر كافر، وقيل : هما المذكوران في سورة الصافات في قوله :﴿قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ إِنّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات: ٥١]. وانتصاب ﴿مثلاً﴾ و﴿رجلين﴾ على أنهما مفعولا ﴿اضرب﴾، قيل : والأوّل هو الثاني والثاني هو الأوّل ﴿جَعَلْنَا لأحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ﴾ هو الكافر، و﴿منْ أعناب﴾ بيان لما في الجنتين أي : من كروم متنوعة ﴿وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ﴾ الحفّ : الإحاطة، ومنه ﴿حَافّينَ مِنْ حَوْلِ العرش﴾ [الزمر: ٧٥] ويقال : حف القوم بفلان يحفون حفاً أي : أطافوا به، فمعنى الآية : وجعلنا النخل مطيفاً بالجنتين من جميع جوانبهما ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾ أي : بين الجنتين، وهو وسطهما، ليكون كل واحد منهما جامعاً للأقوات والفواكه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن أبي حاتم عن السدّي في قوله :﴿جَعَلْنَا لأحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ﴾ قال : الجنة : هي البستان، فكان له بستان واحد وجدار واحد، وكان بينهما نهر، فلذلك كانا جنتين، ولذلك سماه جنة من قبل الجدار الذي عليها. وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني قال : نهر أبي قرطس نهر الجنتين. قال ابن أبي حاتم : وهو نهر مشهور بالرملة. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿وَلَمْ تَظْلِمِ منْهُ شَيْئًا﴾ قال : لم تنقص، كل شجر الجنة أطعم. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عنه ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ يقول : مال. وأخرج أبو عبيد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة، قال : قرأها ابن عباس " وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ " بالضم، وقال : هي أنواع المال. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ قال : ذهب وفضة. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة ﴿وَهُوَ ظَالِمٌ لنَفْسِهِ﴾ يقول : كفور لنعمة ربه. وأخرج ابن أبي حاتم عن أسماء بنت عميس قالت : علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهنّ عند الكرب :( الله الله ربي لا أشرك به شيئاً ) وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن يحيى بن سليم الطائفي عمن ذكره قال :( طلب موسى من ربه حاجة فأبطأت عليه فقال : ما شاء الله، فإذا حاجته بين يديه، فقال : يا رب إني أطلب حاجتي منذ كذا وكذا أعطيتها الآن، فأوحى الله إليه : يا موسى، أما علمت أن قولك ما شاء الله أنجح ما طلبت به الحوائج ). وأخرج أبو يعلى، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن أنس قال : قال رسول الله ﷺ :( ما أنعم الله على عبد نعمة في أهل أو مال أو ولد فيقول ما شاء الله لا قوّة إلا بالله إلا دفع الله عنه كل آفة حتى تأتيه منيته، وقرأ :﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء الله لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بالله﴾ )، وفي إسناده عيسى بن عون، عن عبد الملك بن زرارة، عن أنس. قال أبو الفتح الأزدي : عيسى بن عون، عن عبد الملك بن زرارة، عن أنس لا يصح حديثه. وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر، عن أنس نحوه موقوفاً. وأخرج البيهقي في الشعب عنه نحوه مرفوعاً. وأخرج أحمد من حديث أبي هريرة قال : قال لي نبيّ الله ﷺ :( ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة تحت العرش ؟ قلت : نعم، قال : أن تقول : لا قوّة إلا بالله ) وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي موسى، أن النبيّ ﷺ قال له :( ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة ؟ لا حول ولا قوّة إلاّ بالله )، وقد وردت أحاديث وآثار عن السلف في فضل هذه الكلمة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله :﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ قال : مثل الجرز. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله :﴿حُسْبَانًا مِنَ السماء﴾ قال : عذاباً ﴿فتصبح صعيداً زلقاً﴾ أي : قد حصد ما فيها فلم يترك فيها شيء ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا﴾ أي : ذاهباً قد غار في الأرض ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلّبُ كَفَّيْهِ﴾ قال : يصفق ﴿عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا﴾ متلهفاً على ما فاته.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى