البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة

عن الكتاب
﴿ودخل جَنَّتَهُ﴾ : بستانه الذي تقدم وصفه، وإنما وحده ؛ إما لعدم تعلق الغرض بتعدده، أو لاتصال أحدهما بالآخر، أو لأن الدخول يكون في واحدٍ واحد. فدخله ﴿وهو ظالمٌ لنفسه﴾ ؛ ضارُّ لها بعُجْبه وكفره، ﴿قال﴾ حين دخوله :﴿ما أظنُ أن تَبِيدَ هذه﴾ الجنة، أي : تفنى ﴿أبدًا﴾ ؛ لطول أمده وتمادي غفلته، وإنكارًا لفناء الدنيا وقيام الساعة، ولذلك قال :﴿وما أظنُّ الساعة قائمةً﴾.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : قد ضرب الله مثلاً لمن عكف على هواه، وقصر همته على زخارف دنياه، ولمن توجه بهمته إلى مولاه، وقدَّم دنياه لأخراه، فكان عاقبة الأول : الندم والخسران، وعاقبة الثاني : الهنا والرضوان، أوْ لمن وقف مع علمه واعتمد عليه، ولمن تبرأ من حوله وقوته في طلب الوصول إليه.
قال في لطائف المنن : لا تدخل جنة علمك وعملك، وما أعطيت من نور وفتح فتقول كما قال من خذِل، فأخبر الله عنه بقوله :﴿ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدًا...﴾ الآية. ولكن ادخلها كما بيّن لك، وقل كما رَضي لك :﴿ولولا إِذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلاّ بالله﴾، وافهم ههنا قوله صلى الله عليه وسلم :" لا حَوْلَ ولاَ قُوَّةَ إلاَّ بالله كَنْزٌ من كُنُوزِ الجنة " (١). وفي رواية أخرى :" كنز من كنوز تحت العرش ". فالترجمة : ظاهر الكنز، والمكنوز فيها : صدق التبري من الحول والقوة، والرجوع إلى حول الله وقوته.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى