اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
﴿قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هذه أَبَداً﴾.
قال أهل المعاني : لما أذاقه حسنها وزهوتها، توهَّم أنها لا تفنى أبداً مطلقاً، ﴿وَمَآ أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً﴾ فجمع بين كفرين.
الأول : قطعه بأنَّ تلك الأشياء لا تبيدُ أبداً.
والثاني : إنكار البعث.
فإن قيل : هب أنَّه شكَّ في القيامة، فكيف قال : ما أظنُّ أن تبيد هذه أبداً، مع أنَّ الحسَّ يدلُّ على أنَّ أحوال الدنيا بأسرها ذاهبةٌ غير باقية ؟.
فالجواب : مراده أنَّها لا تبيد مدَّة حياته، ثم قال :﴿وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً﴾ أي مرجعاً وعاقبة، وانتصابه على التَّمييز، ونظيره قوله تعالى :﴿وَلَئِن رُّجِّعْتُ إلى ربي إِنَّ لِي عِندَهُ للحسنى﴾ [فصلت: ٥٠].
وقوله :﴿لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً﴾ [مريم: ٧٧].
فإن قيل : كيف قال : ولَئِنْ رددت إلى ربي وهو ينكرُ البعث(١) ؟.
فالجواب : معناه : ولئنْ رددتُّ إلى ربِّي على زعمكَ، يعطيني هنالك خيراً منها.
والسَّبب في وقوعه في هذه الشُّبهة أنَّه تعالى لمَّا أعطاه المال والجاه في الدنيا، ظنَّ أنه إنَّما أعطاه ذلك ؛ لكونه مستحقًّا له، والاستحقاقُ باقٍ بعد الموت ؛ فوجب حصول الإعطاء، والمقدِّمة الأولى كاذبةٌ ؛ فإن فتح باب الدنيا على الإنسان، يكون في أكثر الأمر للاستدراج(٢).
وقرأ(٣) أبو عمرو والكوفيون " مِنْهَا " بالإفراد ؛ نظراً إلى أقرب مذكورٍ، وهو قوله :" جنَّتهُ " وهي في مصاحف العراق، دون ميم، والباقون " مِنْهُما " بالتثنية ؛ نظراً إلى الأصل في قوله :" جَنَّتيْنِ " و " كِلتَا الجنَّتيْنِ " ورُسِمَتْ في مصاحفِ الحرمينِ والشَّام بالميم، فكل قد وافق رسم مصحفه.
١ ينظر: معالم التنزيل ٣/١٦٢..
٢ ينظر: الفخر الرازي ٢١/١٠٧..
٣ ينظر: السبعة ٣٩٠، والتيسير ١٤٣، والنشر ٢/٣١١، والحجة ٤١٧، والحجة للقراء السبعة ٥/١٤٤، والقرطبي ١٠/٢٦٢، والبحر ٦/١٢٠..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى