الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿صَفَّاً﴾ : حالٌ من مرفوعِ " عُرِضوا " وأصلُه المصدرية. يُقال منه : صَفَّ يَصِفُّ صَفًّاً، ثم يُطْلَقُ على الجماعة المُصطَفِّين. واخْتُلَِف هنا في " صَفَّاً " : هل هو مفردٌ وقع مَوْقع الجمعِ، إذ المرادُ صفوفاًَ، ويَدُلُّ عليه الحديث الصحيح :" يَجْمَع اللهُ الأوَّلين والآخرين في صَعيدٍ واحدٍ صُفوفاً " وفي حديث آخر :" أهل الجنةِ مئةٌ وعشرون صَفَّاً، أنتم منهم ثمانون " وقيل : ثَمَّ حَذْفٌ، أي : صَفَّاً صَفَّاً. ومثلُه قولُه في موضع :
﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر: ٢٢]. وقال في آخرَ :﴿يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلاَئِكَةُ صَفّاً﴾ [النبأ: ٣٨] يريد : صفاً صفاً، بدليل الآيةِ الأخرى فكذلك هنا. وقيل : بل كلُّ الخلائقِ يكونون صفاً واحداً، وهو أبلغُ في القُدرة. وأمَّا الحديثان فيُحملان على اختلافِ أحوال، لأنه يومٌ طويلٌ كما شهد له بقولِه ﴿كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] فتارةً يكونون فيه صَفَّاً واحداً وتارةً صفوفاً.
قوله :﴿لَّقَدْ جِئْتُمُونَا﴾ على إضمارِ قولٍ، أي : وقُلْنا لهم : كيت وكيت. وتقدَّم أنَّ هذا القولَ هو العاملُ في ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾ [الكهف: ٤٧]. ويجوز ان يُضمر هذا القولُ حالاً من مرفوعِ " عُرِضُوا "، أي : عُرِضُوا مَقُولاً لهم كذا.
قوله :﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ﴾، أي : مجيئاً مُشْبِهاً لخلقِكم الأول حفاةً عُراة غُرْلاً، لا مالَ ولا ولدَ معكم. وقال الزمخشري :" لقد بَعَثْناكم كما أَنْشَأْناكم أولَ مرة " فعلى هذين التقديرين، يكونُ نعتاً للمصدرِ المحذوفِ، وعلى رأي سيبويه يكون حالاً مِنْ ضميرِه.
قوله :﴿أَلَّن نَّجْعَلَ﴾ " أَنْ " هي المخففةُ، وفُصِل بينها وبين خبرِها لكونِه جملةً متصرفةً غيرَ دعاءٍ بحرفِ النفي. و " لكم " يجوز أن يكونَ مفعولاً ثانياً للجعل بمعنى التصيير. و " مَوْعِداً " هو الأول. ويجوز أَنْ يكونَ مُعَلَّقاً بالجَعْل، أو يكونَ حالاً مِنْ " مَوْعداً " إذا لم يُجعل الجَعْلُ تصييراً، بل بمعنى لمجردِ الإِيجاد.
و " بل " في قولِه :" بل زَعَمْتُمْ " لمجردِ الانتقال من غيرِ إبطالٍ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى