اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿وَعُرِضُواْ على رَبِّكَ صَفَّاً﴾.
﴿صَفًّا﴾ : حال من مرفوع " عرضوا " وأصله المصدرية، يقال منه : صفَّ يصفُّ صفًّا، ثم يطلق على الجماعة المصطفِّين، واختلف هنا في " صفًّا " : هل هو مفرد وقع موقع الجمع ؛ إذ المراد صفوفاً ؛ ويدل عليه الحديث الصحيح :" يجمعُ الله الأوَّلين والآخرينَ في صعيدٍ واحدٍ صفوفاً " (١) وفي حديث آخر :" أهلُ الجنَّة مائةٌ وعشرون صفًّا، أنتم منها ثمانون " (٢).
ويؤيده قوله تعالى :﴿يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ [غافر: ٦٧] أي أطفالاً. وقيل : ثَمَّ حذف، أي : صفًّا صفًّا، ونظيره قوله في موضع :﴿وَجَآءَ رَبُّكَ والملك صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر: ٢٢]. وقال في آخر :﴿يَوْمَ يَقُومُ الروح والملائكة صَفّاً﴾ [النبأ: ٣٨] يريد : صفًّا صفًّا ؛ بدليل الآية الأخرى، فكذلك هنا، وقيل : بل كل الخلائق تكون صفًّا [ واحداً ]، وهو أبلغ في القدرة، وأمَّا الحديثان فيحملان على اختلاف أحوالٍ ؛ لأنه يوم طويل، كما شهد له بقوله ﴿كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] فتارة يكونون فيه صفًّا واحداً، وتارة صفوفاً.
وقيل : صفًّا أي : قياماً ؛ لقوله تعالى :﴿فاذكروا اسم الله عَلَيْهَا صَوَآفَّ﴾ [الحج: ٣٦] أي قياماً.
قوله :﴿لَّقَدْ جِئْتُمُونَا﴾ على إضمار قول، أي : وقلنا لهم كيت وكيت.
وتقدَّم أن هذا القول هو العامل في قوله ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجبال﴾ [الكهف: ٤٧]. ويجوز أن يضمر هذا القول حالاً من مرفوع " عُرِضُوا "، أي : عرضوا مقولاً لهم كذا وكذا.
قوله :﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ : أي : مجيئاً مشبهاً لخلقكم الأول حفاة، عراة غرلاً، لا مال، ولا ولد معكم، وقال الزمخشري :" لقَدْ بَعثْنَاكُم كَمَا أنْشَأناكُمْ أوَّل مرَّة " فعلى هذين التقديرين، يكون نعتاً للمصدر المحذوف، وعلى رأي سيبويه(٣) : يكون حالاً من ضميره.
قوله :﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾.
ليس المراد حصول المساواة من كل الوجوه(٤) ؛ لأنهم خلقوا صغاراً، ولا عقل لهم، ولا تكليف عليهم، بل المراد أنَّه قال للمشركين المنكرين للبعث المفتخرين على فقراء المؤمنين بالأموال والأنصار :﴿لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي حفاة، عراة، بغير أموال، ولا أعوانٍ، ونظيره قوله تعالى :﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤].
ثم قال تعالى :﴿بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِداً﴾ أي كنتم مع التعزُّز على المؤمنين بالأموال والأنصار، تنكرون البعث، فالآن قد تركتم الأموال والأنصار في الدنيا، وشاهدتم أنَّ البعث والقيامة حقٌّ.
قوله :﴿أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِداً﴾ " أنْ " هي المخففة، وفصل بينها وبين خبرها ؛ لكونه جملة فعلية متصرفة غير دعاءٍ بحرف النفي، و " لكم " يجوز أن يكون مفعولاً ثانياً للجعل بمعنى التصيير، و " مَوْعداً " هو الأول، ويجوز أن يكون معلَّقاً بالجعل، أو يكون حالاً من " مَوعِداً " إذا لم يجعل الجعل تصييراً، بل لمجرد الإيجادِ.
و " بَلْ " في قوله :" بَل زَعَمتُمْ " لمجرَّد الانتقالِ، من غير إبطالٍ.
١ أخرجه أحمد في "مسنده" (٤/٤٠٧)..
٢ أخرجه الترمذي (٤/٥٨٩) كتاب صفة الجنة: باب ما جاء في صفة أهل الجنة حديث (٢٥٤٦) وابن ماجه (٤٢٨٩) من حديث بريدة وقال الترمذي حديث حسن.
.

٣ ينظر: الكتاب ١/١١٦..
٤ ينظر: الفخر الرازي ٢١/١١٤..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى