زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَعُرِضُواْ عَلَى رَبّكَ صَفَّا﴾ إن قيل : هذا أمر مستقبل، فكيف عبر عنه بالماضي ؟ فالجواب : أن ما قد علم الله وقوعه، يجري مجرى المعاين، كقوله :﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٤٣].
وفي معنى قوله :﴿صَفَّا﴾ أربعة أقوال :
أحدها : أنه بمعنى : جميعاً، كقوله :﴿ثم ائتوا صفاً﴾[طه: ٦٤]، قاله مقاتل.
والثاني : أن المعنى : وعرضوا على ربك مصفوفين، هذا مذهب البصريين.
والثالث : أن المعنى : وعرضوا على ربك صفوفاً، فناب الواحد عن الجميع كقوله :﴿ثم نخرجكم طفلاً﴾ [الحج: ٥].
والرابع : أنه لم يغب عن الله منهم أحد، فكانوا كالصف الذي تسهل الإحاطة بجملته، ذكر هذه الأقوال ابن الانباري. وقد قيل : إن كل أمة وزمرة صف. قوله تعالى :﴿لَّقَدْ جِئْتُمُونَا﴾، فيه إضمار " فيقال لهم ".
وفي المخاطبين بهذا قولان :
أحدهما : أنهم الكل.
والثاني : الكفار، فيكون اللفظ عاماً، والمعنى خاصاً. وقوله :﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ مفسر في الأنعام :[ ٩٤ ]. وقوله :﴿بَلْ زَعَمْتُمْ﴾ خطاب الكفار خاصة، والمعنى : زعمتم في الدنيا ﴿أَن لَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِدًا﴾ للبعث، والجزاء.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى