مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
ولما ذكر الله تعالى حشر الخلق ذكر كيفية عرضهم، فقال :﴿وعرضوا على ربك صفا﴾ وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : في تفسير الصف وجوه. أحدها : أنه تعرض الخلق كلهم على الله صفا واحدا ظاهرين بحيث لا يحجب بعضهم بعضا، قال القفال : ويشبه أن يكون الصف راجعا إلى الظهور والبروز، ومنه اشتق الصفصف للصحراء. وثانيها : لا يبعد أن يكون الخلق صفوفا يقف بعضهم وراء بعض مثل الصفوف المحيطة بالكعبة التي يكون بعضها خلف بعض، وعلى هذا التقدير فالمراد من قوله صفا صفوفا كقوله :﴿يخرجكم طفلا﴾ أي أطفالا. وثالثها : صفا أي قياما، كما قال تعالى :﴿فاذكروا اسم الله عليها صواف﴾ قالوا قياما.
المسألة الثانية : قالت المشبهة قوله تعالى :﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾ يدل على أنه تعالى يحضر في ذلك المكان وتعرض عليه أهل القيامة صفا، وكذلك قوله تعالى :﴿لقد جئتمونا﴾ يدل على أنه تعالى يحضر في ذلك المكان، وأجيب عنه بأنه تعالى جعل وقوفهم في الموضع الذي يسألهم فيه عن أعمالهم ويحاسبهم عليها عرضا عليه، لا على أنه تعالى يحضر في مكان وعرضوا عليه ليراهم بعد أن لم يكن يراهم، ثم قال تعالى :﴿لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة﴾ وليس المراد حصول المساواة من كل الوجوه، لأنهم خلقوا صغارا ولا عقل لهم ولا تكليف عليهم بل المراد أنه قال للمشركين المنكرين للبعث المفتخرين في الدنيا على فقراء المؤمنين بالأموال والأنصار :﴿لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة﴾ عراة حفاة بغير أموال ولا أعوان ونظيره قوله تعالى :﴿لقد جئتمونا * فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم﴾ وقال تعالى :﴿أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا﴾ - إلى قوله - ﴿ويأتينا فردا﴾ ثم قال تعالى :﴿بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا﴾ أي كنتم مع التعزز على المؤمنين بالأموال والأنصار تنكرون البعث والقيامة فالآن قد تركتم الأموال والأنصار في الدنيا وشاهدتم أن البعث والقيامة حق،

تفسير هذه الآية من كتب أخرى