اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿وَإِذْ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لآدَمَ﴾ الآية.
اعلم أنَّ المقصود في الآياتِ المتقدِّمة الردُّ على الذين افتخروا بأموالهم، وأعوانهم على فقراء المسلمين، وهذه الآية المقصود من ذكرها عين هذا المعنى ؛ وذلك : أنَّ إبليس، إنما تكبَّر على آدم ؛ لأنَّه افتخر بأصله ونسبه، فقال :﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٣] فأنا أشرف منه أصلاً ونسباً، فكيف أسجد له، وكيف أتواضع له ؟ وهؤلاء المشركون عاملوا فقراء المؤمنين بهذه المعاملة، فقالوا : كيف نجالسُ هؤلاء الفقراء، مع أنَّا من أنساب شريفة، وهم من أنساب نازلة، ونحن أغنياء، وهم فقراء ؟ فذكر الله هذه القصة ؛ تنبيهاً على أنَّ هذه الطريقة بعينها طريقة إبليس، ثم إنه تعالى حذَّر عنها، وعن الاقتداء بها في قوله :﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ﴾، وهذا وجه النظم.
قوله :﴿وَإِذَا قُلْنَا﴾ : أي : اذكر.
قوله :﴿كَانَ مِنَ الجن﴾ فيه وجهان :
أحدهما : أنه استئناف يفيد التعليل ؛ جواباً لسؤال مقدَّر.
والثاني : أن الجملة حالية، و " قَدْ " معها مرادة، قاله أبو البقاء(١).
قوله :" فَفسَقَ " السببية في الفاء ظاهرة، تسبَّب عن كونه من الجنِّ الفسقُ، قال أبو البقاء(٢) : إنما أدخل الفاء هنا ؛ لأنَّ المعنى :" إلاَّ إبليس امتنع ففسق ". قال شهاب الدين. إن عنى أنَّ قوله " كان من الجنِّ " وضع موضع قوله " امْتنعَ " فيحتمل مع بُعده، وإن عنى أنه حذف فعلٌ عطف عليه هذا، فليس بصحيحٍ ؛ للاستغناء عنه.
قوله :" عَنْ أمْر " " عَنْ " على بابها من المجاوزة، وهي متعلقة ب " فَسقَ "، أي : خرج مجاوزاً أمر ربِّه، وقيل : هي بمعنى الباء، أي : بسبب أمره ؛ فإنه فعَّالٌ لما يريدُ.
قوله :" وذُرِّيتهُ " يجوز في الواو أن تكون عاطفة، وهو الظاهر، وأن تكون بمعنى " مع " و " مِنْ دُونِي " يجوز تعلقه بالاتِّخاذ، وبمحذوف على أنَّه صفة لأولياء.
قوله :﴿وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ جملة حالية من مفعول الاتخاذ أو فاعله، لأن فيها مصححاً لكلٍّ من الوجهين، وهو الرابط.
قوله :" بِئْسَ " فاعلها مضمرٌ مفسَّر بتمييزه، والمخصوص بالذمِّ محذوف، تقديره : بِئْسَ البدل إبليس وذرِّيتهُ. وقوله " للظَّالمينَ " متعلق بمحذوفٍ حالاً من " بَدلاً " وقيل : متعلق بفعل الذمِّ.

فصل في الخلاف في أصل إبليس


اعلم أنه تعالى بيَّن في هذه الآية أنَّ إبليس كان من الجنِّ، وللنَّاس في الآية أقوالٌ :
الأول : قال ابن عبَّاس(٣) : كان من حيٍّ من الملائكةِ، يقال لهم الحنُّ، خلقوا من نار السَّموم، وكونه من الملائكة لا ينافي كونه من الجنِّ، لقوله :﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجنة نَسَباً﴾ [الصافات: ١٥٨] وقوله :﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ الجن﴾ [الأنعام: ١٠٠] وسمِّي الجن جنًّا ؛ لاستتارهم، والملائكة داخلون في ذلك.
وأيضاً : فإنه كان خازن الجنة، فنسب إلى الجنَّة ؛ كقولهم : كوفيٌّ، وبصريٌّ.
وعن سعيد بن جبير، قال : كان من الجنَّانين الذين يعملون في الجنان، وهم حيٌّ من الملائكة، يصوغون حلية أهل الجنة منذ خلقوا(٤).
رواه القاضي في تفسيره عن هشام عن سعيد بن جبيرٍ.
وقال الحسن : كان من الجنِّ، ولم يكن من الملائكةِ، فهو أصل الجنِّ، كما أنَّ آدم أصل الإنس(٥).
وقيل : كان من الملائكة، فمسخ وغيَّر، وكما يدلُّ على أنه ليس من الملائكة قوله تعالى :﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي﴾ والملائكة ليس لهم نسلٌ، ولا ذرِّيَّة.
بقي أن يقال : لو لم يكن من الملائكة، لما تناوله الأمر بالسجود، فكيف يصحُّ استثناؤه منهم ؟.
تقدَّم الكلام على ذلك في البقرة.
ثم قال تعالى :﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾.
قال الفراء :﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾، أي : خرج من طاعته، تقول العرب : فسقتِ الرطبة(٦) عن قشرها(٧)، أي خرجت، وسميت الفأرة فويسقة ؛ لخروجها من جحرها.
قال رؤبة :[ الرجز ]
يَهْويْنَ في نَجْدٍ وغَوْراً غَائِرَافَواسِقاً عَنْ قَصْدِهَا جَوائِرَا(٨)
وحكى الزجاج عن الخليل وسيبويه، أنه قال : لما أمر فعصَى، كان سبب فسقه هو ذلك الأمر، والمعنى : أنه لولا ذلك الأمر السابق، لما حصل ذلك الفسق، فلهذا حسن أن يقال :﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ كقوله :﴿واسأل القرية التي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢].
ثم قال :" أفَتَتَّخِذُونَهُ " يعني : يا بني آدم ﴿وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾، أي : أعداء.
روى مجاهد عن الشعبيِّ قال : إنِّي قاعدٌ يوماً ؛ إذ أقبل رجل فقال : أخبرني، هل لإبليس زوجة ؟ قال : إنَّه لعرسٌ ما شَهدتُّه، ثُم ذكرتُ قول الله عزَّ وجلَّ :﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي﴾ فعلمت أنَّه لا يكون ذريَّة إلا من زوجة، فقلت، نعم(٩).
وقال قتادة : يتوالدون، كما يتوالد بنو آدم(١٠).
وقيل : إنَّه يدخل ذنبه في دبره، فيبيض، فتنفلق البيضة عن جماعة من الشَّياطين.
ثم قال :﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾.
قال قتادة : بئس ما استبدلوا طاعة إبليس، وذريته بعبادة ربِّهم(١١).
١ ينظر: الإملاء ٢/١٠٤..
٢ ينظر: الإملاء ٢/١٠٤..
٣ ينظر: معالم التنزيل ٣/١٦٦..
٤ تقدم..
٥ تقدم..
٦ في أ: القشرة..
٧ في أ: ربطها..
٨ ينظر الشطر الأول منه في ملحق ديوانه ص ١٩٠، وفيه "يذهبن" بدلا من "يهوين"، ونسب للعجاج في الكتاب ١/٩٤ وليس في ديوانه، وينظر: الرازي ٢١/١١٦، وأساس البلاغة ص ٤٣١ (فسق)، وجواهر الأدب ص ٣٣، والخصائص ٢/٤٣٤، والمحتسب ٢/٤٣، وشرح التصريح ١/٢٨٨، وشرح شذور الذهب ص ٤٣١..
٩ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٤/٤١٣) وعزاه إلى ابن المنذر والبغوي في "تفسيره" (٣/١٦٦، ١٦٧..
١٠ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٤/٤١٣) وعزاه إلى ابن أبي الدنيا وأبي الشيخ عن قتادة. وأخرجه الطبري (٨/٢٣٨)..
١١ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٤/٤١٣) وعزاه إلى ابن أبي حاتم.
وقد أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٢٣٨)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى