غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
القراآت :﴿تسير الجبال﴾ على بناء الفعل للمفعول ورفع الجبال : ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو. الآخرون على بناء الفعل للفاعل ونصب الجبال. ما أشهدناهم يزيد. الآخرون ﴿ما أشهدتهم﴾ ﴿وما كنت﴾ على الخطاب روى ابن وردان عن يزيد. الباقون على التكلم ﴿ويوم نقول﴾ بالنون : حمزة الباقون على الغيبة ﴿قبلاً﴾ بضمتين : عاصم وحمزة والكسائي. الباقون بكسر القاف وفتح الباء. ﴿لمهلكهم﴾ بفتح الميم وكسر اللام : حفص ﴿لمهلكهم﴾ بفتحهما، يحيى وحما والمفضل. الباقون بضم الميم وفتح اللام.
الوقوف :﴿بارزة﴾ لا لأن التقدير وقد حشرناهم قبل ذلك ﴿أحداً﴾ ٥ ج للآية مع العطف ﴿صفاً﴾ ط للعدول والحذف أي يقال لهم لقد جئتمونا ﴿أول مرة﴾ ز لأن " بل " قد يبتدأ به مع أن الكلام متحد ﴿موعداً﴾ ٥ ﴿أحصاها﴾ ج لاستئناف الواو بعد تمام الاستفهام مع احتمال الحال بإضمار " قد " ﴿حاضراً﴾ ٥ ط ﴿أحداً﴾ ٥ ﴿إلا إبليس﴾ ط ﴿أمر ربه﴾ ط ﴿عدواً﴾ ط ﴿بدلاً﴾ ٥ أنفسهم ص ﴿عضداً﴾ ٥ ﴿موبقاً﴾ ٥ ﴿مصرفاً﴾ ٥ ﴿مثل﴾ ط ﴿جدلاً﴾ ٥ ﴿قبلاً﴾ ٥ ﴿ومنذرين﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿هزواً﴾ ٥ ﴿يداه﴾ ط ﴿وقراً﴾، ط لاختلاف الجملتين مع ابتداء الشرط ﴿أبداً﴾ ٥ ﴿الرحمة﴾ ط ﴿العذاب﴾ ط ﴿موئلاً﴾ ٥ ﴿موعداً﴾.
ثم إنه سبحانه عاد على أرباب الخيلاء من قريش فذكر قصة آدم واستكبار إبليس عليه. قال جار الله : قوله :﴿كان من الجن﴾ كلام متسأنف جار مجرى التعليل بعد استثناء إبليس من الساجدين كأن قائلاً قال : ما له لم يسجد فقيل :﴿كان من الجن ففسق﴾ والفاء للتسبيب أي كونه من الجن سبب في فسقه ولو كان ملكاً لم يفسق لثبوت عصمة الملائكة. وقال آخرون : اشتقاق الجن من الاستتار عن العيون فيشمل الملائكة والنوع المسمى بالجن. ثم من لم يوجب عصمة الملك فظاهر، ومن أوجب قال :" كان " بمعنى " صار " أي مسخ عن حقيقة الملائكة إلى حقيقة الجن، وقد سلف هذا البحث بتمامه في أول سوة البقرة. ومعنى ﴿فسق عن أمر ربه﴾ خرج عن طاعته. وحكى الزجاج عن الخليل وسيبويه أنه لما أمر فعصى كان سبب فسقه هو ذلك الأمر ولولا ذلك الأمر الشاق لما حصل ذلك الفسق فلهذا حسن أن يقال :﴿فسق عن أمر ربه﴾. وقال قطرب : هو على حذف المضاف أي فسق عن ترك أمره. ثم عجب من حال من أطاع إبليس في الكفر. والمعاصي وخالق أمر الله فقال :﴿أفتتخذونه﴾ كأنه قيل أعقيب ما وجد منه من إلا باء والفسق تتخذونه ﴿وذريته أولياء من دوني﴾ وتستبدلونهم بي وقصة آدم وإبليس سمعها قريش من أهل الكتاب وعرفوا صحتها فلذلك صح الاحتجاج بها عليهم وإن لم يعتقدوا كون محمد ﷺ نبياً ﴿بئس للظالمين بدلاً﴾ أي بئس البدل من الله. إبليس لمن استبدل به فأطاعه بدل طاعته. قال الجبائي. في الآية دلالة على أنه لا يريد الكفر ولا يخلقه في العبد وإلا لم يصح هذا الذم والتوبيخ، وعورض بالعلم والداعي كما مر مراراً. قال أهل التحقيق : إن الداعي لكفار قريش إلى ترك دين محمد ﷺ هو النخوة والعجب والترفع والتكبر، وهذا شأن إبليس ومن تابعه. فكل غرضه من العلم أو العمل الفخر على الأقران والترفع على أبناء الزمان فإنه مقتدٍ بإبليس وذريته وهذا مقام صعب نسأل الله الخلاص منه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل :﴿ويوم نسير الجبال﴾ وهي الأبدان الجامدة عن السلوك، وترى أرض النفوس بارزة خالية عن موانع الطريق، وحشرنا جميع القوى البشرية ﴿وعرضوا على ربك صفاً﴾ لكل قوة ولكل جوهر رتبة تليق بها، فالروح في صف الأرواح، والقلب في صف القلوب، وكذا النفس وقواها. ﴿ولقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة﴾ على هيئة الفطرة، وقيل الأنبياء في صف، والأولياء في صف، والمؤمنون في صف، الكافرون والمنافقون في الصف الأخير ﴿لا يغادر صغيرة﴾ هي كل تصرف في شيء بالشهوة النفسانية وإن كان من المباحات. ﴿ولا كبيرة﴾ هي التصرف في الدنيا على حبها فحب الدنيا رأس كل خطيئة ﴿ما أشهدتهم﴾ لأني لا أشهد إلا أوليائي كما قلت ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم﴾ [الكهف: ٥٣] ﴿ورأى المجرمون النار﴾ رأوا في الدنيا أسباب النار من الشهوات والآثام فوقعوا فيها ولم يجدوا ما يصرفهم عنها من الديانة والإيمان الحقيقي، فإذا رأوا النار في الآخرة أيقنوا أنهم مواقعوها ﴿ولم يجدوا عنها مصرفاً﴾ كما تعيشون تموتون وكما تموتون تبعثون ﴿وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً﴾ فتارة مجادل في التوحيد وأخرى في النبوة ومرة في الأصول ومرة في الفروع، ولهذا كثرت المذاهب والأديان والملل والنحل ونسأل الصواب من ملهمه ﴿وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم﴾ أسباب الهداية ﴿ويستغفروا ربهم﴾ إن كانوا مذنبين ﴿إلا أن تأتيهم سنة الأولين﴾ من الأنبياء والأولياء والمؤمنين وهو جذبات العناية لأهل الهداية كقوله في حضرة النبي ﷺ " والله لولا الله ما اهتدينا " ﴿أو ما يأتيهم العذاب قبلاً﴾ كقوله :" أنا نبي السيف أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله " والله أعلم. ( م ).

تفسير هذه الآية من كتب أخرى