المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
ثم عقب تعالى توعدهم بذكر الأمثلة من القرى التي نزل بها ما توعد هؤلاء بمثله، وفي قوله ﴿وتلك القرى﴾ حذف مضاف تقديره ﴿وتلك﴾ أهل ﴿القرى﴾ يدل على ذلك قوله ﴿أهلكناهم﴾ فرد الضمير على أهل القرى، و ﴿القرى﴾ : المدن، وهذه الإشارة إلى عاد وثمود ومدين وغيرهم. ﴿وتلك﴾ ابتداء، و ﴿القرى﴾ صفته، و ﴿أهلكناهم﴾ خبر، ويصح أن يكون ﴿تلك﴾ منصوباً بفعل يدل عليه ﴿أهلكناهم﴾. وقرأ الجمهور «لَمُهلكهم » بضم الميم وفتح اللام، من أهلك، ومفعل في مثل هذا يكون لزمن الشيء، ولمكانه، ويكون مصدراً فالمصدر على هذا مضاف إلى المفعول، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر «لَمَهلكهم » بفتح الميم واللام وقرأ في رواية حفص «لِمَهلكهم » بفتح الميم وكسر اللام، وهو مصدر من هلك، وهو في مشهور اللغة غير متعد، فالمصدر على هذا مضاف إلى الفاعل، لأنه بمعنى : وجعلنا لأن هلكوا موعداً، وقالت فرقة إن هلك يتعدى، تقول أهلكت الرجل وهلكته بمعنى واحد، وأنشد أبو علي في ذلك :[ الرجز ]
ومَهْمَهٍ هالك من تعرجا(١). . . فعلى هذا يكون المصدر في كل وجه مضافاً إلى المفعول.
١ هذا البيت للعجاج، وقد ذكره في اللسان (هلك) شاهدا على أن (هلك) يتعدى بنفسه، وأنه مثل أهلك وهلك، وذكر بعده بيتا آخر، وهو:
هائلة أهواله من أدلجا
وقال: "وهي لغة تميم". وتعرج: مال وانحرف عن الطريق المألوف، وأدلج: سار في الليل، وقيل: في أوله، والمهمة: المفازة البعيدة، والمعنى أن هذه المفازة البعيدة تهلك من يتنكب الطريق المألوف، وتهول بأهوالها من يسير فيها ليلا..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى