اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
والمقصود منه أنَّه قيل لرسول الله ﷺ : لا يعظم حزنك وأسفك(١) ؛ بسبب كفرهم، فإنَّا بعثناك منذراً ومبشّراً، فأما تحصيلُ الإيمان في قلوبهم، فلا قدرة لك عليه، والغرض منه تسلية الرَّسُول ﷺ.
ومعنى :" بَاخعٌ نَفْسكَ " أي : قاتلٌ نفسك.
قال الليثُ : بخع الرَّجلُ نفسه إذا قتلها غيظاً من شدَّة وجده، والفاء في قوله :( فَلعلَّكَ ) قيل : جواب الشرط، وهو قوله :﴿إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ﴾ قدم عليه، ومعناه التأخير.
وقال الجمهور : جواب الشرط محذوف لدلالة قوله :" فَلعلَّكَ ".
و " لَعلَّكَ " قيل : للإشفاق على بابها. وقيل : للاستفهام، وهو رأيُ الكوفيِّين. وقيل : للنَّهي، أي : لا تَبْخَعْ.
والبَخْعُ : الإهلاك، يقال : بَخَع الرجل نفسه يَبخَعُهَا بَخْعاً وبُخُوعاً، أهلكها وجداً. قال ذو الرمة :[ الطويل ]
ألا أيُّهذا البَاخِعُ الوجْدُ نفسهُلِشيءٍ نَحَتْهُ عَن يَديْهِ المَقادِرُ(٢)
يريد : نحَّته بالتشديد، فخفف، قال الأصمعي : كان ينشده :" الوَجْدَ " بالنصب على المفعول له، وأبو عبيدة رواه بالرَّفع على الفاعلية ب " البَاخِع ".
وقيل : البَخْعُ : أن تضعفَ الأرض بالزِّراعةِ، قاله الكسائي، وقيل : هو جهدُ الأرض وعلى هذا معنى " بَاخعٌ نَفْسكَ " أي ناهكها وجاهدها ؛ حتَّى تهلكها، وقيل : هو جهد الأرض في حديث عائشة - رضي اله عنها - عن عمر :" بَخَعَ(٣) الأرض " تعني جهدها ؛ حتَّى أخذ ما فيها من أموالِ ملوكها، وهذا استعارة، ولم يفسِّره الزمخشري هنا بغير القتل والإهلاك، وقال في سورة الشعراء :" البَخْع " : أن يبلغَ بالذَّبْح البِخَاع بالباء وهو عرقٌ مستبطن الفقار، وذلك أقصى حدِّ الذابح. قال شهاب الدين : وسمعت شيخنا علاء الدين القونيَّ يقول :" تَتبَّعتُ كُتبَ الطبِّ والتشريح، فلم أجد لهذا أصلا ".

فصل


يحتمل أنه لما ذكروه، سمَّوه باسم آخر ؛ لكونه أشهر فيما بينهم.
وقال الرَّاغب(٤) :" البَخْعُ : قتلُ النفس غمًّا " ثم قال :" وبَخعَ فلانٌ بالطاعة، وبما عليه من الحق : إذا أقرَّ به، وأذعن مع كراهةٍ شديدةٍ، تجري مجرى بخعِ نفسه في شدَّته ".
قوله :" عَلى آثَارِهمْ " متعلقٌ ب " بَاخِعٌ " أي : من بعد هلاكهم.
يقال : مات فلانٌ على أثر فلانٍ، أي بعده، وأصل هذا أنَّ الإنسان، إذا مات، بقيت علاماتهُ، وآثارهُ بعد موته مدَّة، ثمَّ إنَّها تنمحي وتبطل بالكليَّة، فإذا كان موته قريباً من [ موت ](٥) الأول، كان موته حاصلاً حال بقاءِ آثار الأول، فصحَّ أن يقال : مات فلانٌ على أثرِ فلانٍ.
قوله :﴿إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهذا الحديث﴾ يعني القرآن.
قال القاضي(٦) : وهذا يقتضي وصف القرآن بأنه حديثٌ، وذلك يدلُّ على فساد قول من يقول : إنه قديمٌ.
وأجيب بأنه محمول على الألفاظ، وهي حادثة.
قوله :﴿إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ﴾ : قرأ العامة بكسر " إنْ " على أنها شرطية، والجواب محذوفٌ عند الجمهور ؛ لدلالة قوله :" فَلعلَّكَ "، وعند غيرهم هو جوابٌ متقدِّم، وقرئ(٧) :" أنْ لَمْ " بالفتح ؛ على حذف الجارِّ، أي : لأنْ لم يؤمنوا.
وقُرئ(٨) " بَاخِعُ نَفْسِكَ " بالإضافة، والأصل النصبُ، وقال الزمخشري(٩) " وقرئ " بَاخعُ نَفْسكَ " على الأصل، وعلى الإضافة. أي : قاتلها ومهلكها، وهو للاستقبال فيمن قرأ " إنْ لمْ يُؤمِنُوا "، وللمضيِّ فيمن قرأ " إنْ لم تُؤمنوا " بمعنى : لأن لم تُؤمِنُوا " يعني أنَّ باخعاً للاستقبال في قراءة كسر " إنْ " فإنها شرطية، وللمضيِّ في قراءةِ فتحها، وذلك لا يأتي إلا في قراءة الإضافة ؛ إذ لا يتصوَّر المضيُّ مع النصب عند البصريين، وعلى هذا يلزم ألاَّ يقرأ بالفتح، إلا من قرأ بإضافة " بَاخِع "، ويحتاج في ذلك إلى نقل وتوقيف.
قوله :" أسفاً " يجوز أن يكون مفعولاً من أجله، والعامل فيه " بَاخعٌ " وأن يكون مصدراً في موضع الحال من الضمير في " بَاخعٌ ".
والأسف : الحزن، وقيل : الغضب، وقد تقدَّم في الأعراف عند قوله :﴿غَضْبَانَ أَسِفاً﴾ [الأعراف: ١٥٠] وفي يوسف عند قوله :﴿يا أسفى عَلَى يُوسُفَ وابيضت﴾ [يوسف: ٨٤]
١ في أ: إساءتك..
٢ ينظر: ديوانه (٢٥١)، المقتضب ٤/٢٥٩، شرح المفصل لابن يعيش ٢/٧، مجاز القرآن ١/٣٩٣، التاج واللسان "بخع"، الدر المصون ٤/٣٣٤، الراغب [بخع]..
٣ ينظر : تفسير الرازي (٢١/٦٧)..
٤ ينظر: المفردات ٤٨..
٥ سقط من ب..
٦ ينظر: الفخر الرازي ٢١/٦٧..
٧ ذكره الفراء للأعشى عن أبي بكر عن عاصم ينظر: الشواذ ص ٨١..
٨ نسبها في الشواذ ٨٢، إلى قتادة، ينظر: البحر ٦/٩٦، والدر المصون ٤/٤٣٤..
٩ ينظر: الكشاف ٢/٧٠٤..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى