الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿فَلاَ تُصَاحِبْنِي﴾ : العامَّةُ على " تصاحِبْني " من المفاعلة. وعيسى ويعقوب :" فلا تَصْحَبَنِّي " مِنْ صَحِبَه يَصْحَبُه. وأبو عمروٍ في روايةٍ وأُبَيٌّ بضمِّ التاءِ مِنْ فوقُ وكسرِ الحاء، مِنْ أصحب يُصْحِب، ومفعولُه محذوفٌ تقديره : فلا تُصْحِبْني نفسك. وقرأ أُبَيٌّ " فلا تُصْحِبْني عِلْمَك " فأظهر المفعول.
قوله :﴿مِن لَّدُنِّي﴾ العامَّةُ على ضَمِّ الدالِ وتشديد النون. وذلك أنَّهم اَدْخلوا نونَ الوقايةِ على " لَدُن " لِتَقِيَها من الكسرِ محافَظَةً على سكونِها، كما حُوْفِظَ على سكونِ نون " مِنْ " و " عَنْ " فأُلْحِقَتْ بهما نونُ الوقايةِ فيقولون : مِنِّي وعَنِّي بالتشديد.
ونافعٌ بتخفيف النون. والوجهُ فيه : أنه لم يُلْحِقْ نونَ الوقاية ل " لَدُن ". إلا أنَّ سيبويه منع مِنْ ذلك وقال :" لا يجوزُ أَنْ تأتيَ ب " لَدُنْ " مع ياء المتكلم دون نونِ وقاية ". وهذه القراءةُ حجةٌ عليه. فإنْ قيل : لِمَ لا يُقال : إن هذه النونَ نونُ الوقايةِ، وإنما اتصلَتْ ب " لَدُ " لغةً في " لَدُن " حتى يتوافَقَ قولُ سيبويه مع هذه القراءة ؟ قيل : لا يَصِحُّ ذلك من وجهين، أحدهما : أَنَّ نونَ الوقايةِ إنما جِيءَ بها لتقيَ الكلمةَ الكسرَ محافظةً على سكونها. ودون النون لا يُسَكِّنون ؛ لأنَّ الدالَ مضمومةٌُ، فلا حاجةَ إلى النون.
والثاني : أنَّ سيبويهِ يمنع أَنْ يُقال :" لَدُني " بالتخفيف.
وقد حُذِفَتِ النونُ مِنْ " عَنْ " و " مِنْ " في قوله :
أيُّها السَّائِلُ عنهم وعِنِيْلستُ من قيسٍ ولا قيسٌ مِنِيْ
ولكن تَحْتمل هذه القراءةُ أن تكون النونُ فيها أصليةً، وأن تكونَ للوقاية على أنها دخلَتْ على " لَدْ " الساكنة الدال، لغةً في " لدن " فالتقى ساكنان فكُسِرَتْ نونُ الوقاية على أصلها. وإذا قلنا بأنَّ النونَ أصليةٌ فالسكونُ تخفيفٌ كتسكين ضاد " عَضْد " وبابِه.
وقرأ أبو بكرٍ بسكونِ الدال وتخفيفِ النون أيضاً، ولكنه أَشَمَّ الدالَ الضَّمَّ مَنْبَهة على الأصل. واختلف القرَّاء في هذا الإِشمامِ، فقائلٌ : هو إشارةٌ بالعضوِ مِنْ غيرِ صوتٍ كالإِشمام الذي في الوقف، وهذا هو المعروف. وقائلٌ : هو إشارةٌ للحركةِ المُدْرَكةِ بالحسِّ فهو كالرَّوْم في المعنى، يعني : أنه إتيانٌ ببعض الحركةِ. وقد تقدَّم هذا محرَّراً في يوسف عند قولِه
﴿لاَ تَأْمَنَّا﴾ [ الآية : ١١ ]، وفي قوله في هذه السورةِ " مِنْ لدنه " في قراءة شعبة أيضاً، وتقدَّم لك بحثٌ يعودُ مثلُه هنا.
وقرأ عيسى وأبو عمروٍ في روايةٍ " عُذُراً " بضمتين. وعن أبي عمرو أيضاً " عُذْرِي " مضافاً لياءِ المتكلم.
و ﴿مِن لَّدُنِّي﴾ متعلقٌ ب " بَلَغْتَ "، أو بمحذوفٍ على أنه حالٌ مِنْ " عُذْرا ".

تفسير هذه الآية من كتب أخرى