روح المعاني — الألوسي
عن الكتاب
﴿فانطلقا حتى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾ الجمهور على أنها إنطاكية وحكاه الثعلبي عن ابن عباس، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق قتادة عنه أنها برقة وهي كما في «القاموس » اسم لمواضع، وفي «المواهب » أنها قرية بأرض الروم والله تعالى أعلم، وأخرج ابن أبي حاتم. وابن مردويه عن السدي أنها باجروان وهي أيضاً اسم لمتعدد إلا أنه ذكر بعضهم أن المراد بها قرية بنواحي أرمينية، وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن سيرين أنها الأبلة بهمزة وباء موحدة ولا مشددة، وقيل : قرية على ساحل البحر يقال لها ناصرة وإليها تنسب النصارى قال في مجمع البيان وهو المروى عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه، وقيل : قرية في الجزيرة الخضراء من أرض الأندلس، قال ابن حجر : والخلاف هنا كالخلاف في «مجمع البحرين » ولا يوثق بشيء منه، وفي الحديث أتيا أهل قرية لئاماً ﴿استطعما أَهْلَهَا﴾ في محل الجر على أنه صفة لقرية، وجواب إذا ﴿قَالَ﴾ [الكهف: ٧٨] الآتي إن شاء الله تعالى وسلك بذلك نحو ما سلك في القصة الثانية من جعل الاعتراض عمدة الكلام للنكتة التي ذكرها هناك شيخ الإسلام، وذهب أبو البقاء. وغيره إلى أنه هو الجواب والآتي مستأنف نظير ما في القصة الأولى، والوصفية مختار المحققين كما ستعلمه إن شاء الله تعالى. وههنا سؤال مشهور وقد نظمه الصلاح الصفدي ورفعه إلى الإمام تقي الدين السبكي فقال :
فأجاب السبكي بأن جملة ﴿استطعما﴾ محتملة لأن تكون في محل جر صفة لقرية وأن تكون في محل نصب صفة لأهل وأن تكون جواب إذا ولا احتمال لغير ذلك، ومن تأمل علم أن الأول متعين معنى وأن الثاني والثالث وأن احتملتهما الآية بعيدان عن مغزاها، أما الثالث فلأنه يلزم عليه كون المقصود الإخبار بالاستطعام عند الإتيان وأن ذلك تمام معنى الكلام، ويلزمه أن يكون معظم قصدهما أو هو طلب الطعام مع أن القصد هو ما أراد ربك مما قص بعد وإظهار الأمر العجيب لموسى عليه السلام، وأما الثاني فلأنه يلزم عليه أن تكون العناية بشرح حال الأهل من حيث هم هم ولا يكون للقرية أثر في ذلك ونحن نجد بقية الكلام مشيراً إليها نفسها فيتعين الأول ويجب فيه ﴿استطعما أَهْلَهَا﴾ ولا يجوز استطعماهم أصلاً لخلو الجملة عن ضمير الموصوف.
وعلى هذا يفهم من مجموع الآيات أن الخضر عليه السلام فعل ما فعل في قرية مذموم أهلها وقد تقدم منهم سوء صنيع من الإباء عن حق الضيف مع طلبه وللبقاع تأثير في الطباع ولم يهم فيها مع أنها حرية بالإفساد والإضاعة بل باشر الإصلاح لمجرد الطاعة ولم يعبأ عليه السلام بفعل أهلها اللئام، ويضاف إلى ذلك من الفوائد أن الأهل الثاني يحتمل أن يكون هم الأولون أو غيرهم أو منهم ومن غيرهم، والغالب أن من أتى قرية لا يجد جملة أهلها دفعة بل يقع بصره أولاً على البعض ثم قد يستقريهم فلعل هذين العبدين الصالحين لما أتيا قدر الله تعالى لهما استقراء الجميع على التدريج ليتبين به كمال رحمته سبحانه وعدم مؤاخذته تعالى بسوء صنيع بعض عباده، ولو قيل استطعماهم تعين إرادة الأولين فأتى بالظاهر إشعاراً بتأكيد العموم فيه وأنهما لم يتركا أحداً من أهلها حتى استطعماه وأبي ومع ذلك قوبلوا بأحسن الجزاء، فانظر إلى هذه الأسرار كيف احتجبت عن كثير من المفسرين تحت الأستار حتى أن بعضهم لم يتعرض لشيء، وبعضهم ادعى أن ذلك تأكيد، وآخر زعم ما لا يعول عليه حتى سمعت عن شخص أنه قال : إن العدول عن استطعماهم لأن اجتماع الضميرين في كلمة واحدة مستثقل وهو قول يحكي ليردفان القرآن والكلام الفصيح مملوء من ذلك ومنه ما يأتي في الآية، ومن تمام الكلام فيما ذكر أن استطعما إن جعل جواباً فهو متأخر عن الإتيان وإذا جعل صفة احتمل أن يكون الإتيان قد اتفق قبل هذه المرة وذكر تعريفاً وتنبيهاً على أنه لم يحملهما على عدم الإتيان لقصد الخير فهذا ما فتح الله تعالى علي والشعر يضيق عن الجواب وقد قلت :
إلى آخر ما تحمس به، وفيه من المناقشة ما فيه. وقد اعترض بعضهم بأنه على تقدير كون الجملة صفة للقرية يمكن أن يؤتي بتركيب أخصر مما ذكر بأن يقال : فلما أتيا قرية استطعما أهلها فما الداعي إلى ذكر الأهل أولاً على هذا التقدير، وأجيب بأنه جىء بالأهل للإشارة إلى أنهم قصدوا بالإتيان في قريتهم وسألوا فمنعوا ولا شك أن هذا أبلغ في اللؤم وأبعد عن صدور جميل في حق أحد منهم فيكون صدور ما صدر من الخضر عليه السلام غريباً جداً، لا يقال : ليكن التركيب كذلك وليكن على الإرادة الأهل تقديراً أو تجوزاً كما في قوله تعالى :﴿واسأل القرية﴾ [يوسف: ٨٢] لأنا نقول : إن الإتيان ينسب للمكان كأتيت عرفات ولمن فيه كأتيت أهل بغداد فلو لم يذكر كان فيه تفويتاً للمقصود، وليس ذلك نظير ما ذكر من الآية لامتناع سؤال نفس القرية عادة، واختار الشيخ عز الدين على الموصلي في جواب الصفدي أن تكرار الأهل والعدول عن استطعماهم إلى ﴿استطعما أَهْلَهَا﴾ للتحقير وهو أحد نكات إقامة الظاهر مقام الضمير وبسط الكلام في ذلك نثيراً ؛ وقال نظماً :
وذكر في النثر وجهاً آخر للعدول وهو ما نقله السبكي ورده، وقد ذكره أيضاً النيسابوري وهو لعمري كما قال السبكي، ويؤول إلى ما ذكر من أن الإظهار للتحقير قول بعض المحققين : إنه للتأكيد المقصود منه زيادة التشنيع وهو وجه وجيه عند كل نبيه، ومن ذلك قوله تعالى :﴿فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الذي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الذين ظَلَمُواْ﴾ [البقرة: ٥٩] الآية ومثله كثير في القصيح، وقال بعضهم : إن الأهلين متغايران فلذا جيء بهما معاً، وقولهم : إذا أعيد المذكور أولاً معرفة كان الثاني عين الأول غير مطرد وذلك لأن المراد بالأهل الأول البعض إذ في ابتداء دخول القرية لا يتأتى عادة إتيان جميع أهلها لاسيما على ما روي من أن دخولهما كان قبل غروب الشمس وبالأهل الثاني الجميع لما ورد أنهما عليهما السلام كانا يمشيان على مجالس أولئك القوم يستطعمانهم فلو جيء بالضمير لفهم أنهما استطعما البعض، وعكس بعضهم الأمر فقال : المراد بالأهل الأول الجميع ومعنى إتيانهم الوصول إليهم والحلول فيما بينهم ؛ وهو نظير إتيان البلد وهو ظاهر في الوصول إلى بعض منه والحلول فيه وبالأهل الثاني البعض إذ سؤال فرد فرد من كبار أهل القرية وصغارهم وذكورهم وإناثهم وأغنيائهم وفقرائهم مستبعد جداً والخبر لا يدل عليه ولعله ظاهر في أنهما استطعما الرجال، وقد روي عن أبي هريرة والله تعالى أعلم بصحة الخبر أنه قال : أطعتهما امرأة من بربر بعد أن طلبا من الرجال فلم يطعموهما فدعيا لنسائهم ولعنا رجالهم فلذا جيء بالظاهر دون الضمير، ونقل مثله عن الإمام الشافعي عليه الرحمة في الرسالة.
وأورد عليهما أن فيهما مخالفة لما هو الغالب في إعادة الأول معرفة، وعلى الثاني أنه ليس في المغايرة المذكورة فيه فائدة يعتد بها، ولا يورد هذا على الأول لأن فائدة المغايرة المذكورة فيه زيادة التشنيع على أهل القرية كما لا يخفي.
واختار بعضهم على القول بالتأكيد أن المراد بالأهل في الموضعين الذين يتوقع من ظاهر حالهم حصول الغرض منهم ويحصل اليأس من غيرهم باليأس منهم من المقيمين المتوطنين في القرية، ومن لم يحكم العادة يقول : إنهما عليهما السلام أتوا الجميع وسألوهم لما أنهما على ما قيل قد مستهما الحاجة ﴿فَأَبَوْاْ أَن يُضَيّفُوهُمَا﴾ بالتشديد وقرأ ابن الزبير. والحسن. وأبو رجاء. وأبو رزين. وأبو محيصن. وعاصم في رواية المفضل. وأبان بالتخفيف من الإضافة يقال ضافه إذا كان له ضيفاً وأضافه وضيفه أنزله وجعله ضيفاً، وحقيقة ضاف مال من ضاف السهم عن الهدف يضيف ويقال أضافت الشمس للغروب وتضيفت إذا مالت، ونظيره زاره من الازورار، ولا يخفي ما في التعبير بالإباء من الإشارة إلى مزيد لؤم القوم لأنه كما قال الراغب شدة الامتناع، ولهذا لم يقل : فلم يضيفوهما مع أنه أخصر فإنه دون ما في «النظم الجليل » في الدلالة على ذمهم، ولعل ذلك الاستطعام كان طلباً للطعام على وجه الضيافة بأن يكونا قد قالا : إنا غريبان فضيفونا أو نحو ذلك كما يشير إليه التعبير بقوله تعالى :﴿فَأَبَوْاْ أَن يُضَيّفُوهُمَا﴾ دون فأبوا أن يطعموهما مع اقتضاء ظاهر ﴿استطعما أَهْلَهَا﴾ إياه، وإنما عبر باستطعما دون استضافا للإشارة إلى أن جل قصدهما الطعام دون الميل بهما إلى منزل وإيوائهما إلى محل. وذكر بعضهم أن في ﴿فَأَبَوْاْ أَن يُضَيّفُوهُمَا﴾ من التشنيع ما ليس في أبوا أن يطعموهما لأن الكريم قد يرد السائل المستطعم ولا يعاب كما إذا رد غريباً استضافه بل لا يكاد يرد الضيف إلا لئيم، ومن أعظم هجاء العرب فلان يطرد الضيف، وعن قتادة شر القرى التي لا يضاف فيها الضيف ولا يعرف لابن السبيل حقه.
وقال زين الدين الموصلي إنما خص سبحانه الاستطعام بموسى والخضر عليهما السلام والضيافة بالأهل لأن الاستطعام وظيفة السائل والضيافة وظيفة المسؤول لأن العرف يقضي بذلك فيدعو المقيم القادم إلى منزله يسأله ويحمله إليه انتهى، وهو كما ترى. ومما يضحك منه العقلاء ما نقله النيسابوري وغيره أن أهل تلك القرية لما سمعوا نزول هذه الآية استحيوا وأتوا إلى رسول الله ﷺ بحمل من ذهب فقالوا : يا رسول الله نشتري بهذا الذهب أن ت
| أسيدنا قاضي القضاة ومن إذا | بدا وجهه استحيى له القمران |
| ومن كفه يوم المندى ويراعه | على طرسه بحران يلتقيان |
| ومن إن دجت في المشكلات مسائل | جلاها بفكر دائم اللمعان |
| رأيت كتاب الله أعظم معجز | لأفضل من يهدي به الثقلان |
| ومن جملة الإعجاز كون اختصاره | بإيجاز ألفاظ وبسط معاني |
| ولكنني في الكهف أبصرت آية | بها الفكر في طول الزمان عناني |
| وما هي إلا استطعما أهلها فقد | نرى استطعماهم مثله ببيان |
| فما الحكمة الغراء في وضع ظاهر | مكان ضمير إن ذاك لشان |
| فارشد على عادات فضلك حيرتي | فما لي إلى هذا الكلام يدان |
وعلى هذا يفهم من مجموع الآيات أن الخضر عليه السلام فعل ما فعل في قرية مذموم أهلها وقد تقدم منهم سوء صنيع من الإباء عن حق الضيف مع طلبه وللبقاع تأثير في الطباع ولم يهم فيها مع أنها حرية بالإفساد والإضاعة بل باشر الإصلاح لمجرد الطاعة ولم يعبأ عليه السلام بفعل أهلها اللئام، ويضاف إلى ذلك من الفوائد أن الأهل الثاني يحتمل أن يكون هم الأولون أو غيرهم أو منهم ومن غيرهم، والغالب أن من أتى قرية لا يجد جملة أهلها دفعة بل يقع بصره أولاً على البعض ثم قد يستقريهم فلعل هذين العبدين الصالحين لما أتيا قدر الله تعالى لهما استقراء الجميع على التدريج ليتبين به كمال رحمته سبحانه وعدم مؤاخذته تعالى بسوء صنيع بعض عباده، ولو قيل استطعماهم تعين إرادة الأولين فأتى بالظاهر إشعاراً بتأكيد العموم فيه وأنهما لم يتركا أحداً من أهلها حتى استطعماه وأبي ومع ذلك قوبلوا بأحسن الجزاء، فانظر إلى هذه الأسرار كيف احتجبت عن كثير من المفسرين تحت الأستار حتى أن بعضهم لم يتعرض لشيء، وبعضهم ادعى أن ذلك تأكيد، وآخر زعم ما لا يعول عليه حتى سمعت عن شخص أنه قال : إن العدول عن استطعماهم لأن اجتماع الضميرين في كلمة واحدة مستثقل وهو قول يحكي ليردفان القرآن والكلام الفصيح مملوء من ذلك ومنه ما يأتي في الآية، ومن تمام الكلام فيما ذكر أن استطعما إن جعل جواباً فهو متأخر عن الإتيان وإذا جعل صفة احتمل أن يكون الإتيان قد اتفق قبل هذه المرة وذكر تعريفاً وتنبيهاً على أنه لم يحملهما على عدم الإتيان لقصد الخير فهذا ما فتح الله تعالى علي والشعر يضيق عن الجواب وقد قلت :
| لأسرار آيات الكتاب معاني | تدق فلا تبدو لكل معاني |
| وفيها لمرتاض لبيب عجائب | سناً برقها يعنو له القمران |
| إذا بارق منها لقلبي قد بدا | هممت قرير العين بالطيران |
| سروراً وإبهاجاً وصولاً على العلا | كأني علا فوق السماك مكاني |
| فما الملك والاكران ما البيض ما القنا | وعندي وجوه أسفرت بتهاني |
| وهاتيك منها قد أبحتك سرها | فشكراً لمن أولاك حسن بياني |
| أرى استطعما وصفاً على قرية جرى | وليس لها(١) والنحو كالميزان |
| صناعته تقضي بأن استتار ما | يعود عليه ليس في الإمكان |
| وليس جواباً لا ولاصف أهلها | فلا وجه للإضمار والكتمان |
| وهذي ثلاث ما سواها بممكن | تعين منها واحد فسباني |
| ورضت بها فكري إلى أن تمحضت | به زبدة الأحقاب منذ زمان |
| وإن حياتي في تموج أبحر | من العلم في قلبي يمد لساني |
| سألت لماذا استطعما أهلها أتى | عن استطعماهم إن ذاك لشان |
| وفيه اختصار ليس ثم ولم تقف | على سبب الرجحان منذ زمان |
| فهاك جواباً رافعاً لنقابه | يصير به المعنى كرأي عيان |
| إذا ما استوى الحالان في الحكم | رجح الضمير وأما حين يختلفان |
| بأن كان في التصريح إظهار حكمة | كرفعة شأن أو حقارة جاني |
| كمثل أمير المؤمنين يقول ذا | وما نحن فيه صرحوا بأمان |
| وهذا على الإيجاز والبسط جاء في | جوابي منثوراً بحسن بيان |
وأورد عليهما أن فيهما مخالفة لما هو الغالب في إعادة الأول معرفة، وعلى الثاني أنه ليس في المغايرة المذكورة فيه فائدة يعتد بها، ولا يورد هذا على الأول لأن فائدة المغايرة المذكورة فيه زيادة التشنيع على أهل القرية كما لا يخفي.
واختار بعضهم على القول بالتأكيد أن المراد بالأهل في الموضعين الذين يتوقع من ظاهر حالهم حصول الغرض منهم ويحصل اليأس من غيرهم باليأس منهم من المقيمين المتوطنين في القرية، ومن لم يحكم العادة يقول : إنهما عليهما السلام أتوا الجميع وسألوهم لما أنهما على ما قيل قد مستهما الحاجة ﴿فَأَبَوْاْ أَن يُضَيّفُوهُمَا﴾ بالتشديد وقرأ ابن الزبير. والحسن. وأبو رجاء. وأبو رزين. وأبو محيصن. وعاصم في رواية المفضل. وأبان بالتخفيف من الإضافة يقال ضافه إذا كان له ضيفاً وأضافه وضيفه أنزله وجعله ضيفاً، وحقيقة ضاف مال من ضاف السهم عن الهدف يضيف ويقال أضافت الشمس للغروب وتضيفت إذا مالت، ونظيره زاره من الازورار، ولا يخفي ما في التعبير بالإباء من الإشارة إلى مزيد لؤم القوم لأنه كما قال الراغب شدة الامتناع، ولهذا لم يقل : فلم يضيفوهما مع أنه أخصر فإنه دون ما في «النظم الجليل » في الدلالة على ذمهم، ولعل ذلك الاستطعام كان طلباً للطعام على وجه الضيافة بأن يكونا قد قالا : إنا غريبان فضيفونا أو نحو ذلك كما يشير إليه التعبير بقوله تعالى :﴿فَأَبَوْاْ أَن يُضَيّفُوهُمَا﴾ دون فأبوا أن يطعموهما مع اقتضاء ظاهر ﴿استطعما أَهْلَهَا﴾ إياه، وإنما عبر باستطعما دون استضافا للإشارة إلى أن جل قصدهما الطعام دون الميل بهما إلى منزل وإيوائهما إلى محل. وذكر بعضهم أن في ﴿فَأَبَوْاْ أَن يُضَيّفُوهُمَا﴾ من التشنيع ما ليس في أبوا أن يطعموهما لأن الكريم قد يرد السائل المستطعم ولا يعاب كما إذا رد غريباً استضافه بل لا يكاد يرد الضيف إلا لئيم، ومن أعظم هجاء العرب فلان يطرد الضيف، وعن قتادة شر القرى التي لا يضاف فيها الضيف ولا يعرف لابن السبيل حقه.
وقال زين الدين الموصلي إنما خص سبحانه الاستطعام بموسى والخضر عليهما السلام والضيافة بالأهل لأن الاستطعام وظيفة السائل والضيافة وظيفة المسؤول لأن العرف يقضي بذلك فيدعو المقيم القادم إلى منزله يسأله ويحمله إليه انتهى، وهو كما ترى. ومما يضحك منه العقلاء ما نقله النيسابوري وغيره أن أهل تلك القرية لما سمعوا نزول هذه الآية استحيوا وأتوا إلى رسول الله ﷺ بحمل من ذهب فقالوا : يا رسول الله نشتري بهذا الذهب أن ت
١ - أي صفة جرت على غير من هي له اهـ منه..