الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي

عن الكتاب
﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ قرأ العبادلة : عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن الزبير، والحسن، وأبو جعفر، وابن عامر وأيوب، وأهل الكوفة :( حامية ) بالألف، أي حارة. ويدل عليه ما [ أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله بن سليمان عن عثمان بن أبي شيبة عن يزيد بن هارون عن سفيان بن الحسين عن الحكم ابن عيينة عن ] إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذرّ قال : كنت ردف النبّي ﷺ فقال :" يا أبا ذر أين تغرب هذه ؟ ". قلت : الله ورسوله أعلم. قال :" فإنها تغرب في عين حامية ".
وقال عبد الله بن عمرو :" نظر رسول الله ﷺ إلى الشمس حين غابت فقال :" في نار الله الحامية، في نار الله الحامية فلولا ما يزعمها من أمر الله عزّ وجلّ لأحرقت ما على الأرض " ".
وقرأ الباقون :﴿حَمِئَةٍ﴾ مهموزة بغير ألف، يعني : ذات حمأة، وهي الطينة السوداء. يدل عليه ما روى سعد بن أوس عن مصرع بن يحيى عن ابن عباس قال : أقرأنيها أُبيّ بن كعب كما أقرأه رسول الله ﷺ ﴿تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ وقال كعب : أجدها في التوراة :( في عين سّوداء )، فوافق ابن عباس. أبو أسامة عن عمرو بن ميمون قال : سمعت أبا حاضر أو ابن حاضر رجل من الأزد يقول : سمعت ابن عباس يقول : إنّي لجالس عند معاوية إذ قرأ هذه الآية :( وجدها تغرب في عين حامية ) فقلت : ما نقرؤها إلاّ ﴿حَمِئَةٍ﴾. فقال معاوية لعبد الله بن عمر : وكيف تقرؤها ؟ قال : كما قرأتها يا أمير المؤمنين. قال ابن عباس : فقلت : في بيتي نزل القرآن. فأرسل معاوية إلى كعب، فجاءه فقال : أين تجد الشمس تغرب في التوراة يا كعب ؟ قال : أما العربية فأنتم أعلم بها، وأما الشمس فإنّي أجدها في التوراة تغرب في ماء وطين. قال : فقلت لابن عباس : لو كنت عندكما لانشدت كلاماً تزداد به نصرة في قولك :﴿حَمِئَةٍ﴾. قال ابن عباس : فإذن ما هو ؟ فقلت : قول تبع :
قد كان ذو القرنين قبلي مسلماًملِكاً تدين له الملوك وتسجد
بلغ المشارق والمغارب يبتغيأسباب أمر من حكيم مرشد
فرأى معاد الشمس عند غروبهافي عين ذي خلب وثأط حرمد
قال : فقال ابن عباس : ما الخلب ؟ قلت : الطين بكلامهم. قال : فما الثأط ؟ قلت : الحمأة. قال : وما الحرمد ؟ قلت : الأسود. قال : فدعا رجلاً أو غلاماً، فقال : اكتب ما يقول هذا. وقال أبو العالية : بلغني أن الشمس في عين، تقذفها العين إلى المشرق.
﴿وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً﴾، يعني ناساً ﴿قُلْنَا يذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ﴾ : إما أن تقتلهم إن لم يدخلوا في الإسلام ﴿وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً﴾، أي تعفو وتصفح. وقيل : تأسرهم فتعلّمهم وتبصّرهم الرّشاد.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى