المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم «في عين حَمِئة »، على وزن فَعِلة، أي ذات حُماة، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر، والباقون في «عين حامية »، أي حارة، وقد اختلف في ذلك قراءة معاوية وابن عباس فقال ابن عباس «حمئة »، وقال معاوية «حامية »، فبعثا إلى كعب الأحبار ليخبرهم بالأمر كيف هو في التوراة، فقال لهما أما العربية فأنتما أعلم بها مني، ولكني أجد في التوراة أنها تغرب في عين ثاط، والثاط الطين. فلما انفصلا قال رجل لابن عباس : لوددت أني حضرت يا أبا العباس، فكنت أنجدك بشعر تبع الذي يقول فيه في ذكر ذي القرنين :[ الكامل ]
قد كان ذو القرنين جدي مسلماً. . . ملكاً تدين له الملوك ويحشد
بلغ المشارق والمغارب يبتغي. . . أسباب أمر من حيكم مرشد
فرأى مغار الشمس عند غروبها. . . في عين ذي خلب وثاط حرمد(٤)
فالخلب : الطين، والثاط : الحمأة، الحرمد : الأسد، ومن قرأ «حامئة »، وجهها إلى الحرارة، وروي عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ نظر إلى الشمس وهي تغيب فقال «في نار الله الحامية، لولا ما يزعها من الله لأحرقت ما على الأرض »(٥)، وروى أبو ذر أن رسول الله ﷺ نظر إلى الشمس عند غروبها فقال :«أتدري أين تغرب يا أبا ذر ؟ » قلت لا، قال «إنها تغرب في عين حامية »(٦)، فهذا يدل على أن العين هنالك حارة، و «حامية » هي قراءة طلحة بن عبيد الله، وعمرو بن العاص وابنه، وابن عمر، وذهب الطبري إلى الجمع بين الأمرين : فيقال يحتمل أن تكون العين حارة، ذات حمأة فكل قراءة وصف بصفة من أحوالها، وذهب بعض البغداديين إلى أن ﴿في﴾ بمنزلة عند، كأنها مسامتة من الأرض فيما يرى الرائي ل ﴿عين حمئة﴾ وقال بعضهم : قوله ﴿في عين﴾ إنما المراد أن ذا القرنين كان فيها، أي هي آخر الأرض.
قال القاضي أبو محمد : وظاهر هذه الأقوال تخيل والله أعلم، قال أبو حاتم : وقد يمكن أن تكون «حاميئة » مهموزة، بمعنى ذات حمأة، فتكون القراءتان بمعنى واحد، واستدل بعض الناس عل أن ذا القرنين نبي، بقوله تعالى :﴿قلنا يا ذا القرنين﴾ ومن قال إنه ليس بنبي، قال كانت هذه المقالة من الله له بإلهام، و ﴿إما أن تعذب﴾ بالقتل على الكفر ﴿وإما أن تتخذ فيهم حسناً﴾ أي بالإجمال على الإيمان، واتباع الهدى، فكأنه قيل له هذه لا تعطيها إلا إحدى خطتين : إما أن تكفر فتعذبها، وإما أن تؤمن فتحسن إليها، وذهب الطبري إلى أن اتخاذ الحسن هو الأسر مع كفرهم، فالمعنى، على هذا، أنهم كفروا ولا بد فخيره الله بين قتلهم أو أسرهم، ويحتمل أن يكون الاتخاذ ضرب الجزية.
قال القاضي أبو محمد : ولكن تقسيم ﴿ذي القرنين﴾ بعد هذا الأمر إلى كفر أو إيمان، يريد هذا القول بعض الرد، فتأمله(٧).
٤ الأبيات في الدر المنثور، والقرطبي، وآخرها في البحر المحيط، وتروى: (قد كان ذو القرنين قبلي)، و (تدين له الملوك وتسجد)..
٥ أخرجه أحمد، وابن أبي شيبة، وابن منيع، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن مردويه، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: نظر رسول الله ﷺ إلى الشمس حين غابت فقال: (في نار الله... الحديث)..
٦ أخرجه ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن مردويه، والحاكم وصححه، عن أبي ذر قال: كنت ردف رسول الله ﷺ وهو على حمار، فرأى الشمس حين غربت، فقال: (أتدري أين تغرب؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: (فإنها تغرب في عين حامية)، غير مهموزة..
٧ تقسيم ذي القرنين للقوم جاء في الآية التالية وما بعدها، ﴿قال أما من ظلم فسوف نعذبه﴾ الآية ﴿وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى﴾، الآية..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى