جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
وقوله : فَسَنُيَسّرُهُ لِلْعُسْرَى يقول تعالى ذكره : فسنهيئه في الدنيا للخَلّة العُسرى، وهو من قولهم : قد يسرت غنم فلان : إذا ولدت وتهيأت للولادة، وكما قال الشاعر :
هُمَا سَيّدَانا يَزْعُمانِ وإنّمَايَسُودَانِنا أنْ يَسّرَتْ غَنَماهُمَا
وقيل : فَسَنُيَسّرُهُ لِلْعُسْرَى ولا تيسر في العُسرى للذي تقدّم في أوّل الكلام من قوله : فَسَنُيَسّرُهُ لِلْيُسْرَى وإذا جمع بين كلامين أحدهما ذكر الخير والآخر ذكر الشرّ، جاز ذلك بالتيسير فيهما جميعا والعُسرى التي أخبر الله جلّ ثناؤه أنه ييسره لها : العمل بما يكرهه ولا يرضاه. وبنحو الذي قلنا في ذلك جاء الأثر عن رسول الله ﷺ. ذكر الخبر بذلك :
حدثني واصل بن عبد الأعلى وأبو كُرَيب، قالا : حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن سعد بن عُبيدة، عن أبي عبد الرحمن السّلميّ، عن عليّ، قال : كُنّا جلوسا عند النبيّ ﷺ، فنكَتَ الأرض، ثم رفع رأسه فقال :«ما مِنْكمْ مِنْ أحَدٍ إلاّ وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنّةِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ النّارِ ». قلنا : يا رسول الله أفلا نتّكل ؟ قال :«لا، اعْمَلُوا فَكُلّ مُيَسّرٌ »، ثم قرأ : فأمّا مَنْ أعْطَى وَاتّقَى وَصَدّقَ بالْحُسْنَى فَسَنُيَسّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأمّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذّبَ بالْحُسْنَى فَسَنُيَسّرُهُ لِلْعُسْرَى.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا زائدة بن قُدامة، عن منصور، عن سعد بن عُبيدة عن أبي عبد الرحمن السّلَميّ، عن عليّ، قال : كنا في جنازة في البقيع، فأتانا رسول الله ﷺ فجلس وجلسنا معه، ومعه عود يَنْكُت في الأرض، فرفع رأسه إلى السماء فقال :«ما مِنْكمْ مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إلاّ قَدْ كُتِبَ مَدْخَلُها »، فقال القول : يا رسول الله ألا نتكل على كتابنا، فمن كان من أهل السعادة فإنه يعمل للسعادة، ومن كان من أهل الشقاء فإنه يعمل للشقاء، فقال :«بَلِ اعْمَلُوا فَكُلّ مُيَسّرٌ فأمّا مَنْ كانَ مِنْ أهْلِ السّعادَةِ فإنّهُ يُيَسّرُ لِعَمَلِ السّعادَةِ وأمّا مَنْ كانَ مِنْ أهْلِ الشّقاء فإنّهُ يُيَسّرُ للشّقاءِ »، ثم قرأ : فأمّا مَنْ أعْطَى واتّقَى وَصَدّقَ بالْحُسْنَى فَسَنُيَسّرُهُ لِلْيُسْرَى وأمّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وكَذّبَ بالْحُسْنَى فَسَنُيَسّرُهُ لِلْعُسْرَى ».
حدثنا أبو السائب، قال : حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلميّ، عن عليّ، عن النبيّ ﷺ بنحوه.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن منصور والأعمش : أنهما سمعا سعد بن عُبيدة، عن أبي عبد الرحمن السّلَميّ، عن عليّ، عن النبيّ ﷺ أنه كان في جنازة، فأخذ عودا فجعل ينكُت في الأرض، فقال :«ما مِنْ أحَدٍ إلاّ وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النّارِ أوْ مِنَ الجَنّةِ »، فقالوا : يا رسول الله أفلا نتّكل ؟ قال :«اعْمَلُوا فَكُلّ مُيَسّرٌ فأمّا مَنْ أعْطَى وَاتّقَى وَصَدّقَ بالْحُسْنَى فَسَنُيَسّرُهُ للْيُسْرَى وأمّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وكَذّبَ بالْحُسْنَى فَسَنُيَسّرُهُ لِلْعُسْرَى ».
حدثنا ابن حُميد، قال : حدثنا مهران، عن سفيان، عن منصور والأعمش، عن سعد بن عُبيدة، عن أبي عبد الرحمن السّلَميّ، عن عليّ رضي الله عنه قال : كنا جلوسا مع النبيّ ﷺ، فتناول شيئا من الأرض بيده، فقال :«ما مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ إلاّ وَقَدْ عُلِمَ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنّةِ والنّارِ » قالوا : يا نبيّ الله، أفلا نتكل ؟ قال :«لا اعْمَلُوا فَكُلّ مُيَسّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ »، ثم قرأ : فأمّا مَنْ أعْطَى وَاتّقَى. . . الآيتين.
قال : ثنا مهران، عن أبي سنان، عن عبد الملك بن سَمُرة بن أبي زائدة، عن النّزّال بن سَبْرَةَ، قال : قال النبيّ ﷺ :«ما مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إلاّ قَدْ كَتَبَ اللّهُ عَلَيْها ما هِيَ لاقِيَتُهُ » وأعرابي عند النبيّ ﷺ مُرتاد، فقال الأعرابيّ : فما جاء بي أضرب من وادي كذا وكذا، إن كان قد فُرِغ من الأمر ؟ فنكت النبيّ ﷺ في الأرض، حتى ظنّ القوم أنه ودّ أنه لم يكن تكلم بشيء منه، فقال النبيّ ﷺ :«كُلّ مُيَسّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، فَمَنْ يُرِدِ اللّهُ بِهِ خَيرا يَسّرَهُ لِسَبِيلِ الخَيرِ، وَمَنْ يُرِدْ بِهِ شَرّا يَسّرَهُ لِسَبِيلِ الشّرّ »، فلقيت عمرو بن مُرّة، فعرضت عليه هذا الحديث، فقال : قال النبيّ ﷺ، وزاد فيه : فأمّا مَنْ أعْطَى وَاتّقَى وَصَدّقَ بالْحُسْنَى فَسَنُيَسّرُهُ لِلْيُسْرَى وأمّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وكَذّبَ بالْحُسْنَى فَسَنُيَسّرُهُ لِلْعُسْرَى.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا هشيم، قال : حدثنا حصين، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السّلَمي، قال : لما نزلت هذه الآية : إنّا كُلّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ قال رجل : يا رسول الله، ففيم العمل ؟ أفي شيء نستأنفه، أو في شيء قد فُرغ منه ؟ فقال رسول الله ﷺ :«اعْمَلُوا فَكُلّ مُيَسّرٌ : سَنُيَسّرُهُ لِلْيُسْرَى، وَسُنَيَسّرُهُ لِلْعُسْرَى ».
حدثني عمرو بن عبد الملك الطائي، قال : حدثنا محمد بن عبيدة، قال : حدثنا الجراح، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن الحجاج بن أرطأة، عن أبي إسحاق الهمداني، عن سليمان الأعمش، رفع الحديث إلى عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، أنه قال : كان رسول الله ﷺ ذات يوم جالسا وبيده عود ينكُت به في الأرض، فرفع رأسه فقال :«ما مِنْكمْ مِنْ أحَدٍ وَلا مِنَ النّاس، إلاّ وَقَدْ عُلِمَ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنّةِ أوِ النّارِ »، قلنا : يا رسول الله أفلا نتوكل ؟ قال لهم :«اعْمَلُوا فَكُلّ مُيَسّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ »، ثم قال :«أما سَمِعْتُمُ اللّهَ فِي كِتابِهِ يَقُولُ : فأمّا مَنْ أعْطَى وَاتّقَى وَصَدّقَ بالْحُسْنَى فَسَنُيَسّرُهُ لِلْيُسْرَى وأمّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وكَذّبَ بالْحُسْنَى فَسَنُيَسّرُه لِلْعُسْرَى ».
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا عبد الرحمن بن مَهْدِيّ، قال : حدثنا خالد بن عبد الله، عن داود بن أبي هند، عن عكرِمة، عن ابن عباس فَسَنُيَسّرُهُ لِلْعُسْرَى : للشرّ من الله.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني عمرو بن الحرث، عن أبي الزّبير، عن جابر بن عبد الله أنه قال : يا رسول الله، أنعمل لأمر قد فُرغ منه، أو لأمر نأتنفه ؟ فقال ﷺ :«كُلّ عامِلٍ مُيَسّرٌ لِعَمَلِهِ ».
حدثني يونس، قال : حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طلق بن حبيب، عن بشير بن كعب، قال : سأل غلامان شابان النبيّ ﷺ، فقالا : يا رسول الله، أنعمل فيما جفّت به الأقلام، وجرَت به المقادير، أو في شيء يستأنف ؟ فقال :«بَلْ فِيما جَفّتْ به الأقْلامُ، وَجَرَتْ بهِ المَقادِيرُ » قالا : ففيم العمل إذن ؟ قال :«اعْمَلُوا، فَكُلّ عامِلٍ مُيَسّرٌ لعَمَلِهِ الّذِي خُلِقَ لَهُ »، قالا : فالآن نجدّ ونعمل.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى