اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ عدي بالتضعيف إلى ثان، وقام الأول مقام الفاعل، وفي محل هذه الجملة وجهان :
أحدهما : أنها في موضع الصفة ل «حَمِيم ».
والثاني : أنها مستأنفة.
قال الزمخشريُّ : فإن قلت : ما موقع «يُبصَّرُونهُم » ؟
قلت : هو كلام مستأنف، كأنه لمَّا قال :﴿لاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً﴾ قيل : لعله لا يبصره، فقال :«يُبَصَّرُونهُم »، ثم قال : ويجوز أن يكون «يبصرُونهُم » صفة، أي : حميماً مبصرين معرفين إياهم انتهى.
وإنما اجتمع الضميران في «يبصرُونهُم » وهما للحميمين حملاً على معنى العمومِ ؛ لأنهما نكرتان في سياق النفي(١).
وقرأ قتادةُ :«يُبصِرُونهُمْ » مبنياً للفاعل، من «أبصَرَ »، أي : يبصر المؤمن الكافر في النار.

فصل في قوله تعالى يبصرونهم


«يُبصَّرُونهُم »، أي : يرونهم، يقال : بصرت به أبصر، قال تعالى :﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ﴾[طه: ٩٦]، ويقال :«بصَّرَني زيدٌ بكذا » فإذا حذفت الجار قلت : بصَّرني زيدٌ، فإذا بنيت الفعل للمفعول، وقد حذفت الجارَّ، قلت : بصرت زيداً، فهذا معنى :«يُبَصَّرونهُمْ » أي : يعرف الحميمُ الحميمَ حين يعرفه، وهو مع ذلك، لا يسأله عن شأنه لشغله بنفسه، فيبصر الرجلُ أباه، وأخاه، وقرابته، وعشيرته، فلا يسألهُ، ولا يكلمه ؛ لاشتغالهم بأنفسهم.
وقال ابن عبَّاس : يتعارفون ساعة، ثم لا يتعارفون بعد ذلك(٢).
وقال ابن عباس أيضاً : يُبْصِرُ بعضهم بعضاً(٣)، فيتعارفون ثم يفرُّ بعضهم من بعضٍ، فالضمير في «يُبَصَّرونهُم » على هذا للكافر، والهاءُ والميم للأقرباء.
وقال مجاهدُ : المعنى : يُبَصِّرُ الله المؤمنين الكفَّار في يوم القيامةِ، فالضمير في «يُبَصَّرونهم » للمؤمنين، والهاءُ والميمُ للكفار(٤).
وقال ابنُ زيدٍ : المعنى : يُبصِّرُ الله الكفار في النار الذين أضلوهم في الدُّنيا، فالضميرُ في «يُبَصَّرونَهُم » للتابعين، والهاءُ والميم للمتبوعين(٥).
وقيل : إنه يُبصِرُ المظلومُ ظالمه، والمقتولُ قاتله.
وقيل : إن الضمير في «يُبصَّرونَهم » يرجع إلى الملائكة، أي : يعرفون أحوال الناس، فيسوقون كلَّ فريقٍ إلى ما يليق بهم، وتمَّ الكلامُ عند قوله :«يُبصَّرُونَهُم ». قوله :«يَوَدُّ المُجرِمُ »، أي : يتمنَّى الكافرُ ﴿لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ﴾، أي : من عذاب جهنم، وقيل : المرادُ بالمجرم كلُّ مذنب، وتقدم الكلام على قراءتي «يَومئذٍ » فتحاً وجرًّا في «هود » والعامة : على إضافة «عَذابِ » ل «يَومِئذٍ ».
وأبو حيوة(٦) : بتنوين «عذابٍ »، ونصب «يَومئذٍ »، على الظرف.
قال ابنُ الخطيب(٧) : وانتصابه بعذاب ؛ لأن فيه معنى تعذيب.
وقال أبو حيَّان(٨) هنا :«والجمهور يكسرها - أي : ميم يومئذ - والأعرج وأبو حيوة : يفتحها » انتهى.
وقد تقدم أنَّ الفتح قراءةُ نافع، والكسائي.
١ ينظر: المحرر الوجيز ٥/٣٦٦، والدر المصون ٦/٣٧٦..
٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٢٢٩) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/١٤٨)..
٣ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٨/١٨٤)..
٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٢٣٠) وذكره الماوردي (٦/٩٢)..
٥ ينظر المصدر السابق..
٦ ينظر: المحرر الوجيز ٥/٣٦٧، والدر المصون ٦/٣٧٦..
٧ ينظر: الفخر الرازي ٣٠/١١٢..
٨ البحر المحيط ٨/٣٣٤..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى