الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿عِزِينَ﴾ : حالٌ من " للذين كفروا " وقيل : حالٌ من الضمير في " مُهْطِعين "، فتكون حالاً متداخلةً. و " عن اليمين " يجوزُ أَنْ يتعلَّقَ ب " عِزين " لأنه بمعنى متفرِّقين، قاله أبو البقاء، وأَنْ يتعلَّقُ بمُهْطِعين، أي : مُسْرِعِين عن هاتَيْن الجهتَين، وأَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنَّه حالٌ، أي : كائنين عن اليمين، قاله أبو البقاء. وعِزِيْن جمعُ " عِزَة " والعِزَةُ : الجماعة، قال مكي :" وإنما جُمِع بالواوِ/ والنونِ لأنه مؤنثٌ لا يَعْقِلُ ؛ لكونَ ذلك عِوَضاً مِمَّا حُذِفَ منه. قيل : إنَّ أصلَه عِزْهَة، كما أنَّ أصلَ سَنَةَ سَنْهَة ثم حُذِفَتِ الهاءُ " انتهى. قوله :" لا يَعْقِلُ " سهوٌ لأنَّ الاعتبارَ بالمدلولِ، ومدلولُه بلا شك عقلاءُ.
واختلفوا في لام " عِزَة " على ثلاثةِ أقوالٍ، أحدُها : أنَّها واوٌ مِنْ عَزَوْتُه أَعْزُوْه، أي : نَسَبْتُه ؛ وذلك أنَّ المنسوبَ مضمومٌ إلى المنسوبِ إليه، كما أنَّ كلَّ جماعةٍ مضمومٌ بعضُها إلى بعضٍ. الثاني : أنَّها ياءٌ، إذ يُقال : عَزَيْتُه بالياء، أَعْزِيْهِ بمعنى : عَزَوْته، فعلى هذا في لامِها لغتان، الثالث : أنها هاءٌ، ويُجْمَعُ تكسيراً على عِزَىً نحو : كِسْرة وكِسَر، واسْتُغْنِي بهذا التكسيرِ عن جمعِها بالألفِ والتاءِ، فلم يقولوا : عِزات كما لم يقولوا في شَفَة وأَمَة : شِفات ولا إمات استغناءً بشِفاهٍ وإماءٍ، وقد كَثُرَ ورودُه مجموعاً بالواوِ والنون. قال الراعي :
أخليفةَ الرحمنِ إنَّ عَشيرتيأَمسَوْا سَوامُهُمُ عِزِيْنَ فُلُوْلا
وقال الكميت :
ونحن وجَنْدَلٌ باغٍ تَرَكْناكتائبَ جَنْدَلٍ شَتَّى عِزِيْنا
وقال عنترة :
وقِرنٍ قد تَرَكْتُ لِذي وَلِيٍّعليه الطيرُ كالعُصَبِ العِزِيْن
وقال آخر :
ترانا عنده والليلُ داجٍعلى أبوابِه حِلَقاً عِزِيْنا
وقال آخر :
فلما أَنْ أَتَيْنَ على أُضاخٍتَرَكْنَ حَصاه أَشْتاتاً عِزينا
والعِزَةُ لغةً : الجماعةُ في تَفْرِقَةً. هذا قولُ أبي عبيدة. وقال الأصمعيُّ :" العِزُون : الأصناف. يقال : في الدار عِزُون، أي : أصناف " وقال غيرُه : الجماعةُ اليسيرةُ كالثلاثةِ والأربعةِ. وقال الراغب :" وقيل : هو مِنْ قولِهم : عَزِيَ عَزاءً فهو عَزٍ إذا صَبَرَ، وتَعَزَّى : تَصَبَّر، فكأنها اسمٌ للجماعة التي يتأسَّى بعضُهم ببعض.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى