اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
في اتِّصال [ هذه الآية ](١) بما قَبْلَها وجوه :
أحدها : أنَّه تعالى لمَّا قال ﴿مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ﴾ [المائدة: ٩٩] كأنَّه قال : ما بلَّغَهُ الرَّسُول إلَيْكُم، فَخُذُوهُ وكونوا مُنْقَادِين لَهُ، وما لم يُبَلِّغْهُ إليكم، فلا تسْألوا عنه، ولا تخُوضُوا فيه، فإنَّكُم إنْ خضتم فيما لا تكليف فيه عَلَيْكم، فربَّما جَاءَكُمْ بسبب ذلك الخَوْضِ من التَّكْلِيف ما يَثْقُل عليْكم ويَشُقُّ.
وثانيها : أنَّه تعالى لما قال ﴿مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ﴾ [المائدة: ٩٩] وهذا ادعَاءٌ منهُ للرِّسالةِ، ثُمَّ الكُفَّار كانوا يُطالِبُونَهُ بعدَ ظُهُورِ المُعْجِزَاتِ بمُعْجِزاتٍ أُخَر على سبيلِ التَّعَنُّتِ، كما حَكَى عَنْهُم قولهمُ :﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُر لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعاً﴾ [الإسراء: ٩٠]، إلى قوله :﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً﴾ [الإسراء: ٩٣]، والمعنى : أنِّي رسولٌ أمِرْتُ بتبْليغِ الشَّرائِعِ والأحْكَام إلَيْكُم، واللَّه تعالى قد أقامَ الدلالة على صِحَّةِ دعْوَى الرِّسالة بإظْهَارِ أنواعٍ كثيرةٍ من المُعْجِزَات، وطلبُ الزِّيادة بَعْدَ ذلك من بابِ التَّعَنُّتِ، وذلك لَيْس في وُسْعِي، ولعلَّ إظْهَارَها يوجبُ ما يَسُوؤكُم، مثل أنَّها لو ظَهَرَتْ فكُلُّ من خالفَ بعد ذلك، اسْتَوْجَبَ العِقَابَ في الدُّنيا، ثُمَّ إنَّ المُسْلمِينَ لمَّا سَمِعُوا مُطالبَةَ الكُفَّار للرَّسُولِ بهذه المُعْجِزَاتِ، وقع في قُلوبِهِم مَيْلٌ إلى ظُهُورها، فَعَرفُوا في هذه الآية أنَّهم لا يَنْبَغِي أن يُطالِبُوا ذلك، فربما كان ظُهُورها يُوجبُ ما يَسُوؤهُم.
وثالثها : أنَّ هذا مُتَّصِلٌ بقوله :﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ [المائدة: ٩٩]، فاتركُوا الأمُورَ على ظَوَاهِرِهَا، ولا تَسْألُوا عن أحْوال مُخِيفَةٍ إنْ تُبْدَ لَكُم تَسُؤكُمْ.
قوله تعالى :" عَنْ أشْيَاءَ " : متعلق ب " تَسْألُوا ". واختلف النحويُّون في " أشْيَاء " على خمسة مذاهب :
أحدها - وهو رأي الخليل وسيبويه(٢) والمازنيِّ وجمهور البصريين - : أنها اسمُ جمعٍ من لفظ " شَيْء "، فهي مفردةٌ لفظاً جمعٌ معنًى ؛ ك " طَرْفَاء "، و " قَصْبَاء "، وأصلها :" شَيْئاء " بهمزتين بينهما ألفٌ، ووزنها فعلاء ؛ ك " طَرْفَاء "، فاستثقلوا اجتماع همزتين بينهما ألفٌ، لاسيما وقد سبقها حرفُ علَّة، وهي الياءُ، وكَثُر دورُ هذه اللفظةِ في لسانهم، فقلبوا الكلمةَ بأنْ قَدَّمُوا لامَها، وهي الهمزةُ الأولى على فائها، وهي الشين ؛ فقالوا " أشْيَاء " فصارَ وزنُها " لَفْعَاء "، ومُنِعَتْ من الصرف ؛ لألف التأنيث الممدودة، ورُجِّح هذا المذهبُ بأنه لم يلزمْ منه شيءٌ غيرُ القَلْب، والقلبُ في لسانهم كثيرٌ ك " الجَاهِ، والحَادِي، والقسيِّ، وناءَ، وآدُرٍ، وآرَامٍ، وضِئَاء في قراءة قُنْبُل، وأيِسَ "، والأصل :" وَجهٌ، وواحِدٌ، وقُووسٌ، ونَأى، وأدْوُرٌ، وأرَامٌ، وضِيَاء، ويَئِسَ "، واعترضَ بعضُهم على هذا بأن القلْبَ على خلافِ الأصْلِ، وأنه لم يَرِدْ إلا ضرورةً، أو في قليلٍ من الكلام، وهذا مردودٌ بما قدَّمْتُه من الأمثلةِ، ونحن لا نُنْكِرُ أنَّ القلبَ غير مُطَّردٍ ؛ وأما الشاذُّ القليلُ، فنحو قولهم :" رَعَمْلِي " في " لَعَمْرِي "، و " شَوَاعِي " في " شَوَائع " ؛ قال :[ الكامل ]
[ يريد شَوَائِع ].
وأمَّا المذاهبُ الآتية، فإنه يَرِدُ عليها إشكالاتٌ، هذا المذهبُ سالمٌ منها ؛ فلذلك اعتبره الجُمْهُور دون غيره.
وقال ابنُ الخطيبِ(٤) : منعَ الصَّرْفُ لثلاثة أوجهٍ :
أحدها : ما تقدَّم، وهو أنَّ هذه الكلمةَ لمَّا كانَتْ في الأصْلِ على وزن " فَعْلاء " مثل " حَمْرَاء "، فلم يتَصَرَّفْ كَحَمْرَاء.
وثانيها : لمَّا كانَتْ في الأصْل " شيآء "، ثُمَّ جُعِلَت أشْيَاء مَنَعَ ذَلِكَ الصَّرْف.
وثالثها : أنَّا لمَّا قَطَعْنَا الحَرْفَ الأخِيرَ منهُ، وجَعَلْنَاهُ أوَّلَه، والكَلِمَةُ إذا قُطِع منها الحرْفُ الأخيرُ صارت كنصْفِ كَلِمَة، ونِصْفُ الكلمةِ لا تَقْبَلُ الإعراب، ومن حيث إنَّ ذلك الحَرْفَ الذي قَطَعْنَاهُ، لم نحذِفْهُ بالكُلِّيَّة، بل ألصَقْنَاهُ بأوَّلِ الكَلِمَةِ، فَكَأنَّها بَاقِيَةٌ بِتَمامِهَا، فلا جرم مَنَعْنَاهُ في بَعْضِ وُجُوه الإعراب دون البَعْض(٥).
الثاني - وبه قال الفراء(٦) - : أن " أشْيَاء " جمع ل " شَيْء "، والأصل في " شَيْء " :" شَيِّء " على " فَيْعلٍ " ك " لَيِّن "، ثم خُفِّفَ إلى " شَيْء " ؛ كما خففوا لَيناً، وهَيِّناً، وميِّتاً إلى لَيْنٍ، وهيْنٍ، وميْتٍ، ثم جمعه بعد تخفيفه، وأصله " أشْيِئَاء " بهمزتين بينهما ألفٌ بعد ياءٍ بزنة " أفْعِلاء "، فاجتمع همزتان : لامُ الكلمة والتي للتأنيث، والألف تشبهُ الهمزة والجَمْعُ ثقيلٌ، فخَفَّفُوا الكلمة ؛ بأن قلبوا الهمزة الأولى ياءً ؛ لانكسار ما قبلها، فيجتمع ياءان، أولاهما مكسورةٌ، فحذفوا الياء التي هي عينُ الكلمة تخفيفاً، فصارت " أشْيَاء "، ووزنها الآن بعد الحذف " أفْلاء " فمَنْعُ الصرف ؛ لأجْلِ ألفِ التأنيثِ، وهذه طريقةُ بعضهم في تَصْريف هذا المذهب ؛ كمكي(٧) بن أبي طالب، وقال بعضهم كأبي البقاء(٨) : لمَّا صارت إلى أشْيِئَاء، حُذِفَتِ الهمزة الثانيةُ التي هي لام الكلمة ؛ لأنَّها بها حصل الثِّقَلُ، وفُتِحَتِ الياءُ المكسورةُ ؛ لتسلمَ ألف الجَمْعِ، فصار وزنُها : أفْعَاء.
المذهب الثالث - وبه قال الأخفش - : أنَّ أشْياء جمعُ " شَيْءٍ " [ بزنة فَلْسٍ، أي : ليس مخفَّفاً من " شَيِّئ "، كما يقوله الفرَّاء، بل جمع " شَيْء " ]، وقال : إنَّ فَعْلاً يجمعُ على أفْعِلاَء، فصار أشْيِئَاء بهمزتَيْنِ بينهما ألفٌ بعد ياء، ثم عُمِلَ فيه ما عُمِلَ في مذْهَب الفرَّاء، والطريقانِ المذْكُوران عن مَكِّيٍّ وأبي البقاء في تصريف هذا المذهب جاريان هنا، وأكثر المصنِّفين يذكرون مذهب الفرَّاء عنه وعن الأخفش، قال مكي(٩) :" وقال الفرَّاء والأخفش ؛ والزياديُّ :" أشْيَاء " وزنها " أفْعِلاء "، وأصلها " أشْيِئَاء " ؛ ك " هَيِّنٍ وأهْوِنَاء "، لكنه خُفِّفَ ".
ثم ذكر تصريفَ الكلمةِ إلى آخره، وقال أبو البقاء(١٠) :" وقال الأخفشُ والفراء : أصلُ الكلمةِ " شَيِّئ " مثل " هَيِّنٍ "، ثم خُفِّف بالحذف "، وذكر التصريف إلى آخره، فهؤلاء نقلوا مذهبهما شيئاً واحداً، والحقُّ ما ذكرته عنهُما ؛ ويدلُّ على ما قلته ما قاله الواحديُّ ؛ فإنه قال :" وذهبَ الفرَّاء في هذ الحرف مذهب الأخفش "، غير أنه خلطَ حين ادَّعى أنها كهَيْنٍ وليْنٍ حين جمعا على أهْوِنَاء وألْيِنَاء، وهَيْنٍ تخفيف " هَيِّن " ؛ فلذلك جاز جمعه على أفْعِلاء، وشَيْء ليس مخفَّفاً من " شَيِّئ " حتى يُجْمَعَ على أفْعِلاء، وهذان المذهَبَان - أعني مذهب الفراء والأخفشِ - وإن سَلِمَا من منع الصَّرْف بغير علَّة، فقد ردَّهُمَا الناس، قال الزجَّاج(١١) :" وهذا القَوْلُ غَلَطٌ ؛ لأنَّ " شَيئاً " فعلٌ، وفعلٌ لا يجمعُ على أفْعِلاء، فأما هَيِّنٌ وليِّنٌ، فأصلُه : هَيِينٌ ولَيِينٌ، فجُمِعَ على أفعلاء، كما يُجْمَعُ فَعِيلٌ على أفعلاء ؛ مثل : نَصِيب وأنْصِبَاء " قال شهاب الدين : وهذا غريبٌ جدًّا، أعني كونه جعل أنَّ أصلَ " هيِّن " " هَيِين " بزنة فعيلٍ، وكذا ليِّنٌ ولَيِينٌ، ولذلك صرح بتشبيههما بنصيبٍ، والناسُ يقولون : إنَّ هَيِّناً أصله هَيْونٌ، كميِّتٍ أصله مَيْوتٌ، ثم أعِلَّ الإعلال المعروف، وأصل ليِّنٍ : لَيْينٌ بياءين، الأولى ساكنة والثانية مكسورةٌ، فأدغمتِ الأولى، والاشتقاقُ يساعدُهم ؛ فإن الهيِّنَ من هانَ يَهُونُ، ولأنَّهم حين جمعوه على أفعلاء أظْهَرُوا الواو، فقالوا : أهْوِنَاء. وقال الزجَّاج(١٢) :" إنَّ المازنيَّ ناظر الأخفش في هذه المسألة، فقال له : كيف تُصَغِّرُ أشْيَاء ؟ قال : أقول فيها أُشيَّاء. فقال المازنيُّ : لو كانت أفعالاً، لرُدَّتْ في التصغير إلى واحدهَا، وقيل : شُيَيْئَات، مثل شُعَيْعات، وإجماعُ البصريِّين أن تصغير " أصدقَاء " إن كان لمؤنث " صُدَيِّقَات "، وإن كان لمذكر :" صُدَيقُونَ " فانقطع الأخْفَشُ "، وبَسْطُ هذا أنَّ الجمع المُكَسَّرَ، إذا صُغِّرَ : فإمَّا أن يكون من جموع القلَّة، وهي أربعٌ على الصحيح : أفْعِلَةٌ وأفْعُل وأفْعَالٌ وفِعْلَةٌ، فيُصَغَّرُ على لفظه، وإن كان من جموع الكثرة فلا يُصغَّر على لفظه على الصحيح، وإنْ وردَ منه شيءٌ، عُدَّ شَاذًّا ك " أصَيْلان " تصغير " أصْلاَن " جمع " أصيل "، بل يُرَدُّ إلى واحده ؛ فإن كان من غير العقلاء، صُغِّرَ وجُمِعَ بالألف والتاء، فتقول في تصغير حُمُرٍ جمع حِمارٍ :" حُمَيْرات "، وإن كان من العقلاء صُغِّرَ وجمع بالواو والنون، فتقول في تصغير " رِجَال " :" رُجَيْلُونَ "، وإن كان اسم جمعٍ ك " قَوْم " و " رَهْط " أو اسم جنسٍ، ك " قَمَر " و " شَجَر " صُغِّر على لفظه كسائر المفردات، رجعنا إلى " أشْيَاء "، فتصغيرُهم لها على لفظها يَدُلُّ على أنها اسمُ جمع ؛ لأنَّ اسم الجمع يُصَغَّر على لفظه، نحو :" رُهَيْط " و " قُوَيْم "، وليست بجمعِ تكسيرٍ ؛ إذ هي من جموعِ الكثرة، ولم تُرَدَّ إلى واحدها، وهذا لازمٌ للأخفشِ ؛ لأنه بصريٌّ، والبصريُّ لا بدَّ وأن يفعل ذلك، وأصَيْلان عنده شاذٌ، فلا يقاسُ عليه، وفي عبارة مَكِّيٍّ قال(١٣) :" وأيضاً فإنه يلزمُهُم أن يُصَغِّروا " أشْيَاء " على " شُوَيَّات "، أو على " شُيَيْئَات "، وذلك لم يَقُلْه أحد ". قال شهاب الدين(١٤) : قوله " شُوَيَّات " ليس بجيِّد ؛ فإن هذا ليس موضع قلب الياء واواً، ألا ترى أنك إذا صغَّرْتَ بيتاً، قلت : بُيَيْتاً لا بُوَيْتاً، إلاَّ أنّ الكوفيِّين يُجيزُونَ ذلك، فيمكنُ أن يُرَى رأيهم، وقد ردَّ مكيٌّ(١٥) أيضاً مذهب الفراء والأخفش بشيئين :
أحدهما : أنه يلزمُ منه عدمُ النظير ؛ إذ لم يقع " أفْعِلاء " جمعاً ل " فَيْعِل " فيكون هذا نظيرهُ، وهَيِّن وأهْوِنَاء شاذٌّ لا يقاس عليه.
والثاني : أن حذفه واعتلاله مُجْرى على غير قياسٍ، فهذا القولُ خارجٌ في جمعه واعتلاله عن القياس والسَّماع.
المذهب الرابع - وهو قول الكسائي وأبي حاتم - : أنها جمعُ شيءٍ على أفعالٍ ك " بَيْتٍ " و " أبْيَاتٍ " و " ضَيْفٍ " و " أضْيَافٍ "، واعترض الناس هذا القول ؛ بأنه يلزم منه منعُ الصرفِ بغير علته ؛ إذ لو كان على " أفْعَال "، لانصرفَ كأبْيَاتٍ، قال الزجَّاج(١٦) " أجمع البصريُّون وأكثر الكوفيِّين على أن قول ال
أحدها : أنَّه تعالى لمَّا قال ﴿مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ﴾ [المائدة: ٩٩] كأنَّه قال : ما بلَّغَهُ الرَّسُول إلَيْكُم، فَخُذُوهُ وكونوا مُنْقَادِين لَهُ، وما لم يُبَلِّغْهُ إليكم، فلا تسْألوا عنه، ولا تخُوضُوا فيه، فإنَّكُم إنْ خضتم فيما لا تكليف فيه عَلَيْكم، فربَّما جَاءَكُمْ بسبب ذلك الخَوْضِ من التَّكْلِيف ما يَثْقُل عليْكم ويَشُقُّ.
وثانيها : أنَّه تعالى لما قال ﴿مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ﴾ [المائدة: ٩٩] وهذا ادعَاءٌ منهُ للرِّسالةِ، ثُمَّ الكُفَّار كانوا يُطالِبُونَهُ بعدَ ظُهُورِ المُعْجِزَاتِ بمُعْجِزاتٍ أُخَر على سبيلِ التَّعَنُّتِ، كما حَكَى عَنْهُم قولهمُ :﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُر لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعاً﴾ [الإسراء: ٩٠]، إلى قوله :﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً﴾ [الإسراء: ٩٣]، والمعنى : أنِّي رسولٌ أمِرْتُ بتبْليغِ الشَّرائِعِ والأحْكَام إلَيْكُم، واللَّه تعالى قد أقامَ الدلالة على صِحَّةِ دعْوَى الرِّسالة بإظْهَارِ أنواعٍ كثيرةٍ من المُعْجِزَات، وطلبُ الزِّيادة بَعْدَ ذلك من بابِ التَّعَنُّتِ، وذلك لَيْس في وُسْعِي، ولعلَّ إظْهَارَها يوجبُ ما يَسُوؤكُم، مثل أنَّها لو ظَهَرَتْ فكُلُّ من خالفَ بعد ذلك، اسْتَوْجَبَ العِقَابَ في الدُّنيا، ثُمَّ إنَّ المُسْلمِينَ لمَّا سَمِعُوا مُطالبَةَ الكُفَّار للرَّسُولِ بهذه المُعْجِزَاتِ، وقع في قُلوبِهِم مَيْلٌ إلى ظُهُورها، فَعَرفُوا في هذه الآية أنَّهم لا يَنْبَغِي أن يُطالِبُوا ذلك، فربما كان ظُهُورها يُوجبُ ما يَسُوؤهُم.
وثالثها : أنَّ هذا مُتَّصِلٌ بقوله :﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ [المائدة: ٩٩]، فاتركُوا الأمُورَ على ظَوَاهِرِهَا، ولا تَسْألُوا عن أحْوال مُخِيفَةٍ إنْ تُبْدَ لَكُم تَسُؤكُمْ.
قوله تعالى :" عَنْ أشْيَاءَ " : متعلق ب " تَسْألُوا ". واختلف النحويُّون في " أشْيَاء " على خمسة مذاهب :
أحدها - وهو رأي الخليل وسيبويه(٢) والمازنيِّ وجمهور البصريين - : أنها اسمُ جمعٍ من لفظ " شَيْء "، فهي مفردةٌ لفظاً جمعٌ معنًى ؛ ك " طَرْفَاء "، و " قَصْبَاء "، وأصلها :" شَيْئاء " بهمزتين بينهما ألفٌ، ووزنها فعلاء ؛ ك " طَرْفَاء "، فاستثقلوا اجتماع همزتين بينهما ألفٌ، لاسيما وقد سبقها حرفُ علَّة، وهي الياءُ، وكَثُر دورُ هذه اللفظةِ في لسانهم، فقلبوا الكلمةَ بأنْ قَدَّمُوا لامَها، وهي الهمزةُ الأولى على فائها، وهي الشين ؛ فقالوا " أشْيَاء " فصارَ وزنُها " لَفْعَاء "، ومُنِعَتْ من الصرف ؛ لألف التأنيث الممدودة، ورُجِّح هذا المذهبُ بأنه لم يلزمْ منه شيءٌ غيرُ القَلْب، والقلبُ في لسانهم كثيرٌ ك " الجَاهِ، والحَادِي، والقسيِّ، وناءَ، وآدُرٍ، وآرَامٍ، وضِئَاء في قراءة قُنْبُل، وأيِسَ "، والأصل :" وَجهٌ، وواحِدٌ، وقُووسٌ، ونَأى، وأدْوُرٌ، وأرَامٌ، وضِيَاء، ويَئِسَ "، واعترضَ بعضُهم على هذا بأن القلْبَ على خلافِ الأصْلِ، وأنه لم يَرِدْ إلا ضرورةً، أو في قليلٍ من الكلام، وهذا مردودٌ بما قدَّمْتُه من الأمثلةِ، ونحن لا نُنْكِرُ أنَّ القلبَ غير مُطَّردٍ ؛ وأما الشاذُّ القليلُ، فنحو قولهم :" رَعَمْلِي " في " لَعَمْرِي "، و " شَوَاعِي " في " شَوَائع " ؛ قال :[ الكامل ]
| وكَأنَّ أوْلاَهَا كِعَابُ مُقَامِرٍ | ضُرِبَتْ على شُزُنٍ فَهُنَّ شَوَاعِي(٣) |
وأمَّا المذاهبُ الآتية، فإنه يَرِدُ عليها إشكالاتٌ، هذا المذهبُ سالمٌ منها ؛ فلذلك اعتبره الجُمْهُور دون غيره.
وقال ابنُ الخطيبِ(٤) : منعَ الصَّرْفُ لثلاثة أوجهٍ :
أحدها : ما تقدَّم، وهو أنَّ هذه الكلمةَ لمَّا كانَتْ في الأصْلِ على وزن " فَعْلاء " مثل " حَمْرَاء "، فلم يتَصَرَّفْ كَحَمْرَاء.
وثانيها : لمَّا كانَتْ في الأصْل " شيآء "، ثُمَّ جُعِلَت أشْيَاء مَنَعَ ذَلِكَ الصَّرْف.
وثالثها : أنَّا لمَّا قَطَعْنَا الحَرْفَ الأخِيرَ منهُ، وجَعَلْنَاهُ أوَّلَه، والكَلِمَةُ إذا قُطِع منها الحرْفُ الأخيرُ صارت كنصْفِ كَلِمَة، ونِصْفُ الكلمةِ لا تَقْبَلُ الإعراب، ومن حيث إنَّ ذلك الحَرْفَ الذي قَطَعْنَاهُ، لم نحذِفْهُ بالكُلِّيَّة، بل ألصَقْنَاهُ بأوَّلِ الكَلِمَةِ، فَكَأنَّها بَاقِيَةٌ بِتَمامِهَا، فلا جرم مَنَعْنَاهُ في بَعْضِ وُجُوه الإعراب دون البَعْض(٥).
الثاني - وبه قال الفراء(٦) - : أن " أشْيَاء " جمع ل " شَيْء "، والأصل في " شَيْء " :" شَيِّء " على " فَيْعلٍ " ك " لَيِّن "، ثم خُفِّفَ إلى " شَيْء " ؛ كما خففوا لَيناً، وهَيِّناً، وميِّتاً إلى لَيْنٍ، وهيْنٍ، وميْتٍ، ثم جمعه بعد تخفيفه، وأصله " أشْيِئَاء " بهمزتين بينهما ألفٌ بعد ياءٍ بزنة " أفْعِلاء "، فاجتمع همزتان : لامُ الكلمة والتي للتأنيث، والألف تشبهُ الهمزة والجَمْعُ ثقيلٌ، فخَفَّفُوا الكلمة ؛ بأن قلبوا الهمزة الأولى ياءً ؛ لانكسار ما قبلها، فيجتمع ياءان، أولاهما مكسورةٌ، فحذفوا الياء التي هي عينُ الكلمة تخفيفاً، فصارت " أشْيَاء "، ووزنها الآن بعد الحذف " أفْلاء " فمَنْعُ الصرف ؛ لأجْلِ ألفِ التأنيثِ، وهذه طريقةُ بعضهم في تَصْريف هذا المذهب ؛ كمكي(٧) بن أبي طالب، وقال بعضهم كأبي البقاء(٨) : لمَّا صارت إلى أشْيِئَاء، حُذِفَتِ الهمزة الثانيةُ التي هي لام الكلمة ؛ لأنَّها بها حصل الثِّقَلُ، وفُتِحَتِ الياءُ المكسورةُ ؛ لتسلمَ ألف الجَمْعِ، فصار وزنُها : أفْعَاء.
المذهب الثالث - وبه قال الأخفش - : أنَّ أشْياء جمعُ " شَيْءٍ " [ بزنة فَلْسٍ، أي : ليس مخفَّفاً من " شَيِّئ "، كما يقوله الفرَّاء، بل جمع " شَيْء " ]، وقال : إنَّ فَعْلاً يجمعُ على أفْعِلاَء، فصار أشْيِئَاء بهمزتَيْنِ بينهما ألفٌ بعد ياء، ثم عُمِلَ فيه ما عُمِلَ في مذْهَب الفرَّاء، والطريقانِ المذْكُوران عن مَكِّيٍّ وأبي البقاء في تصريف هذا المذهب جاريان هنا، وأكثر المصنِّفين يذكرون مذهب الفرَّاء عنه وعن الأخفش، قال مكي(٩) :" وقال الفرَّاء والأخفش ؛ والزياديُّ :" أشْيَاء " وزنها " أفْعِلاء "، وأصلها " أشْيِئَاء " ؛ ك " هَيِّنٍ وأهْوِنَاء "، لكنه خُفِّفَ ".
ثم ذكر تصريفَ الكلمةِ إلى آخره، وقال أبو البقاء(١٠) :" وقال الأخفشُ والفراء : أصلُ الكلمةِ " شَيِّئ " مثل " هَيِّنٍ "، ثم خُفِّف بالحذف "، وذكر التصريف إلى آخره، فهؤلاء نقلوا مذهبهما شيئاً واحداً، والحقُّ ما ذكرته عنهُما ؛ ويدلُّ على ما قلته ما قاله الواحديُّ ؛ فإنه قال :" وذهبَ الفرَّاء في هذ الحرف مذهب الأخفش "، غير أنه خلطَ حين ادَّعى أنها كهَيْنٍ وليْنٍ حين جمعا على أهْوِنَاء وألْيِنَاء، وهَيْنٍ تخفيف " هَيِّن " ؛ فلذلك جاز جمعه على أفْعِلاء، وشَيْء ليس مخفَّفاً من " شَيِّئ " حتى يُجْمَعَ على أفْعِلاء، وهذان المذهَبَان - أعني مذهب الفراء والأخفشِ - وإن سَلِمَا من منع الصَّرْف بغير علَّة، فقد ردَّهُمَا الناس، قال الزجَّاج(١١) :" وهذا القَوْلُ غَلَطٌ ؛ لأنَّ " شَيئاً " فعلٌ، وفعلٌ لا يجمعُ على أفْعِلاء، فأما هَيِّنٌ وليِّنٌ، فأصلُه : هَيِينٌ ولَيِينٌ، فجُمِعَ على أفعلاء، كما يُجْمَعُ فَعِيلٌ على أفعلاء ؛ مثل : نَصِيب وأنْصِبَاء " قال شهاب الدين : وهذا غريبٌ جدًّا، أعني كونه جعل أنَّ أصلَ " هيِّن " " هَيِين " بزنة فعيلٍ، وكذا ليِّنٌ ولَيِينٌ، ولذلك صرح بتشبيههما بنصيبٍ، والناسُ يقولون : إنَّ هَيِّناً أصله هَيْونٌ، كميِّتٍ أصله مَيْوتٌ، ثم أعِلَّ الإعلال المعروف، وأصل ليِّنٍ : لَيْينٌ بياءين، الأولى ساكنة والثانية مكسورةٌ، فأدغمتِ الأولى، والاشتقاقُ يساعدُهم ؛ فإن الهيِّنَ من هانَ يَهُونُ، ولأنَّهم حين جمعوه على أفعلاء أظْهَرُوا الواو، فقالوا : أهْوِنَاء. وقال الزجَّاج(١٢) :" إنَّ المازنيَّ ناظر الأخفش في هذه المسألة، فقال له : كيف تُصَغِّرُ أشْيَاء ؟ قال : أقول فيها أُشيَّاء. فقال المازنيُّ : لو كانت أفعالاً، لرُدَّتْ في التصغير إلى واحدهَا، وقيل : شُيَيْئَات، مثل شُعَيْعات، وإجماعُ البصريِّين أن تصغير " أصدقَاء " إن كان لمؤنث " صُدَيِّقَات "، وإن كان لمذكر :" صُدَيقُونَ " فانقطع الأخْفَشُ "، وبَسْطُ هذا أنَّ الجمع المُكَسَّرَ، إذا صُغِّرَ : فإمَّا أن يكون من جموع القلَّة، وهي أربعٌ على الصحيح : أفْعِلَةٌ وأفْعُل وأفْعَالٌ وفِعْلَةٌ، فيُصَغَّرُ على لفظه، وإن كان من جموع الكثرة فلا يُصغَّر على لفظه على الصحيح، وإنْ وردَ منه شيءٌ، عُدَّ شَاذًّا ك " أصَيْلان " تصغير " أصْلاَن " جمع " أصيل "، بل يُرَدُّ إلى واحده ؛ فإن كان من غير العقلاء، صُغِّرَ وجُمِعَ بالألف والتاء، فتقول في تصغير حُمُرٍ جمع حِمارٍ :" حُمَيْرات "، وإن كان من العقلاء صُغِّرَ وجمع بالواو والنون، فتقول في تصغير " رِجَال " :" رُجَيْلُونَ "، وإن كان اسم جمعٍ ك " قَوْم " و " رَهْط " أو اسم جنسٍ، ك " قَمَر " و " شَجَر " صُغِّر على لفظه كسائر المفردات، رجعنا إلى " أشْيَاء "، فتصغيرُهم لها على لفظها يَدُلُّ على أنها اسمُ جمع ؛ لأنَّ اسم الجمع يُصَغَّر على لفظه، نحو :" رُهَيْط " و " قُوَيْم "، وليست بجمعِ تكسيرٍ ؛ إذ هي من جموعِ الكثرة، ولم تُرَدَّ إلى واحدها، وهذا لازمٌ للأخفشِ ؛ لأنه بصريٌّ، والبصريُّ لا بدَّ وأن يفعل ذلك، وأصَيْلان عنده شاذٌ، فلا يقاسُ عليه، وفي عبارة مَكِّيٍّ قال(١٣) :" وأيضاً فإنه يلزمُهُم أن يُصَغِّروا " أشْيَاء " على " شُوَيَّات "، أو على " شُيَيْئَات "، وذلك لم يَقُلْه أحد ". قال شهاب الدين(١٤) : قوله " شُوَيَّات " ليس بجيِّد ؛ فإن هذا ليس موضع قلب الياء واواً، ألا ترى أنك إذا صغَّرْتَ بيتاً، قلت : بُيَيْتاً لا بُوَيْتاً، إلاَّ أنّ الكوفيِّين يُجيزُونَ ذلك، فيمكنُ أن يُرَى رأيهم، وقد ردَّ مكيٌّ(١٥) أيضاً مذهب الفراء والأخفش بشيئين :
أحدهما : أنه يلزمُ منه عدمُ النظير ؛ إذ لم يقع " أفْعِلاء " جمعاً ل " فَيْعِل " فيكون هذا نظيرهُ، وهَيِّن وأهْوِنَاء شاذٌّ لا يقاس عليه.
والثاني : أن حذفه واعتلاله مُجْرى على غير قياسٍ، فهذا القولُ خارجٌ في جمعه واعتلاله عن القياس والسَّماع.
المذهب الرابع - وهو قول الكسائي وأبي حاتم - : أنها جمعُ شيءٍ على أفعالٍ ك " بَيْتٍ " و " أبْيَاتٍ " و " ضَيْفٍ " و " أضْيَافٍ "، واعترض الناس هذا القول ؛ بأنه يلزم منه منعُ الصرفِ بغير علته ؛ إذ لو كان على " أفْعَال "، لانصرفَ كأبْيَاتٍ، قال الزجَّاج(١٦) " أجمع البصريُّون وأكثر الكوفيِّين على أن قول ال
١ سقط في أ..
٢ ينظر: الكتاب ٢/٣٧٩..
٣ البيت للأجدع بن مالك. ينظر: المقتضب ١/١٤٠، المنصف ٢/٥٧، اللسان "شزن" الدر المصون ٢/٦١٥، ويروى "صرعاها" بدل "أولاها"..
٤ ينظر تفسير الفخر الرازي ١٢/٨٧..
٥ في ب: دون بعض المذاهب..
٦ ينظر: معاني القرآن ١/٣٢١..
٧ ينظر: المشكل ١/٢٤٧..
٨ ينظر: الإملاء ١/٢٢٧..
٩ ينظر: المشكل ١/٢٤٧..
١٠ ينظر: الإملاء ١/٢٢٧..
١١ ينظر: معاني القرآن ٣/٢٣٣..
١٢ ينظر: معاني القرآن ٢/٢٣٤..
١٣ ينظر: المشكل ١/٢٤٧..
١٤ ينظر: الدر المصون ٢/٦١٧..
١٥ ينظر: المشكل ١/٢٤٧..
١٦ ينظر: معاني القرآن ٢/٢٣٣..
٢ ينظر: الكتاب ٢/٣٧٩..
٣ البيت للأجدع بن مالك. ينظر: المقتضب ١/١٤٠، المنصف ٢/٥٧، اللسان "شزن" الدر المصون ٢/٦١٥، ويروى "صرعاها" بدل "أولاها"..
٤ ينظر تفسير الفخر الرازي ١٢/٨٧..
٥ في ب: دون بعض المذاهب..
٦ ينظر: معاني القرآن ١/٣٢١..
٧ ينظر: المشكل ١/٢٤٧..
٨ ينظر: الإملاء ١/٢٢٧..
٩ ينظر: المشكل ١/٢٤٧..
١٠ ينظر: الإملاء ١/٢٢٧..
١١ ينظر: معاني القرآن ٣/٢٣٣..
١٢ ينظر: معاني القرآن ٢/٢٣٤..
١٣ ينظر: المشكل ١/٢٤٧..
١٤ ينظر: الدر المصون ٢/٦١٧..
١٥ ينظر: المشكل ١/٢٤٧..
١٦ ينظر: معاني القرآن ٢/٢٣٣..