الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم﴾ الآية [ ١٠٢ ].
( والمعنى ) (١) : عليكم أنفسكم [ إذا ] (٢) أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر فلم يقبل منكم (٣).
وقال ابن عمر : هذه لأقوام (٤) يأتون بعدنا، إن قالوا لم يُقبل منهم، وأما نحن فقد قال رسول الله : ليُبَلِّغ الشاهد / الغائبَ، فكنا نحن الشهود وأنتم الغيب (٥).
وحكى جبير بن نفير (٦) عن جماعة من أصحاب النبي أنهم قالوا له في هذه الآية : عسى (٧) أن تدرك ذلك الزمان، إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا وإعجاب (٨) كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك، لا يضرك من ضل إذا اهتديت (٩).
وقال ابن مسعود : لما يجئ (١٠) تأويل هذه بعد، إن القرآن أُنزل (١١) حيث أنزل، منه آيٌ (١٢) قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن (١٣)، ومنه آي (١٤) وقع تأويلهن على عهد النبي، ومنه آي (١٥) قد وقع تأويلهن بعد النبي بيسير، ومنه آي (١٦) قد وقد تأويلهن يوم الحساب، فما دامت قلوبكم واحدة وأهواؤكم واحدة ولم تُلبَسوا شيعا، ولم ( يَذُق بعضكم ) (١٧) بأس بعض، فأمر بالمعروف وانْهُوا (١٨) عن المنكر. وإذا اختلفت الأقوال والأهواء، وأُلْبِستم شيعا، وذاق بعضكم بأس بعض فامرُؤ (١٩) ونفسه، عند ذلك جاء تأويل هذه الآية (٢٠).
وقيل : هي في الكفار، لا يضر المسلم كفر الكافر، عليه نفسه إذا أمر بالمعروف ونهى عن المنكر (٢١). وجعلها ابن عباس وغيره عامة (٢٢)، وقال في معناها : إن العبد إذا أطاع الله فيما أمر به من الحلال والحرام فلا يضره من ضل بعده (٢٣). وقال ابن المسيب وغيره : معناها : لا يضركم من ضل بعد أمركم إياه ( بالمعروف ) (٢٤) ونهيكم عن المنكر (٢٥). وروي عن أبي بكر الصديق أنه قال : يا أيها الناس لا تَغْتَرّوا بقول الله جل وعز ﴿عليكم أنفسكم﴾ فيقول أحدكم :( علي نفسي )، والله، لَتَأْمُرُنَّ (٢٦) بالمعروف ولَتُنْهَوُنَّ (٢٧) عن المنكر [ أو (٢٨) ] لَيَسْتَعْمِلَنَّ عليكم شراركم فَلَيَسُومُنَّكم (٢٩) سوء العذاب، ( وَلَيَدْعُنَّ ) (٣٠) الله (٣١) خيارُكم (٣٢) فلا يستجيب لهم (٣٣). قال أبو بكر : سمعت رسول الله ﷺ يقول : " إذا رأى الناس المنكر والظالم (٣٤)، فلم يأخذوا على يديه، فيوشك أن يَعُمَّهم الله بعقابه (٣٥) ".
وقال ابن جبير : معناها : لا يضرُّكُم من كفر بالله من أهل الكتاب، فإنما (٣٦) عليكم أنفسكم، وليس يضركم (٣٧) كفر الكافر (٣٨).
( و ) (٣٩) قال ابن زيد : كان الرجل إذا أسلم (٤٠) قال له أهل دينه الذي كان عليه : سفَّهتَ آباءك (٤١) وضللتهم (٤٢)، وفعلت [ بآبائك ] (٤٣). كذا وكذا، وكان ينبغي لك أن تنصر [ آباءك ] (٤٤)، فأنزل الله :﴿لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ الآية (٤٥)، ( أي ) (٤٦) إنما عليكم أنفسكم، وليس عليكم من ضلالة آبائكم شيء.
وقد قيل : إن ذلك في الأمر، أمروا (٤٧) بأنفسهم، وأُعلِموا أنهم لا يضرهم ارتداد من ارتد، ولا كفر من كفر (٤٨). وقيل : الآية (٤٩) منسوخة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٥٠).
والاختيار عند أهل المنظر أن يكون المعنى : لا يضرّكم من ضل بعد أمركم إياه بالمعروف ونهيكم له عن المنكر، وإنما ذلك لأن الله أمر المؤمنين بالقيام بالقسط، وأن يتعاونوا على البر والتقوى، ومن القيام بالقسط : الأخذ على يدي (٥١) الظالم، ومن التعاون على البر والتقوى : الأمر بالمعروف وليس في ذلك رخصة إلا العجز عن القيام بها (٥٢). ومعنى ﴿إذا اهتديتم﴾ : إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر، فليس يضركم من ضل بعد ذلك (٥٣).
وقد قال الله (٥٤) تعالى :﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويامرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ (٥٥)، وذم اليهود فقال :﴿كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه﴾ (٥٦)/ ولعنهم على تركهم (٥٧) (٥٨) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٥٩)، وأجمع أهل العلم على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض يجب (٦٠) على الأمراء، ويُعينُ على ذلك المؤمنون إذا احتيج ( إليهم ) (٦١)، وبعض الناس يحمله (٦٢) عن بعض : كالجهاد، فهذا إجماع (٦٣) العلماء (٦٤) ويجب على الإنسان – في النظر والقياس – أن يأمر من ضيع شيئا من الخير بما يأمر به نفسه، وينهى عن الشر كما ينهى عنه نفسه. وكل شيء وجب لك (٦٥) فعله، وجب عليك الأمر به [ أو (٦٦) النهي عنه. والأمر بالمعروف هو النهي عن المنكر ] (٦٧)، لأن ترك المنكر معروف وترك المعروف منكر (٦٨).
قوله :﴿إلى الله مرجعكم جميعا﴾ أي : إليه تردون فيحكم بينكم فيما أمرتم به فلم يقبل منكم، أو نهيتهم عنه، فينتقم من المتَعدِّي (٦٩) على محارمه، ويجازي الدال على مرضاته (٧٠).
١ مخرومة في أ..
٢ أ: اذ..
٣ انظر: تفسير الطبري ١١/١٣٨. و(قيل: هو قول ابن مسعود) في ناسخ مكي ٢٧٤..
٤ مخرومة في أ. ب: الاقوام..
٥ انظر: تفسير الطبري ١١/١٣٩..
٦ مخرومة في أ. وهو جبير بن نفير بن مالك الخضرمي الحمصي، ثقة مخضرم لابيه صحبة. توفي سنة ٨٠ هـ. انظر: التقريب ١/١٢٦..
٧ ج د: عمى الله..
٨ ب: اصحاب..
٩ مخرومة الآخر في أ. ب: اهتديتم. وانظر: تفسير الطبري ١/١٤٢ و١٤٣، وفيه تفصيل ما اختصر هنا..
١٠ ب: يحبئ من غير نقطة الباء..
١١ ج: نزل..
١٢ ب ج د: أي..
١٣ ج د: ينزل..
١٤ ب ج د: أي..
١٥ ب ج د: أي..
١٦ ب ج د: أي..
١٧ د: تدق بعصكم..
١٨ د: نهوا..
١٩ ب ج د: فامروا..
٢٠ انظر: تفسير الطبري ١١/١٤٣، ١٤٤، وناسخ ابن العربي ٢/٢٠٥ و٢٠٦..
٢١ هو قول ابن جبير وابن زيد في تفسير الطبري ١١/١٥٢..
٢٢ وهو رأي صفوان والضحاك والحسن أيضا في تفسير الطبري ١١/١٤٧، ١٤٨..
٢٣ انظر: تفسير الطبري ١١/١٤٨..
٢٤ ساقطة من ب ج د..
٢٥ انظر: تفسير الطبري ١١/١٤٨..
٢٦ ب: لتامرون..
٢٧ ج د: تنهون..
٢٨ الظاهر من الطمس في (أ) أنها: له ر. ب ج د: و..
٢٩ ج د: فليسو مونكم..
٣٠ ب ج د: ثم ليدعون..
٣١ ب: احد..
٣٢ مطموسة في أ..
٣٣ مطموسة في أ. وانظر: تفسير الطبري ١١/١٤٩، ونسبه ابن سلامة في ناسخه ص ٨٢ إلى رسول الله..
٣٤ ب: الظلم..
٣٥ انظر: تفسير الطبري ١١/١٥٠..
٣٦ ج د: وإنما..
٣٧ د: يصركم..
٣٨ انظر: تفسير الطبري ١١/١٥٢..
٣٩ ساقطة من ب ج د..
٤٠ ج: سلم..
٤١ ب د: اباك..
٤٢ ج د: اضللتهم..
٤٣ أ ب: بابيك..
٤٤ أ ب د: اباك..
٤٥ انظر: تفسير الطبري ١١/١٥٢..
٤٦ ساقطة من ب ج د..
٤٧ ب: امورا..
٤٨ وهذا قريب جدا ممن جعلها عامة، وانظر: قول ابن جبير السابق قبل قليل، وانظر: أيضا ناسخ مكي ٢٧٥، ونواسخ القرآن ١٤٩ وما بعدها حيث دافع عن إحكامها بأدلة أربعة..
٤٩ ب: لأنه..
٥٠ قال ابن حزم في ناسخه ٣٦: (نسخ آخرها أولها، والناسخ منها قوله تعالى: ﴿إذا اهتديتم﴾، والهدى هاهنا: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وليس في كتاب الله آية جمعت الناسخ والمنسوخ إلا هذه الآية) وانظر: ناسخ مكي ٢٧٤. وفي ناسخ ابن سلامة ٨١ و٨٢ كما في ناسخ ابن حزم، إلا أنه نسب الجملة المبتدئة بقوله: (وليس في كتاب الله...) إلى القاسم بن سلام ثم علق عليها بقوله: (ليس كما قال، بل في كتاب الله هذه الآية وغيرها)، وانظر: كذلك رد قول القاسم بن سلام في نواسخ القرآن ١٤٩..
٥١ ب د: يد..
٥٢ (بالجوارح الطاهرة... إذا قام حينئذ بأداء فرض الله عليه في ذلك بقلبه) تفسير الطبري ١١/١٥٣..
٥٣ انظر: تفسير الطبري ١١/١٥٢ و١٥٣، وفيه تفصيل ما اختصر هنا، وانظر: أيضا تفسير المائدة ٣٦٢، والتفسير الكبير ١٢/١١٢ و١١٣..
٥٤ ساقطة من ب ج د..
٥٥ آل عمران: ١٠٤..
٥٦ المائدة: ٨١..
٥٧ ج د: ترك..
٥٨ ؟؟؟؟؟.
٥٩ انظر : شرح آية المائدة ضمن هذا التفسير..
٦٠ ب: يحب..
٦١ ساقطة من ب ج د..
٦٢ ب: يحمله..
٦٣ ب: اجتماع..
٦٤ ب ج د: للعلماء. وانظر: أحكام ابن العربي ٧٠٩، ٧١٠، والتحرير ٧/٧٧، ٧٨..
٦٥ ب ج د: عليك..
٦٦ ب: و..
٦٧ ساقطة من أ..
٦٨ انظر: الحديث عن معنى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإجماع على وجوبه وشروط القيام به، مصحوبا بمختلف الآثار تحفة المريد ٢٠٢ و٢٠٣. قال مكي في معرض شرح آية آلأ عمران المذكورة قبل قليل: (وأصل المعروف: هو فعل كل ما كان مستحسنا جميلا غير مستقبح) انظر: تحقيق تفسير آل عمران والنساء: ١٣١..
٦٩ ب: المتعد..
٧٠ انظر: تفسير الطبري ١١/١٥٣ و١٥٤..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى