كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني
عن الكتاب
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَآ﴾ يعني يومَ القيامةِ، ونُصِبَ (يَوْمَ) على إضمار اذكُروا واحذرُوا، ويحتمل أنه انتصبَ بقولهِ ﴿وَاتَّقُوا الله﴾، والسُّؤال للرسلِ توبيخٌ للذين أرسِلُوا إليهم، كما في قوله تعالى﴿ وَإِذَا ٱلْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ ﴾[التكوير: ٨] إنما تُسأل الموءودَةُ لتوبيخِ قاتِلها. وأما قولُ الرسلِ: (لاَ عِلْمَ لَنَا)، فقال ابنُ عبَّاس والحسن والسديُّ ومجاهد: (إنَّ هَذا الْجَوَابَ إنَّمَا يَكُونُ فِي بَعْضِ مَوَاطِنِ الْقِيَامَةِ، وَذَلِكَ عِنْدَ زَفْرَةِ جَهَنَّمَ، وَجُثُوِّ الأُمَمِ عَلَى الرُّكَب، لاَ يَبْقَى مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلاَ نَبيٌّ مُرْسَلٌ إلاَّ قَالَ: نَفْسِي نَفْسِي، فَعِنْدَ ذلِكَ تَطِيرُ الْقُلُوبُ مِنْ أمَاكِنِهَا، فَتَقُولُ الرُّسُلُ مِنْ شِدَّةِ هَوْلِ الْمَسْأَلَةِ وَهَوْلِ الْمَوْطِنِ: لاَ عِلْمَ لَنَا) ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾؛ تُرجِعُ إليهم عقولُهم، فيشهَدُون على قومِهم أنَّهم بلَّغوهم الرسالةَ، وأنَّ قومَهم كيف ردُّوا عليهم. فإن قِيْلَ: كيف يصحُّ ذُهول العقلِ مع قولهِ تعالى﴿ لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ ﴾[الأنبياء: ١٠٣] قِيْلَ: إن الفزعَ الأكبرَ دخولُهم جهنَّم. وعن ابنِ عبَّاس: (أنَّ مَعْنَى: لاَ عِلْمَ لَنَا؛ أيْ لاَ عِلْمَ لَنَا إلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا)، فَحُذِفَ الاسْتِثْنَاءُ. وَقِيْلَ: معناهُ: لا علمَ لنا بتفصيلِ الأمُور.